-
-
صدرت النسخة الثانية من أغنية تعا لهون هذا العام، ويظهر فيها الرابر حسن بالمقاربة ذاتها التي كان يتبناها في النسخة الأولى، والتي أصبحت نشيد «عجيان البانهوف» في ألمانيا، لكن المثير في هذه النسخة أن حسن يقول في سيناريو العصابات الذي يُقدّمه: «تعال لهون، لندخن الحشيش والكبتاغون!».
للكلمة الأخيرة وقعٌ خاص لدى السوريين في أنحاء العالم، لأن هذه الحبة، الكبتاغون، أصبحت «صناعة وطنيّة» مُشينة يتبناها النظام السوري، الذي تحول إلى دولة مخدرات تُصدِّر ملايين الحبوب المخدرة. ويبدو أن «خط الإنتاج» يتّسعُ نحو ألمانيا التي تنكر استخدام هذه الحبوب محلياً، حتى أن التقرير الصادر في 2023، عن المركز الأوروبي لمراقبة المخدرات وإدمانها ومكتب الشرطة الفيدرالية الألمانيّة، أشار إلى «غياب أي مؤشرات على وجود أي أسواق ذات أهمية لاستهلاك الكبتاغون في الاتحاد الأوروبيّ»، والمفارقة أن السلطات الألمانية أعلنت في نهاية العام نفسه عن ضبط أكبر كمية حبوب كبتاغون في تاريخ البلاد؛ أكثر من 3 ملايين حبة بقيمة تصل إلى 60 مليون يورو.
بقي الموقف الألماني حول «نُدرة» الكبتاغون في ألمانيا متماسكاً إلى أن كشفَ تحقيقٌ اسقصائيّ مؤخراً عن كميات التصنيع الهائلة، وعن ارتباطها بالسوريين أيضاً، إذ قال لوتز بريسلر رئيس وحدة المخدرات في الشرطة الجنائية الفيدراليّة إن «القوى الأمنية رصدت 10 بالمئة فقط في تجارة المخدرات»، والمقصود هنا كمياتٌ تبلغ 1.2 طن صودرت خلال السنوات الثلاث الماضية.
تُعتبر هذه الكمية التي ضُبِطت هي الأكبر منذ اختراع الدواء في ألمانيا عام 1961 ثم منعه عام 1986 بالتزامن مع عدة فضائح كرويّة، ربما كانت أبرزها تلك التي تورط فيها يواخيم لوف، المُدرّب واللاعب السابق في ناديَي شتوتغارت وفرايبورغ، عندما تم الكشف عام 2015 عن تعاطي لاعبي النادييَن المنشطات خلال السبعينيات والثمانينيات.
كان الردّ الألماني على الكمية السابقة واضحاً، وتزامن مع قانون كبتاغون 2 الأميركيّ، إذ أكد مبعوث ألمانيا الخاص إلى سوريا ستيفان شنيك وقوف بلاده إلى جانب هذا القانون، والعمل على الحد من انتشار المخدر الذي يشكل «تهديداً لمنطقة الشرق الأوسط بأسرها، وتمتد شبكاته الإجرامية وراء الحدود». جاء ذلك أثناء لقاء مسؤولين من العراق وضباط من القوات المسلحة الأردنيّة، دون الإشارة إلى كميات الكبتاغون المُصنَّعة داخل ألمانيا.
تشي كمية الحبوب المُصادرة عام 2023 أننا أمام خط إنتاج يعمل منذ سنوات، ولسنا أمام «عمل مستقل» لكسب القوت اليوميّ، ففي تموز (يوليو) 2023 تمت مصادرة 300 كغ من كراج سيارات قرب رايزنبيزغ وإلقاء القبض على سوريين اثنين بـ«الجرم المشهود»، 51 و31 عاماً، ويقال إن هناك ثالثاً هرب إلى سوريا. تم الكشف عن 2.5 طن من المواد الأولية خلال هذه المداهمة، بالإضافة إلى مُختَبر لكبس حبوب الكبتاغون وَصفه المدعي العام بـ«الأكبر في ألمانيا».
وفي تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته أُوقف أيضاً أربعة مشتبه بهم في مطارَي كولونيا/بون ولايبزغ/آل وبحوزتهم 450 كيلوغرام من الكبتاغون، كما أُوقِف أربعة سوريين في كراج سيارات في آخن يحوي ما لا يقل عن 400 كغ من حبوب الكبتاغون، وأضاف التقرير حينها أن المشتبه بهم صنعوا الحبوب بين عامي 2021 و2023.
ما أثار انتباه المحققين في الجمارك بعد المداهمات أمران؛ الأول هو «الكميّة»، التي فسّرها المحققون على أننا أمام «شبكة عصابات» لا مجرد أشخاص منفردين، والثاني هو «المهارة»، والمقصود هنا هو أسلوب إخفاء الحبوب من أجل تصديرها عبر المطارات، وليس تقنيّة التصنيع.
بنتيجة المداهمة التي قامت بها جمارك المطارَين السابقين، وُجِدَت بعض الحبوب مُخبأة داخل مكابح دراجات نارية متجهة إلى البحرين، والبعض الآخر في فلاتر الهواء وكمية من الشموع المعطرة كانت متجهة نحو السعوديّة.
الأمر ذاته في المداهمة التي وقعت في كراج السيارات، إذ أدهشت أكياس الكبتاغون التي كانت مخزنة داخل 16 طن من أكياس الرمل المحققين، حيث قال أحدهم: «كانت أكياساً عاديّة من محل معدات عادي، مع الطبعة الأصليّة»، وأضاف «نظر المفتشون إلى الأكياس من الخارج، ولو لمسها الواحد منهم لما وجد الحبوب».
المشترك بين هذه المداهمات هو أن المعتقلين يحملون الجنسية السوريّة، كما أن أسلوب إخفاء الحبوب لا يختلف عن ذاك الذي نراه في الصور التي تُبث من عمليات المصادرة على الحدود السعودية والأردنيّة للحبوب القادمة من سوريا، في حين أن المصادرات التي تتم في الإمارات لا تشير إلى «بلد المنشأ».
خطوط إنتاج الكبتاغون الدوليّة مليئة بالمحاذير السياسية، حيث يحتاج كل بلد إلى استراتيجية تعامل خاصة مرتبطة بقوانينه وسياساته، ففي ألمانيا مثلاً لا يتم الحديث عن تصنيع للاستهلاك المحليّ، وفي الإمارات لا يتم الكشف عن مصدر الحبوب، أما في السعوديّة فلا يوجد تردد في الإعلان عن أسماء المتورطين السوريين والحكم عليهم بـ«القتل تعزيراً»، دون أي اعتراض من النظام السوري على إعدام «مواطنيه» في دولة أخرى!
في تقرير صادر عام 2023 عن المركز الأوروبي لمراقبة المخدرات وإدمانها نكتشف بعض ملامح عملية التهريب/التصنيع في ألمانيا، إذ يشير التقرير إلى خدعة بيروقراطيّة مورست عام 2018، حين تمت مصادرة مليون حبّة مُخبّأة في قطع أثاث داخل حاوية قادمة من سوريا نحو هامبورغ، ولتفادي التفتيش قام المشتبه به السوري بتزوير أوراق تقول إن الشحنة قادمة من ألمانيا لا من سوريا.
إذن «المهارة» تأتي هنا على مستويين، إخفاء الحبوب وتزوير الأوراق الرسمية في سبيل تشتيت الانتباه عن المصدر، أي سوريا بوصفها «دولة مخدرات» لا يمكن تفادي تفتيش كل ما يخرج من موانئها، وهذا ما يفسِّر أيضاً محاولات تفادي الإشارة إلى بلد المصدر، حيث يوجد اعتمادٌ على الموانئ الأوروبيّة لإعادة التصدير لا للاستهلاك المحليّ في أوروبا، وهذا ما يشير إليه التقرير بوضوح.
تتكرر في التقارير الخاصة بدراسة الكبتاغون غير القانوني معلومات مثيرة للاهتمام. مثلاً، قد لا تحتوي الحبوب المُصادرة على المادة الفعّالة (الأمفيتامين)، أي أن «الجودة» تختلف حسب «بلد المنشأ» وطبيعة المواد المستخدمة، فنسبة المواد الفعّالة في حبة الكبتاغون الدوائي المُصنع رسمياً، والتي تؤخذ عبر الفمّ، هي 24.5 بالمئة من الأمفيتامين و13.7 بالمئة من الثيوفيلين، في حين يُشير تقرير المركز الأوروبي لمراقبة المخدرات وإدمانها إلى أن الحبوب المصادرة في ألمانيا تحتوي أقل من 20 بالمئة من الأمفيتامين، وأحياناً توجد حبوب دون أي أثر للأمفيتامين.
وتشير دراسة أخرى للمركز ذاته، منشورة عام 2018، أن نسبة 12 إلى 18 بالمئة من الكبتاغون المُصادر في السعوديّة لا تحوي أمفيتامين نهائياً، في حين أن نسبة الثُلث تحتوي على أمفيتامين، والباقي مجرد آثار له. وأشار التقرير إلى دفعة تمت مصادرتها في لبنان لم تحتوي على أمفيتامين أبداً، إذ حَوَت على الكافيين فقط!
الملفت هنا هو تصنيع الحبوب المزيفة، وذلك مرتبطٌ بالسوق وحجم الإنتاج، ففي تقرير صادر عام 2023 عن مركز البحوث العلمية والجنائية نقرأ أن 16 إلى 41 بالمئة فقط من الحبوب المصادرة تحتوي على أمفيتامين، والباقي مواد منبهة فقط، لكن في بيانات المحكمة الخاصة بصاحبَي مختبر إنتاج الكبتاغون في ألمانيا، تبيَّنَ أن نسبة الأمفيتامين تصل إلى 25.8 بالمئة.
لم نجد مصادر كافية عن تحليل مكونات حبوب الكبتاغون المُصنّعة في سوريا، لكن عدة دراسات أُجريت في السعوديّة تكشف ما يؤكد المفارقة ذاتها؛ «عشوائيّة» عملية صناعة الحبوب. في دراسة جنائية- طبيّة أُجريت في السعوديّة عام 2021 على مجموعة من الحبوب المصادرة (نظن أن مصدرها سوريا لكن الدراسة لم تُشر إلى ذلك)، نقرأ أن «المثير للاهتمام، وغير المعهود» هو وجود الكافيين، وأن التفاوت بين كميات الأمفيتامين في الحبوب المصادرة، سواء في السعودية أو دول المنطقة العربيّة، يتراوح بين 16 و41 بالمئة، الأمر الذي فسرته الدراسة بـ«عدم وجود بروتوكول ثابت لصناعة هذه الحبوب، والأمفيتامين يضاف بصورة عشوائيّة دون الأخذ بعين الاعتبار حجم الحبّة».
يشير هذا التفاوت، سواء في السعودية أو ألمانيا، إلى أننا أمام عمل يدوي دون تعليمات مخبريّة، قائم على المتوفر من مواد وعلى التقدير الشخصي في مزجها، بعيداً عن الدقة والإتقان، ناهيك عن التركيز فقط على إنتاج كميات كبيرة، فتكلفة الحبة الواحدة لا تتجاوز السنتيمات، في حين يتحرك ثمنها في السعوديّة بين 5 إلى 25 دولار.
هناك أيضاً غيابٌ لإشارات واضحة بشأن خط تهريب المواد الأولية لتصنيع الكبتاغون. أشار تقرير وكالة مكافحة المخدرات في الاتحاد الأوروبي، الصادر العام الماضي، إلى أن المواد الأولية تأتي عبر هولندا (يشير التقرير إلى أنها البلد الوحيد الذي ما يزال يمتلك مخزوناً من الفينيثايلن، وبقيت كميات منه موجودة إلى عام 2005 حين صُودر 212 كغ). لكن الأطنان المُصادَرة تكشف كمية المواد الأولية التي يتم استيرادها/تهريبها عبر شبكات محلية وشركات تمتلك رخص استيراد أو قدرة لوجستيّة، الأمر الذي لا يُشار إليه في التحقيقات (ربما بسبب استخدام بدائل عن المادة الفعالة)، بل يشار في تقارير مكافحة المخدرات إلى أن «التصنيع حسب الطلب» في هولندا هو «انتهازية لكسب المال»، باعتبار أن المافيات المحلية في هولندا لا تهتم أصلاً بصناعة هذه الحبوب! ويتم الحديث عن «انتهازية لكسب المال» لأن كلفة إنتاج الكبتاغون منخفضة نسبياً، فكلفة تصنيع كل 100 كغ من الكبتاغون تقارب الـ50 ألف يورو، وتولِّد ربحاً قد يفوق الـ8 مليون يورو بسعر الشارع.
شملت الاعتقالات التي جرت عام 2023 في ألمانيا مواطنين سوريين (لاجئين أو مقيمين)، وآخرين من جنسيات متعددة، وأبرز هذه الاعتقالات كانت من العاملين في مكبس الكبتاغون في الكراج سابق الذكر. ويشرح المعتقل ذو الـ52 عاماً في شهادته الأولى، التي كتبها وقرأها محاميه في المحكمة في شهر آذار (مارس) هذا العام، أنه «مُستخدِم اعتيادي للكبتاغون»، و«ساعدَ صاحب المتجر في الحصول على المواد الأوليّة»، لكنه «لم يكن يقوم بالصفقات أو التهريب»، وكان هدفه فقط الربح وتأمين «مؤونته» الخاصة من الحبوب للاستخدام الشخصي. وأفادت التحقيقات أن بيوت المشتبه بهما وكراج السيارات حَوَت كميات كبيرة من الحبوب والمواد الأولية الكافية لصناعة 3 أطنان من الحبوب، التي كان من المفترض أن تُرسل إلى السعوديّة ضمن قطع سيارات.
صدر الحكم على المتهمين لاحقاً، إذ حُكم السوري ذو الـ52 عاماً بالسجن لمدة 8 سنوات و9 أشهر بتهمة تهريب المخدرات، أما الآخر، ذو الـ31 عاماً، فحُكم بـ4 سنوات للمساعدة في تهريب المخدرات، في حين ما زال المتهم الثالث طليقاً، وهو والد الشاب ذو الـ31 عاماً.
والملفت أيضاً هو غياب أي أموال أو دفعات مالية رتبط بالإتجار بالمخدرات في الحسابات البنكية الخاصة بالمتهمين، ولا يعني ذلك أننا أمام مُصنّعين مستقليّن، بل يعني أن الاعتماد يكون على الدفع النقدي (الكاش) لتفادي أي ملاحقة أو ترك أي أثر.
ولعلّ أبرز ما يثير الاهتمام في القضية السابقة هو المكبس الذي استُخدِم لصناعة الحبوب، وهو ما أطلق عليه اسم «ماكينة وضع اللاصق على الجدران» أو Tapeziermaschine. هذه الآلة قادرةٌ حسب الوصف على إنتاج 37 ألف حبة بالساعة، وتم تعديلها لتكتسب هذه القدرة.
الواضح أننا أمام ماكينة متعددة الرؤوس لصناعة الحبوب، أي ماكينة صناعية لا يدوية أو منزليّة، وبعد مقارنة مع الأنواع المختلفة يرجّح أنها من نوع Manesty D3B، التي تصنعها شركة Manesty بريطانية الأصل، والتي استحوذت عليها شركة بوش الألمانية عام 2011. ويمكن شراء الآلة مستعملة بسعر 8 آلاف يورو، وتزن حوالي 900 كغ، وهي قادرة على إنتاج 31 ألف حبة بالساعة.
يتضح من تفاصيل المُداهمة أن المختبر هو مكان التصنيع فقط، في حين يتم التوضيب والشحن بالتعاون مع فئة أو جماعة مختلفة، وفي مكان آخر. لكن إلى الآن، لا أخبار حاسمة عن ارتباط الشبكة أو الشبكات بالنظام السوري، خصوصاً مع غياب تحويلات بنكيّة قادرة على إثبات هذه العلاقة.
لكن يمكن تلمُّس طريق التهريب في لقاء مع يوسف «اسم وهمي»، الذي يُوصَف بأنه «لاجئ من سوريا» كان «نشطاً في المعارضة» ويعمل في ألمانيا بمجال النقل، يقدر ربحه بـ30 ألف يورو لكل «عملية توصيل» دون أن نعلم إلى أين بدقة.
تسيسس «مُخدِّر الجهاديين»: هل تبقى صاحياً في «سبيل الله» فقط؟
أودت حادثة الطعن الأخيرة التي قام بها طالب لجوء سوري بحياة 3 أشخاص وجرحت ثمانيّة، وكانت أشبه بـ«هديّة» لليمين المتطرف الألماني الذي وجدها فرصة لدعم حملته الانتخابيّة المعادية للمهاجرين، خصوصاً بعد «مبايعة» مرتكب الجريمة لتنظيم داعش. ولا نعلم إن كان الخطاب اليميني المتطرف قد استفاد فعلاً من هذه العلاقة الظرفية بين «الإرهاب الداعشي» والجرائم في ألمانيا والكبتاغون، لكن الواضحَ أن التركيز منصبٌ على العلاقة بين الكبتاغون والنظام السوري و«رجالاته» فقط.
في ألمانيا اليوم، وتحديداً بعد 7 أكتوبر، نرى العلاقة الظرفية بين الجهاد الإسلامي والكبتاغون تتردد في نشرات الأخبار، التي تتناول تطورات قضايا الكبتاغون السابقة، على شكل فقرة مكررة تقول إن «حبوب الجهاديين» هذه وُجِدَت على جثث مقاتلي حماس الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي في 7 أكتوبر، الأمر الذي لم يكن يَحضرُ في الأخبار سابقاً، بل كان يُكتفى بالإشارة إلى داعش والنظام السوري.
تعود العلاقة المزعومة بين مقاتلي حماس وضبط كميات من الكبتاغون بين الجثث إلى خبر تم تداوله في 19 تشرين الأول (أكتوبر)، أي بعد أكثر من 10 أيام على الهجمات، حيث أفادت «تقارير» بُنِيَت على تغريدة لم تَعُد موجودة بسبب تعليق حساب صاحبها، وهو أحد المستوطنين في كيبوتز يتسهار، عن وجود الكبتاغون في جيوب مقاتلي حماس إلى جانب الرصاص. جاء في التغريدة: «وثَّقَ صديقٌ لي في المناطق المحيطة بالمستوطنات أن الإرهابيين وصلوا مع أكياس من الكوكايين لتغذية رغباتهم الشيطانيّة».
جيروساليم بوست التقطت الخبر ونشرته في 19 أكتوبر دون أي مصدر واضح، وفي 12 تشرين الثاني (نوفمبر) نشرت هآرتس مقالاً جاء فيه أنه «من المُرجَّح أن الجثث التي تحوي كبتاغون لم تكن فقط للإرهابيين، بل أيضاً للغزيين العاديين والمجرمين الذين لحقوا بمسلحي حماس داخل الكيبوتز لأجل نهبه»، وتشير بعدها إلى مُصادرة إسرائيل لشحنات كبتاغون مهرّبة إلى قطاع غزة والضفة الغربيّة تعود إلى 2015.
لا نحاول هنا تبرئة حماس من الكبتاغون، ولا نتكلم عن غياب خطوط التهريب إلى قطاع غزة (يسمّى هناك بحبوب روتانا)، إذ بدأ يظهر بكميات كبيرة منذ عام 2018، وضُبطت كميات منه في أيلول (سبتمبر) عام 2023 (30 ألف حبة)، وضُبطت أكثر من 2000 حبة في الخليل في الضفة الغربيّة، كما كشفت صحيفة لو فيغارو الفرنسية مطلع عام 2023 عن تهريب الحبوب إلى القطاع و«مُصادَرة شرطة حماس لآلاف الحبوب» المتوفّرة بكثرة. على حد قول أحد الذين قابلتهم الصحيفة «الحصول على الحبوب أسهل من شراء زجاجة بيرة»، وبالطبع كل هذه الحبوب مصدرها، حسب الأخبار والتقارير، النظام السوري.
لكن هذه العلاقة بين الكبتاغون والجهاديين مثيرة للاهتمام، وقد تغذّي شكلاً من أشكال العنصرية، بل قد تُلاحِقُ تهمُ الإرهاب من يتعاطى هذا المخدر في أوروبا، وهذا ما تتلقفه وسائل الإعلام وتروج له ثم تنفيه التقارير الرسميّة.
في تقرير أوروبي عن تهريب الكبتاغون في أوروبا، هناك إشارة تفيد أنه لا علاقة للعمليات الإرهابية في فرنسا عام 2015 بالكبتاغون (لم يتعاطاه الإرهابيون) بعكس ما تداولته وسائل الإعلام، ولا بالاعتداءات الأخرى في الدول الأوروبيّة، وهنا يظهر الموقف الألماني بوصفه مريباً ويحشر هذه المعلومة الخاصة بحماس دون تأكيد أو مصدر موثوق.
لاحظت صحف عديدة هذه العلاقة الملتبسة بين «الجهاديين» والكبتاغون؛ مثلاً نشرت التليغراف تقريراً يكفي عنوانه ليشرح محتواه: فظاعات حماس لا دخل لها بحبة الجهاديين الكبتاغون. التركيز على هذه العلاقة المفتعلة أشارت لها «RFi» الفرنسيّة أيضاً، في تحقيق صحفي باسم الكابتاغون ليس عقار الجهاديين.
يستمر نفي هذه العلاقة أوروبياً حتى في الشهادات التي تتناول مقاتلي داعش. مثلاً دايفيد ثومبسون، صاحب كتاب العائدون: ذهبوا للجهاد والآن عادوا، 2018، الذي يتتبع سِيَر الجهاديين العائدين من سوريا والعراق إلى فرنسا، يشير في أحد الهوامش (ص94) إلى «أنهم (أي الجهاديين) لم يشاهدوا أبداً أي حبة كبتاغون يتم تبادلها»، بل إن البعض سُجنوا من قبل داعش «لأخذهم حبوب مهدئة للألم دون أن يكونوا مصابين». ويلخص الكتاب هذه العلاقة بين الجهاديين والكبتاغون، ففي اقتباس آخر نقرأه في الصفحة 87 على لسان «الزبير» العائد من سوريا إلى فرنسا: «لو كانوا تحت تأثير المخدّر كان بالإمكان أن نعذرهم، لكن لا، هم مجرد حمقى».
حماس، داعش، جهاديين، كبتاغون، نحن هنا أمام سياسة دعائية من نوع ما. تتكرر محاولات ربط الكبتاغون بالإرهاب في وسائل الإعلام بعد كل عمل إرهابي، داخل أوروبا وخارجها، لكن يُكتشف زيفها لاحقاً مع ظهور الأدلة القانونيّة، ومع التأكيد الدائم على غياب سوق محلي للكبتاغون في ألمانيا. يظهرُ التناقضُ حين نجد الكبتاغون في أغنية تعا لهون 2، وحين يعترفُ أحد العاملين في المصنع الذي تمت مداهمته بأنه وافق على «العمل» ليؤمن «مؤنته الشخصيّة». وطبعاً لا نحاول هنا أن نقول أن تعاطي «أبو هلالين» حكرٌ على السوريين، ولا أن نأخذ محتوى أغنية الراب على محمل الجدّ، لكن النفي الألماني لحضور الحبوب المخدرة في ألمانيا مريب، لأنه يتجاهل حقيقة أنها ذُكرت في اعترافات محكمة وفي أغنية «أندرغراوند».
على الطرف المقابل من السياسة الدعائية، يتم التركيز دائماً على نظام الأسد بوصفه المصدر الأول، وهذا ما لا جدال فيه، لكن امتداد هذه «التجارة» إلى أوروبا، ودور المافيات الإيطالية فيها مثلاً، وتأمين المواد الأوليّة، أمورٌ تكشف أن هناك تركيزاً على المهاجرين وتقليلاً من أهمية «الشركاء المحليين» من مهربين ومستوردين، خصوصاً أننا أمام كميات ضخمة لا يمكن القيام بها بشكل فردي أو ضمن جماعات صغيرة. كما أن ربط هذه الحبّة بالإرهاب، ولو من خارج السياق كما في حالة 7 أكتوبر، قد يمهد لخطاب عنصري وتهمة جديدة تضاف للمهاجرين كـ«مدمنين إرهابيين»، خصوصاً حين نرى تكرار عبارة «لاجئين سوريين» بوصفهم مُتّهمين بالتصنيع والإتجار دون التركيز على الشبكات المحليّة و«الشركاء الأوروبيين».
-


























