وفقاً لتقرير لصحيفة “فايننشيل تايمز” البريطانيّة، تركّز المملكة العربيّة السعوديّة جهودها للترويج لميناء نيوم محوراً تجاريّاً يربط الخليج بأوروبا وإفريقيا، في إطار تحوّل استراتيجيّ نحو ساحل البحر الأحمر الذي ظلّ مهملاً لفترة طويلة، وذلك لمواجهة تداعيات سيطرة إيران على مضيق هرمز.
تركّز المملكة السعوديّة على ميناء نيوم، باعتباره أحد العناصر العمليّة التي يمكن أن تعزّز مرونة الاقتصاد السعوديّ في مواجهة الأزمات التي تكبّدتها المملكة عندما أدّت الهجمات الإيرانيّة على الملاحة، في أعقاب الضربة الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران في شباط، إلى تعطيل فعليّ للتجارة من شرق المملكة الغنيّ بالنفط، فقلّصت الرياض ودول خليجيّة أخرى اعتمادها على مضيق هرمز.
ينقل تقرير “فايننشيل تايمز” تغريدة لفريق نيوم على منصّة X يقول فيها إنّ “الميناء يبرز بوّابةً رئيسةً مع تغيّر مسارات التجارة وتطوّر الديناميكيّات الإقليميّة. بفضل موقعه الاستراتيجيّ على البحر الأحمر وتشغيله الكامل، يُتيح بالفعل تجارة أسرع حركة وأكثر ترابطاً”.
تسعى المملكة السعوديّة في ظلّ تعطّل مضيق هرمز إلى ترسيخ كونها مركز عبور إقليميّاً، فاستوعبت مطاراتها جزءاً من عمليّات شركات طيران خليجيّة، وقدّمت تسهيلات لمرور شاحنات الغذاء لدعم الدول المجاورة
مركز عبور إقليميّ؟
إلّا أنّ التقرير يلفت إلى أنّ طبيعة البضائع التي يتمّ شحنها عبر الميناء لا تزال غير واضحة، وخصوصاً أنّه لا يتعامل مع النفط. تؤكّد الشركة، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامّة، أنّ الميناء يعمل بكامل طاقته، وقد استقبل نحو 2.2 مليون طن من البضائع في عام 2024، أي ما يعادل نحو 2% من واردات المملكة. هذا وأظهرت صور أقمار صناعيّة نشاطاً ملحوظاً في الموقع، مع اكتمال أعمال الحفر وتركيب الرافعات.
يفيد التقرير، نقلاً عن دبلوماسي غربيّ، بأنّ مركز الثقل الاقتصاديّ السعوديّ بدأ يتحوّل تدريجاً نحو الساحل الغربيّ، على الرغم من أنّ المملكة تأثّرت بالحرب بدرجة أقلّ من بعض جيرانها في الخليج. تمكّنت الرياض من إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها النفطيّة إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب شرق-غرب، الذي يعود إنشاؤه إلى حقبة الحرب العراقيّة-الإيرانيّة في ثمانينيّات القرن الماضي.
تظهر بيانات شركة “كبلر”، وفق التقرير، أنّ صادرات النفط من ميناء ينبع ارتفعت بنحو أربعة أضعاف منذ شباط فتجاوزت 29 مليون برميل أسبوعيّاً في أوائل نيسان، على الرغم من تعرّض الميناء والبنية التحتيّة المرتبطة به لهجمات. يشير التقرير إلى أنّ موقع ينبع، الممتدّ على مسافة تزيد على 1,200 كيلومتر عبر شبه الجزيرة العربيّة، يجعله أقلّ عرضة للتهديدات مقارنة بمنشآت النفط على الساحل الشرقيّ.
بحسب التقرير، تسعى المملكة السعوديّة في ظلّ تعطّل مضيق هرمز إلى ترسيخ كونها مركز عبور إقليميّاً، فاستوعبت مطاراتها جزءاً من عمليّات شركات طيران خليجيّة، وقدّمت تسهيلات لمرور شاحنات الغذاء لدعم الدول المجاورة. ينقل عن تيم كالين، الباحث في معهد دول الخليج العربية في واشنطن والرئيس السابق لبعثة صندوق النقد الدوليّ إلى المملكة السعوديّة، قوله إنّ المملكة بذلت “جهوداً كبيرةً” في تطوير موانئ البحر الأحمر ضمن استراتيجيتها اللوجستيّة، مع تحقيق تقدّم في البنية التحتيّة والإجراءات الجمركيّة.
مع ذلك، يشير التقرير إلى أنّ هذا التحوّل لا يزال يواجه عقبات، أبرزها ضعف البنية التحتيّة في غرب المملكة، وغياب شبكة سكك حديديّة مباشرة إلى البحر الأحمر، علاوة على محدوديّة الطاقة الاستيعابيّة في ميناء ينبع الذي لم يتمكّن، حتّى في ذروة نشاطه، من تعويض سوى نصف الكميّات التي كانت تصدر عبر الخليج قبل الأزمة. إلى ذلك لا يزال متعثّراً مشروع “الجسر البرّي”، الذي يهدف إلى ربط الرياض بجدّة عبر خطّ سكّة حديد بطول 1,500 كيلومتر، مع توقّعات بإتمامه بحلول عام 2034.
دبلوماسيّ غربيّ: لا يمكن للمملكة على المدى البعيد أن تتعايش مع سيطرة إيران على المضيق إذ يظلّ هذا الأخير ذا أهمّيّة استراتيجيّة بالغة للمملكة السعوديّة
أهمّيّة استراتيجيّة متزايدة
يشير التقرير الى إطلاق السلطات السعوديّة خمسة “ممرّات لوجستيّة” جديدة لربط الخليج بالبحر الأحمر، إلّا أنّه يلفت إلى أنّ هذه الممرّات تتكوّن بمعظمها من طرق وشبكات موجودة سابقاً لشاحنات نقل البضائع للوصول إلى خطوط السكك الحديديّة القائمة بالقرب من الرياض وفي الشمال، فيما لا يزال مرفأ جدّة الإسلامي أكبر مرفأ في المملكة السعوديّة من حيث السعة، مع مشروع لتوسيعه بقيمة 800 مليون دولار أميركيّ، وتمّ إطلاقه العام الماضي بالتعاون مع شركة موانئ دبي العالميّة بهدف رفع طاقته الاستيعابيّة بمقدار الثلث لتصل إلى 10 ملايين حاوية قياسيّة.
يضع التقرير هذه التحرّكات ضمن سياق أوسع من محاولات المملكة لاستغلال ساحلها الممتدّ على البحر الأحمر بطول 1,830 كيلومتراً لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط وإطلاق مشاريع اقتصاديّة تخفّف الضغط عن جدّة وتطوّر مناطق أخرى من الساحل، مع نتائج متفاوتة مثل مشروع مدينة الملك عبدالله الاقتصاديّة التي واجهت صعوبات في جذب الاستثمارات والسكّان. تعثّرت خطّة استقطاب المستثمرين الآسيويّين إلى مصفاة جيزان قرب الحدود اليمنيّة بسبب الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008. بينما في المقابل، نجحت المملكة السعوديّة في تطوير مشاريع سياحيّة فاخرة، وتسعى إلى أن تكون مركزاً لوجستيّاً منافساً.
لكن على الرغم من الانتقادات التي وُجّهت إلى مشروع نيوم باعتباره مكلفاً وطموحاً بشكل مفرط، يرى بعض الخبراء، وفق التقرير، أنّ بنيته التحتيّة قد تكتسب أهميّة استراتيجيّة متزايدة. تنقل الصحيفة عن الباحثة إيلانا ديلوزير قولها إنّ نيوم “لم يُصمّم أساساً ليكون بديلاً لمضيق هرمز، لكنّه قد يؤدّي هذا الدور مستقبلاً”. بحسب التقرير، تواصل المملكة تطوير مشاريع داخل نيوم مثل “أوكساغون”، مع التركيز على الصناعات المتقدّمة ومراكز البيانات، فيما يُتوقّع أن تبلغ الطاقة الاستيعابيّة لميناء نيوم نحو 1.5 مليون حاوية سنويّاً، على الرغم من أنّ بعض أجزائه لا تزال قيد الإنشاء.
يحذّر التقرير من أنّ التحوّل نحو البحر الأحمر، على الرغم ممّا يوفّره من حماية نسبيّة من التهديدات الإيرانيّة، يفتح الباب أمام مخاطر أخرى، منها عدم الاستقرار في شرق إفريقيا وهجمات الحوثيّين في اليمن، الذين سبق أن استهدفوا ينبع وخطّ أنابيب النفط الرئيس الذي يربط الشرق بالغرب عام 2019. تعرّض خطّ الأنابيب نفسه لهجوم إيرانيّ في وقت سابق من هذا الشهر، فتوقّف تدفّق 700 ألف برميل يوميّاً لعدّة أيام. مع ذلك، يرى سلطان العامر، من مجلس سياسات الشرق الأوسط، أنّ الحوثيّين “يشكّلون تهديداً أقلّ من قوّة إقليميّة مهيمنة يمكنها فرض شروطها مثل إيران”.
لكن بحسب الدبلوماسيّ الغربيّ، لا يمكن للمملكة على المدى البعيد أن تتعايش مع سيطرة إيران على المضيق. إذ يظلّ هذا الأخير ذا أهمّيّة استراتيجيّة بالغة للمملكة السعوديّة على الرغم من أنّ خطّ الأنابيب والوصول إلى البحر الأحمر يوفّران خيارات.
- أساس ميديا























