في وقت ما خلال سنوات الثورة والحرب، كنا مشغولين بتتبع أثر الهاربين من قمع النظام وإرهابه. وها نحن، بعد سقوطه، بتنا نتتبع أثر القادمين من المنفى.
في شهادات العائدين إلى سوريا بعد سقوط الأسد، سرعان ما يظهر أن العودة ليست مجرد عبور للحدود في الاتجاه المعاكس. بالنسبة إلى كثير من السوريين الذين عاشوا سنوات طويلة في الشتات، تبدو الرحلة أقرب إلى دخول منطقة ملتبسة بين زمنين: سوريا التي بقيت في الذاكرة، وسوريا التي كانت تنتظرهم على الجانب الآخر من الحدود.
خلال سنوات الغياب، لم تتوقف سوريا عن الوجود في حياة أبنائها. بقيت في الصور، والأغاني، وأسماء الشوارع، وفي محاولة استعادة الأمكنة عبر “غوغل إيرث”، وفي وجوه الأصدقاء وبيوت الأهل وتفاصيل صغيرة تحولت، مع البعد، إلى علامات على وطن كامل. لكن الذاكرة لا تحفظ المكان كما هو. إنها تعيد بناءه، تنتقي منه ما تشاء، وتترك أشياء أخرى، وغالباً ما توقفه عند اللحظة التي غادره فيها صاحبه. لذلك قد يكون أصعب ما في العودة أن الواقع لا يشبه ما حفظته الذاكرة.

في مقالة الكاتبة بثينة عوض في “المدن” عن رحلتها، اختارت عنواناً لافتاً: “القرداحة بعد الأسد: حين سبقتني الذاكرة إلى القرية”. قبل أن تصل إلى المكان، كانت ذاكرتها قد بلغته، وأعادت ترتيب تفاصيله وصوره وأشخاصه. وعندما وصلت، كان عليها أن تواجه القرية الفعلية، لا تلك التي ظلت حية في رأسها طوال سنوات الغياب.
القرداحة هنا ليست مجرد قرية تغيرت. إنها مثال على العلاقة المعقدة بين السوري والمكان الذي غادره. فالزيارة لا تستعيد الماضي، لأن المكان نفسه لم يتوقف عن التحول أثناء غياب صاحبه.

الإياب إلى الزمن الضائع
ربما لا توجد عبارة أكثر مباشرة لوصف هذه التجربة من عنوان كتاب الشاعر بشير البكر “سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع”. وطأت قدماه البلاد بعد غياب امتد نحو خمسة وأربعين عاماً، لكنه لم يكن يتجه إلى جغرافيا فقط، بل إلى زمن شخصي وثقافي وسياسي انقطع.
الماضي نفسه يصبح موضوع الرحلة. يبحث عن الأماكن والأصدقاء والوجوه التي تركها، فيجد أن الزمن لم ينتظره: بعض الأشخاص غابوا، وآخرون تغيروا، وبعض الأمكنة لم تعد كما عرفها. تصبح الرحلة، بهذا المعنى، بحثاً عن شيء لم يعد موجوداً.
الإنسان لا يكتشف أن البلد تغير وحده، بل يكتشف أيضاً أن الزمن الذي كان يمنح المكان معناه قد مضى.
عنوان البكر يتجاوز اسم الكتاب ليقترب من تجربة جيل كامل من السوريين الذين غادروا البلاد ثم عادوا إليها بعد سنوات طويلة. هم لا يستردون المكان الذي تركوه، لأن ذلك المكان صار يعيش في زمن آخر.

“أنا تغيرت أيضاً”
في كتاب “الوصول إلى سوريا”، الذي يسجل فيه الروائي إبراهيم العَلْوَش رحلته بعد أكثر من أحد عشر عاماً من اللجوء، تظهر المسافة بصورة أوضح. قبل أن يبدأ الرحلة، يكتب أن الناس تغيروا، والبلاد تغيرت، وهو تغير أيضاً: في عمره ونفسيته وثقافته وعاداته. البلدان التي مر بها خلال اللجوء تركته مختلفاً عما كان عليه حين غادر.
هذه الجملة مهمة لفهم تجربة العودة. فالقادم لا يقف أمام سوريا وحدها، بل أمام الشخص الذي كانه ذات يوم. وبين الاثنين سنوات من المنفى والحياة الجديدة والتجارب التي لا يمكن محوها بمجرد الوصول.
حين وصل العَلْوَش إلى دمشق، ظهرت هذه المسافة في التفاصيل اليومية: الكراج، الشوارع، الناس، أسلوب التعامل، والاحتفالات التي ملأت المدينة بعد سقوط النظام. الأشياء الصغيرة نفسها كانت قادرة على فتح باب إلى الماضي، أو على إظهار أن الأيام الغائبة لم تعد قابلة للاستعادة. إنها مواجهة بين حياتين: حياة انتهت، وأخرى بدأت أثناء الغياب.
حين لا يبقى من البيت إلا الذاكرة
في تحقيق لتلفزيون سوريا بعنوان “بعد أكثر من عام على سقوط الأسد.. كيف يرى العائدون من كندا سوريا اليوم؟”، نجد شهادات مباشرة عن هذه المواجهة.
من بينهم عمرو نائل، الذي عاش سنوات طويلة في كندا قبل إنهاء غربته. لم تكن المشكلة بالنسبة إليه أن البلاد تغيرت فحسب، بل أن بعض الأمكنة التي كانت حاضرة بقوة في ذاكرته فقدت ملامحها. حين زار بيت طفولته في ريف حلب، وجد أن البيت الذي كان جزءاً من تكوينه لم يبق منه تقريباً سوى صورته في ذهنه. هنا تبلغ المفارقة حدها الأقصى: المكان الذي يفترض أن يكون الدليل المادي على الماضي يصبح شيئاً لا وجود له إلا في الذاكرة. لكن التحقيق نفسه يقدم وجهاً آخر للعودة من خلال جمال منصور. كانت زيارته الأولى مشبعة بنشوة سقوط النظام واستعادة القدرة على المشي في دمشق من دون الخوف الذي لازم السوريين لعقود. ثم اصطدمت هذه النشوة بثقل الحياة اليومية: الدمار، والفقر، وارتفاع الأسعار، وصعوبة العيش.
النشوة الأولى كانت مرتبطة باللحظة التاريخية، أما الحياة فتبدأ بعدها، حين تخفت الاحتفالات ويعود الإنسان إلى تفاصيل يومه.
البيت: ذكرى أم مشروع؟
وفي تحقيق نشرته “الجزيرة نت” في أبريل/نيسان 2025 عن استقرار السوريين القادمين من تركيا، يروي أحمد العكام، بعد أحد عشر عاماً من الغياب، أنه يريد إعادة بناء منزله المدمر في حلب القديمة والسكن فيه.
تختلف هذه التجربة عن تجربة البكر أو عوض. البيت هنا ليس مكاناً يستعيده الرجل في الذاكرة، بل مشروع للمستقبل. لا يستطيع العكام استعادة البيت الذي تركه، لكنه يستطيع أن يبني بيتاً جديداً في المكان نفسه.
قد تكون هذه إحدى الطرق للخروج من خذلان الذاكرة: ألا يصر المرء على استعادة الماضي كما كان، بل يبدأ بصناعة واقع آخر. النجاح، في هذه الحالة، ليس في العثور على البيت الذي يتذكره، وإنما في القدرة على أن يقول: هذا بيتي الآن.
ذهاب المرء إلى بلد لا يعرفه
في تحقيق “راجع إلى البلد” الذي نشرته “المجلة” في يناير/كانون الثاني 2025 عن السوريين الآيبين من الشتات، تظهر شهادة مختلفة لأحمد، من درعا، الذي غادر سوريا في سن مبكرة وعاش سنوات طويلة خارجها. أصبحت معرفته ببلده محدودة بدرعا وبالتجربة التي عاشها في السجن.
لذلك لا تعني عودته استعادة وطن يعرفه جيداً، بل اكتشاف وطن لم تتح له فرصة معرفته. كان يريد أن يرى دمشق القديمة، وأن يزور حمص واللاذقية، وأن يتعرف إلى بلد يعرفه أكثر من خلال الحكايات والذاكرة.
هذه واحدة من مفارقات المنفى: فهو لا يبعد الإنسان عن وطنه فقط، بل قد يحرمه من معرفة وطنه نفسه.
ليست دائماً استعادة
لهذا لا توجد تجربة واحدة للعودة. هناك من يعود إلى البيت، ومن يقصد العائلة، ومن يريد استعادة طفولته، ومن يبحث عن مكان فقده منذ سنوات. هناك من يعود ليعيد بناء ما تهدم، ومن يبدأ حياة جديدة، ومن يتحرك من أجل أبنائه، ومن يعود بدافع سياسي أو عاطفي، ومن يصل ثم يكتشف أن الإقامة مؤقتة.
في شهادة منشورة في راديو السويد العربي في ديسمبر/كانون الأول 2024، كان فادي زيدان يمثل الوجه المتفائل لهذه الحركة المبكرة. قرر مغادرة السويد نهائياً، انطلاقاً من اعتقاده بأن سقوط النظام فتح فرصة جديدة، وأن الحياة يمكن أن تستعيد مسارها.
لكن شهادات أخرى كانت أقل تفاؤلاً. في حالة شادي كرزي، الذي تحدثت عنه “هولندا اليوم” بعد انتقاله من هولندا إلى دمشق، ارتبطت الرحلة أولاً بزوال الخوف السياسي الذي دفعه إلى مغادرة سوريا قبل اثني عشر عاماً.
بين النموذجين تتسع المسافة: لا يعود السوريون للأسباب نفسها، ولا يجدون في سوريا الشيء نفسه.
الراجع والمغادر
ولعل أكثر ما يكشف تعقيد هذه المرحلة أن الحركة لا تسير دائماً في اتجاه واحد.
في “الوصول إلى سوريا”، يروي العَلْوَش لقاءه في مطار إسطنبول بعائلة سورية كانت في طريقها إلى الخارج، بينما كان هو يشد الرحال نحو البلاد. أحد السوريين يغادر، وآخر يعود.
المشهد عابر، لكنه يقول الكثير عن هذه المرحلة. سوريا لم تتحول فجأة إلى مكان يريد الجميع الاستقرار فيه، كما أن المنفى لم يعد مكاناً يريد الجميع مغادرته.
يمكن لسوري أن يرى في العودة خلاصاً، ويرى آخر فيها مخاطرة. قد يستقر شخص في بيته، فيما تبقى زوجته وأطفاله في الخارج. وقد يكتفي آخر بزيارة قصيرة ثم يقرر أن حياته أصبحت في مكان آخر.
لذلك لا يكفي أن نعرف عدد الذين عبروا الحدود باتجاه سوريا. السؤال الأصعب هو: ماذا حدث لهم بعد العبور؟ ومتى يصل الإنسان فعلاً؟ هل حين يعبر الحدود؟ حين ينام في بيته؟ حين يستعيد عمله السابق أو يجد عملاً جديداً؟ حين تلحق به عائلته؟ حين يستطيع أن يمشي في مدينته من دون خوف؟ أم حين تصبح سوريا التي يعيش فيها أقل بعداً عن سوريا التي يحملها في ذاكرته؟ لا توجد إجابة واحدة.
العودة ليست حركة في الجغرافيا فقط، بل محاولة لإعادة وصل زمنين انقطعا: الماضي الذي بقي في الذاكرة، والحاضر الذي تغير من دون صاحبه.
والمرء لا يكتشف أن سوريا تغيرت فقط، بل يكتشف أنه هو أيضاً لم يعد الشخص الذي غادرها. لهذا يخذل الواقع الذاكرة. وربما لا ينبغي النظر إلى هذا الخذلان بوصفه مأساة وحدها؛ فالذاكرة كانت تحاول استعادة شيء لا يمكن استعادته.
الواقع، مهما كان قاسياً، يفتح أمام القادمين احتمالاً آخر: أن يتوقفوا عن البحث عن سوريا التي تركوها، وأن يبدأوا علاقة مع سوريا التي وجدوها، وأن يشاركوا في صناعة وطن لم يكن موجوداً حين غادروا.
عندها تتحول العودة من محاولة لاستعادة الماضي إلى بداية لعلاقة جديدة مع المكان. ويصبح حراك السوريين بعد سقوط الأسد أكثر من حركة سكانية واسعة؛ إنه، في جانب منه، تجربة جماعية لإعادة اكتشاف الوطن، وإعادة اكتشاف الذات بعد سنوات المنفى.
- المدن






















