يرى هاري كازيانيس، المدير الأول السابق لشؤون الأمن القوميّ في مركز المصلحة الوطنيّ (Center for the National Interest)، وهو مركز أبحاث أميركيّ متخصّص في السياسة الخارجيّة أسّسه الرئيس الأميركيّ الأسبق ريتشارد نيكسون في واشنطن، أنّ الجهود الرامية إلى تقليص الاعتماد على مضيق هرمز عبر إنشاء خطوط أنابيب بديلة وإنفاق مليارات الدولارات على مشاريع البنية التحتيّة لن تلغي الأهميّة الجيوسياسيّة للمضيق لأنّ القيود الجغرافيّة والأمنيّة تجعل من المستحيل إيجاد بديل يعوّض دوره بالكامل.
يشير كازيانيس إلى تصريحات وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو عن مسارات جديدة لنقل النفط لا تمرّ عبر هرمز تمثّل بداية تحوّل جيوسياسيّ دائم في طرق تصدير الطاقة من الشرق الأوسط. لكنّه يتشكّك في قدرتها على تقليص نفوذ إيران، إذ إنّ أوّل اختبار لها وقع قبل أربعة أشهر، عندما استهدفت إيران في نيسان الماضي محطّة ضخّ على خطّ الأنابيب السعوديّ، المسار الرئيس البديل للمضيق، فانخفضت طاقته بنحو 700 ألف برميل يوميّاً. وهكذا أصبحت الطرق التي يُفترض أن تتجاوز آثار الحرب جزءاً من ساحة الصراع نفسها.
لم يعد مضيق هرمز ممرّاً مائيّاً تتحكّم إيران من خلاله بجزء أساسيّ من حركة الطاقة العالميّة، بل بات اختباراً لقدرة دول الخليج والولايات المتّحدة على بناء بدائل تخفّف من وطأة الجغرافيا في زمن الحرب
يشيد بإنشاء البدائل والتقدّم في مشاريع البناء، لكنّه يطرح سؤالاً أساسيّاً: هل تستطيع خطوط أنابيب يستغرق إنجازها سنوات أن تتغلّب على صراع قد يتطوّر خلال أسابيع؟ والأهمّ هل تغيِّر حجم النفط الذي كان يمرّ عبر هرمز؟
حسابات لا يمكن تجاوزها
يشير كازيانيس إلى أنّ مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه 24 ميلاً في أضيق نقاطه، كان قبل الحرب ينقل نحو 20 مليون برميل من النفط يوميّاً، أي خُمس الاستهلاك العالميّ، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعيّ المسال، ومعظمها صادرات قطريّة. ومنذ إغلاقه عمليّاً في أواخر شباط، تراجعت التدفّقات الإقليميّة من 20.7 مليون برميل يوميّاً إلى 14.6 مليوناً، مع استمرار جزء من الإمدادات عبر خطوط الأنابيب البرّيّة.
تكمن المشكلة، بحسب كازيانيس، في حدود قدرات هذه الخطوط. فخطّ الأنابيب السعوديّ “شرق–غرب”، الذي أُعيد تشغيله بعد إصلاح أضرار هجوم نيسان، ينقل نحو سبعة ملايين برميل يوميّاً إلى ينبع على البحر الأحمر، فيما يضيف الخطّ الإماراتيّ إلى الفجيرة نحو 1.8 مليون. وبذلك لا تتجاوز الطاقة الاستيعابيّة القصوى للبدائل تسعة ملايين برميل يوميّاً.
أمّا الطاقة الاحتياطيّة القابلة للاستخدام فتراوح بين 2.6 مليون برميل يوميّاً، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركيّة، و3.5 و5.5 ملايين، وفق وكالة الطاقة الدوليّة. ولا تمتلك الكويت وقطر والعراق خطوطاً بديلة ذات أهميّة تُذكر. وأنشأت إيران خطّ تصدير إلى ميناء جاسك على خليج عُمان بطاقة 300 ألف برميل يوميّاً، لكنّه لم يُستخدم إلّا بشكل محدود قبل الحرب.
سباق بين خطوط الأنابيب والصّواريخ
على الرغم من هذه القيود، يرى كازيانيس أنّ مواصلة الاستثمار في خطوط الأنابيب تستحقّ الدراسة. فقد أعلنت الإمارات في أواخر أيّار أنّ مشروع خطّ جديد بلغ قرابة نصف مراحل إنجازه، مع استهداف استكمال توسّعته بحلول 2027.
في هذا السياق، يشير إلى قول وزير الطاقة الأميركيّ كريس رايت إنّ نفوذ إيران على هرمز يتراجع بصورة دائمة، وإنّ إغلاق المضيق “ورقة يمكن استخدامها مرّة واحدة”، ويشير إلى حديث المسؤولين الخليجيّين عن فجوة ثقة مع طهران ستستمرّ حتّى بعد أيّ وقف لإطلاق النار.
يشير كازيانيس إلى أنّ خطوط الأنابيب نفسها، وفقاً لمحلّلين أمنيّين، أهداف ثابتة وعالية القيمة، وقد أثبتت إيران قدرتها على استهدافها من مسافات بعيدة
لكنّ بعض المحلّلين يرون جانباً أكثر خطورة. فبحسب ساشا فوس، المحلّلة في شركة CSC Commodities، تمثّل الفترة التي تسبق اكتمال المشاريع ذروة النفوذ الإيرانيّ، لأنّ كلّ شهر إضافيّ من البناء يمنح طهران حافزاً لتصعيد الضغوط قبل أن تصبح البدائل أكثر فاعليّة. وينقل كازيانيس عن جينيفر لي من “ريستاد إنرجي” (Rystad Energy)، وهي شركة أبحاث واستشارات نرويجيّة متخصّصة في أسواق الطاقة، وصفها خطوط الأنابيب بأنّها وسيلة للتحوّط الجيوسياسيّ وليست بديلاً حقيقيّاً عن هرمز.
كلّ طريق بديل داخل دائرة الخطر
في رأي كازيانيس، يختصر بوب ماكنالي، مؤسّس “رابيدان إنرجي غروب” (Rapidan Energy Group)، جوهر القضيّة بقوله: “المشكلة ليست في الممرّ المائيّ”. فالنفط المتّجه إلى ينبع يعبر جنوباً عبر باب المندب، حيث تعرّضت ناقلة نفط سعوديّة لهجوم من الحوثيّين في أواخر تمّوز، فعادت تسع ناقلات أدراجها. ويحذّر محلّلون من أنّ إغلاق هرمز وباب المندب معاً سيعرّض ربع إمدادات النفط والغاز العالميّة للخطر. أمّا الفجيرة فعلى الرغم من وقوعها خارج هرمز تبقى ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانيّة.
إقرأ أيضاً: ثلثا الأميركيين يعارضون ترامب؟
يشير كازيانيس إلى أنّ خطوط الأنابيب نفسها، وفقاً لمحلّلين أمنيّين، أهداف ثابتة وعالية القيمة، وقد أثبتت إيران قدرتها على استهدافها من مسافات بعيدة.
تبرز، في المقابل، مشكلة أكثر تعقيداً: لا يوجد حلّ هندسيّ للغاز الطبيعيّ المسال، إذ لا يمكن نقله عبر خطوط الأنابيب لتجاوز المضيق. فمحطّات إسالة الغاز ومنشآت التحميل وأسطول ناقلات الغاز الذي ينقل نحو خُمس تجارة الغاز العالميّة مرتبطة بهرمز، وهو ما يدفع الاقتصاديّين إلى التحذير من أنّ أيّ إغلاق كامل سيدفع أوروبا وآسيا إلى منافسة مباشرة على كلّ شحنة غاز متاحة عالميّاً.
الكلمة الأخيرة للجغرافيا
يخلص كازيانيس إلى أنّ مشكلة هرمز لا يمكن حلّها بالكامل. فالمسارات البديلة توفّر هامشاً إضافيّاً للمناورة عبر زيادة الطاقة الاستيعابيّة وتوسيع التخزين وتقليص مدّة الأزمات والحدّ من قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط، لكنّها لا تلغي أهمّيّته الاستراتيجيّة ولا تستبدله بالكامل.
وقد تُنفَق مليارات الدولارات على هذه البدائل، لكنّ الجغرافيا ستظلّ، في النهاية، العامل الحاسم الذي يفرض حدوده على أيّ مشروع أو استراتيجية.
- أساس ميديا






















