في حوار خصّ به “تلفزيون سوريا”، يعود الدبلوماسي الأميركي المخضرم والسفير السابق في دمشق، روبرت فورد، إلى الأشهر الأولى من الثورة السورية، ويكشف تفاصيل محاولة مبكرة للتواصل بين نظام الأسد وشخصيات معارضة، قبل أن تطيح بها الأجهزة الأمنية.
يتوقف فورد عند حدود سياسة إدارة أوباما، والفرصة التي كان يمكن أن تتيحها الضربة الأميركية المعلنة بعد هجوم الغوطة الكيميائي عام 2013، ثم يراجع أخطاء المعارضة ودور الدول الداعمة في انقساماتها.
ومن سوريا ما بعد التحرير، ينتقل إلى التحول السريع في العلاقة بين دمشق وواشنطن في عهد دونالد ترامب، وما تحتاج إليه البلاد لاستقطاب الاستثمار وإعادة بناء اقتصادها وعلاقتها بالولايات المتحدة.
فيما يلي، نورد النص الكامل لإجابات السفير روبرت فورد، مرفقاً بتدخلات تحريرية موجزة تشرح سياق الوقائع والخلفيات التي تحيل إليها تصريحاته، وأُبقيت إجاباته كما وردت من دون اختصار أو تعديل، مع فصلها بوضوح عن إضافات المحرر.
محاولة حوار أجهضتها أجهزة الأسد
يكشف السفير فورد “قال لنا بعض كبار المسؤولين السوريين، في أحاديث خاصة، إن نظام بشار الأسد يريد البدء بالتواصل مع قادة المعارضة بشأن مسار للإصلاح. وطلب وزير الخارجية وليد المعلم من سفراء فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة تشجيع المعارضة على التحدث مع النظام والمساعدة في ترتيب اجتماع فعلي. حدث هذا في مكتب المعلم بوزارة الخارجية في أيار 2011”.
في تلك الفترة، كان روبرت فورد يشغل منصب سفير الولايات المتحدة الأميركية في سوريا، في حين يشغل إريك شوفالييه منصب سفير فرنسا، وسايمون كوليس سفير بريطانيا.
في حواره مع “تلفزيون سوريا”، لا يسمي فورد كبار مسؤولي نظام الأسد الذين نقلوا الرسالة، باستثناء وزير الخارجية وليد المعلم، كما لا يظهر في المصادر العلنية توثيق مستقل للاجتماع الذي جمع المعلم بالسفراء الثلاثة.
وتتقاطع رواية السفير فورد مع اتصالات أولية جرت خلال الفترة نفسها بين ممثلين عن النظام وشخصيات معارضة، حيث ذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية، في حزيران 2011، أن ميشيل كيلو وعارف دليلة التقيا “موفدين حكوميين” في الشهر السابق، ثم رفضا مواصلة الاجتماعات ما دام القتل مستمراً.
كما ذكرت الصحيفة في تقرير آخر أن ميشيل كيلو ولؤي حسين كانا ضمن شخصيات معارضة أجرت اتصالات أولية مع الحكومة قبل أن ترفض استمرارها.
يقول السفير فورد “لأكون صريحاً، صُدمت من أن تطلب الحكومة السورية منا شيئاً كهذا. وأقنعنا بعض شخصيات المعارضة، ومنهم ميشيل كيلو، بأن هذا المسار قد يكون مفيداً. لكن في الليلة السابقة للاجتماع المخطط له في ضاحية من ضواحي دمشق في حزيران 2011، داهم ضباط أمن النظام مكان الاجتماع المقرر واعتقلوا أشخاصاً”.
ولا يتوفر توثيق علني يحدد مكان هذا الاجتماع أو موعده وأسماء المدعوين إليه والمعتقلين، باستثناء ما يورده السفير فورد عن مشاركة ميشيل كيلو في الاتصالات السابقة له، أما اجتماع فندق سميراميس المعروف، فعقد بصورة علنية ومنفصلة وسط دمشق، في 27 حزيران، بحضور نحو مئتي شخصية مستقلة ومعارضة، ولذلك لا تسمح المعلومات المتاحة باعتباره الاجتماع الذي يتحدث عنه فورد، لكن من الممكن أن يكون أحد الاجتماعات التمهيدية أو السابقة للاجتماع الموسع في فندق سميراميس.
ففي تلك المرحلة، كانت الولايات المتحدة ما تزال تدعو إلى حوار يقود إلى انتقال ديمقراطي، ولكنها ربطته بوقف إطلاق النار على المتظاهرين والإفراج عن المعتقلين ووقف الاعتقالات.
وفي 18 أيار فرضت واشنطن عقوبات على بشار الأسد وعدد من كبار مسؤولي نظامه، ثم وضعه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في اليوم التالي أمام خيارين: أن يقود الانتقال السياسي في سوريا أو أن “يتنحى جانباً”.
استمرت هذه المقاربة حتى 18 آب 2011، عندما أعلن أوباما أن وقت تنحي الأسد قد حان، مع تأكيده أن الولايات المتحدة “لا تستطيع ولن تفرض” الانتقال على سوريا.
أما السفير فورد، الذي خدم قبل دمشق في الجزائر خلال الحرب الأهلية وفي العراق بعد الغزو الأميركي، فيربط موقفه من الحوار بتجربته المباشرة مع كلفة النزاعات المسلحة.
يقول السفير فورد “بعد ذلك، أصبحت متشككاً في أن النظام سيدخل في حوار حقيقي مع المعارضة أو يطلق إصلاحات كبرى”، موضحاً أنه “حثثنا الطرفين على تجنب العنف وإيجاد سبل للحوار. وبعد تجربتي في الجزائر خلال حربها الأهلية، وفي العراق، كنا نحث جميع الأطراف على وقف العنف”.
الولايات المتحدة والمعارضة السورية
بعد إغلاق السفارة الأميركية في دمشق في شباط 2012، احتفظ روبرت فورد بصفته سفيراً لدى سوريا، وتحول إلى أبرز قنوات إدارة أوباما مع أطياف المعارضة السياسية والعسكرية.
في خريف ذلك العام، خلصت واشنطن إلى أن “المجلس الوطني السوري” لم يعد قادراً على تمثيل طيف واسع من السوريين أو بناء صلة كافية مع الداخل، وفي أواخر تشرين الأول 2012، كشفت وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، أن الولايات المتحدة اقترحت أسماء أفراد وتنظيمات للمشاركة في إطار أوسع يضم ممثلين عن الداخل والمقاتلين والأقليات.
كان السفير فورد المسؤول الأميركي المشارك في اجتماعات العاصمة القطرية الدوحة التي انتهت بتأسيس “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، في 11 تشرين الثاني 2012.
آنذاك، عمل روبرت فورد على صيغة تضم 50 عضواً، بينهم 20 ممثلاً عن معارضة الداخل، إلى جانب ممثلين عن المجلس الوطني وتجمعات أخرى، ضمن المشروع الذي عُرف باسم “مبادرة رياض سيف“.
وبعد شهر من ذلك التاريخ، اعترفت إدارة باراك أوباما بالائتلاف بوصفه “الممثل الشرعي للشعب السوري”، من دون أن تعترف به حكومة بديلة أو حكومة في المنفى.
وواصل السفير روبرت فورد العمل مع الائتلاف المعارض، مركزاً على توسيع تمثيله وبناء صلة بين قيادتي المعارضة السياسية والعسكرية، والتواصل مع الكرد والمسيحيين والدروز والعلويين، وصوغ رؤية واضحة لسوريا ما بعد الأسد.
ومن موقعه داخل هذه العلاقة، يقدم السفير فورد مراجعة شديدة لأداء المعارضة ولدور الدول الداعمة لها، يقول “ارتكبت المعارضة خطأين كبيرين. الأول، وهو الأكبر، أنها لم تتمكن من تطوير وشرح رؤية لشكل الحكومة الجديدة، وسياساتها، وكيف ستجمع جميع السوريين بدلاً من اللجوء إلى الانتقام أو قتال طائفي وإثني جديد ضد الأكراد أو الدروز أو العلويين وغيرهم”.
ويوضح أنه “حثثتُ ائتلاف قوى المعارضة مرات عديدة على العمل على وثيقة رؤية كهذه، لكن قادته لم يفعلوا ذلك قط. ولذلك كان من السهل على الأسد إقناع بعض السوريين بأن المعارضة ليست سوى واجهة لقوى خارجية أو مجموعة من الجهاديين الخطرين”.
ويضيف السفير فورد أن “المشكلة الثانية، وكانت ضخمة، أنه لم تكن هناك قيادة معارضة موحدة يجتمع فيها السياسيون والعسكريون المعارضون. وهنا تتحمل الدول الأجنبية بعض المسؤولية، لأن بعض الدول، بما فيها الولايات المتحدة، كانت لها الجهات السورية المفضلة لديها، وكان هناك تنافس لا تنسيق بين مختلف تلك الجهات”.
انتقال سياسي من دون حرب أميركية
منذ مطالبة أوباما بتنحي الأسد في آب 2011، تبنت واشنطن رسمياً انتقالاً سياسياً ينهي حكمه، لكنها فصلت بين هذا الهدف وبين استخدام الجيش الأميركي لفرضه، ويرى السفير فورد أن هذا التمييز يعود أساساً إلى الإرث الثقيل للحربين في العراق وأفغانستان.
يقول “دعمت إدارة أوباما بقوة فكرة الانتقال السياسي. لكن الأسد رفضها رفضاً تاماً، كما رفضت الحكومة الأميركية استخدام القوة العسكرية الأميركية لفرض انتقال سياسي. كانت تجربة العراق وأفغانستان مريرة جداً، ولذلك فإن سبب القرار الأميركي بسيط في تفسيره”.
في ذلك الوقت، لم يمنع رفض الولايات المتحدة التدخل المباشر في سوريا من تقديم دعم غير فتاك للمعارضة، ثم موافقة أوباما في حزيران 2013 على برنامج سري تديره وكالة الاستخبارات المركزية لتدريب فصائل منتقاة من المعارضة المسلحة وتسليحها بالتعاون مع دول إقليمية.
وكان فورد من أبرز المدافعين داخل الإدارة عن زيادة الدعم لفصائل المعارضة السورية التي كانت واشنطن تصفها بالمعتدلة، حيث أكد فورد، في شهادة له أمام مجلس الشيوخ، أن الضغط العسكري الميداني ضروري لدفع نظام الأسد إلى تقديم تنازلات في المفاوضات، وأن تأخر دعم هذه الفصائل أتاح للتنظيمات المتطرفة، بما في ذلك “جبهة النصرة”، اجتذاب المقاتلين والتفوق عليها.
إلا أن البرنامج بقي مقيداً بالتدقيق في الفصائل وبقيود على نوعية السلاح، ولا سيما رفض تزويدها بصواريخ مضادة للطائرات، ولم يتحول إلى التزام أميركي بتمكين المعارضة من حسم الحرب.
الغوطة 2013 وضربة أوباما: فرصة سوريا الضائعة
كان الاختبار الأبرز لحدود سياسة إدارة باراك أوباما بعد الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية في 21 آب 2013، حيث أعلن، قبل ذلك بعام في 20 آب 2012، أوباما أن استخدام النظام للأسلحة الكيميائية أو نقلها سيشكل “خطاً أحمر” يغير حساباته بشأن التدخل.
بعد الهجوم الكيميائي، أكد تحقيق الأمم المتحدة استخدام غاز السارين على نطاق واسع في هجوم الغوطة، لكنه قال إنه لم يكن مكلفاً بتحديد الجهة المسؤولة، بينما في المقابل، أعلنت الإدارة الأميركية أنها توصلت “بدرجة عالية من الثقة” إلى أن قوات النظام نفذت الهجوم.
وفي 31 آب، أعلن أوباما أنه قرر تنفيذ عمل عسكري ضد أهداف تابعة لنظام الأسد، على أن يطلب تفويض الكونغرس، وحدد للعملية هدفاً محدوداً: محاسبة النظام وردعه عن تكرار استخدام الكيميائي وإضعاف قدرته على ذلك، من دون قوات برية أو حرب مفتوحة. وكانت القوات الأميركية قد اتخذت مواقعها وأصبحت مستعدة لتنفيذ الضربة.
أقرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ مشروع التفويض لكنه لم يصل إلى تصويت نهائي وسط معارضة واسعة في الكونغرس والرأي العام.
في 9 أيلول، قال وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إن الأسد يستطيع تجنب الضربة إذا سلم كامل ترسانته الكيميائية، فحولت روسيا الفكرة إلى مبادرة دبلوماسية.
في اليوم التالي، طلب أوباما تأجيل التصويت في الكونغرس مع إبقاء القوات الأميركية في وضع الاستعداد، قبل أن تتوصل واشنطن وموسكو، في 14 أيلول، إلى إطار لتفكيك البرنامج الكيميائي السوري، وأصدر مجلس الأمن الدولي، في 27 من الشهر نفسه، القرار 2118.
يرى السفير فورد أن تنفيذ الضربة ربما كان سيمنح واشنطن ورقة ضغط مختلفة على النظام، لكنه لا يقدم النتيجة بوصفها أمراً مؤكداً، موضحاً أنه “ربما، وربما فقط، لو شنّ أوباما غارات جوية وصاروخية على مراكز القيادة العسكرية التابعة للأسد في أيلول 2013، بعد استخدام النظام الأسلحة الكيميائية في الغوطة، لكان النظام قد قرر التفاوض على انتقال سياسي وفق خطة الأمم المتحدة”.
وتكمن “الفرصة الضائعة” في أن الضربة، رغم أنها لم تكن ستستهدف رسمياً إسقاط الأسد، كان يمكن أن تقع في لحظة ضغط عسكري وسياسي كبير على النظام، فتضعف بعض قدراته، وتثبت جدية التهديد الأميركي، وتضعه أمام كلفة مختلفة لاستمرار الحرب، بما قد يدفعه إلى مفاوضات حقيقية على انتقال السلطة وربما تنحي الأسد.
إلا أن الولايات المتحدة استبدلت العمل العسكري باتفاق مع روسيا ينص على نزع الترسانة الكيميائية المعلنة، فضاعت معها ورقة ضغط كان يمكن أن تفتح مساراً مختلفاً، من دون ضمان النتيجة.
في الوقت نفسه، يرفض فورد الافتراض بأن الضربة كانت ستقود إلى اجتياح أميركي أو انتقال منظم تقبل به تلقائياً جميع الأطراف.
يقول “لكنني أشدد على أن بعض عناصر النظام، بمن فيهم الأسد نفسه، رفضوا التفاوض على انتقال سياسي. وفي أي ظرف من الظروف، إطلاقاً، لم تكن واشنطن سترسل جيشها إلى دمشق كما أرسلته إلى بغداد عام 2003. لم يكن أحد في واشنطن، بمن فيهم أنا، يريد ذلك”.
ويضيف أنه “على سبيل المثال، لو توصل ائتلاف قوى المعارضة إلى اتفاق مع جزء من الجيش السوري، فهل كانت التيارات المتشددة في النظام، أو جبهة النصرة، ستقبل بالاتفاق وتتوقف عن القتال؟ أشك في ذلك”.
في السنوات التالية، تراجعت قدرة برنامج تسليح المعارضة على تغيير موازين القوى، خصوصاً بعد التدخل الروسي عام 2015 وترسيخ موقع الأسد بدعم روسي وإيراني. وفي تموز 2017، أنهت إدارة الرئيس دونالد ترامب برنامج وكالة الاستخبارات المركزية لتسليح المعارضة السورية، وسط شكوك في جدواه وتحول الأولوية الأميركية إلى محاربة “داعش”.
ومنذ تولي جو بايدن الرئاسة عام 2021 وحتى سقوط النظام في كانون الأول 2024، اتجهت السياسة الأميركية إلى احتواء الأزمة وإدارتها أكثر من محاولة تغيير موازينها.
وقبيل نهاية ولاية بايدن، في تموز 2024، حددت خدمة أبحاث الكونغرس أربع أولويات لإدارة بايدن في سوريا، وهي: استمرار الحرب على “داعش”، ودعم وقف إطلاق النار محلياً، وتوسيع وصول المساعدات الإنسانية، والضغط من أجل المساءلة واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان ومنع الانتشار.
ووفق ذلك، بقي الحل السياسي في سوريا وفق القرار 2254 إطاراً معلناً من دون مسار تفاوضي قادر على إلزام الأسد بتقديم تنازلات.
ما بعد التحرير: مواطنون متساوون وقرار سوري
بعد مراجعته لأخطاء المعارضة وتدخل الدول الأجنبية في تنافساتها، ينقل فورد المراجعة نفسها إلى مرحلة بناء الدولة الجديدة: المشاورة قبل القرارات الكبرى، والمساواة بين المواطنين، ورفض الاستقواء بالخارج في النزاعات الداخلية.
يقول السفير فورد إنه “في المرحلة المقبلة بعد التحرير، آمل أن يحترم السوريون الحريات المدنية وحقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأن يعتاد قادة البلاد إجراءَ مشاورات عميقة قبل اتخاذ القرارات الكبرى. هذه الفكرة موجودة في القرآن، وفيها حكمة الله”.
ويؤكد أنه “من المهم أيضاً أن ينظر السوريون إلى سوريين آخرين بوصفهم مواطنين متساوين، وألا يبحثوا عن مساعدة أجنبية لطرف سوري ضد طرف سوري آخر. فعل الأسد ذلك حين استعان بروسيا وإيران ضد سوريين آخرين. فثمة فرق بين التحدث إلى دولة أو جماعة أجنبية، وبين أن تطلب من الأجانب مساعدة طرف سوري في نزاع بين السوريين”.
ترامب والشرع: حين تسرع العلاقة الشخصية السياسة
في قراءته للتحول السريع في علاقة الولايات المتحدة والإدارة الأميركية بسوريا بعد التحرير، يمنح فورد الدور الحاسم لطبيعة دونالد ترامب الشخصية، وإلى تأثير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان عليه.
يقول السفير فورد إنه “من المهم أن يفهم السوريون أن الرئيس ترامب تحرك بسرعة كبيرة لتطوير العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة. وبصراحة، لو كان شخص أميركي آخر رئيساً، مثل أوباما أو جو بايدن أو صديق ترامب الجيد السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، لكان التقدم أبطأ بكثير؛ إذ كانوا سيستمعون إلى منتقدي أحمد الشرع و«هيئة تحرير الشام»، السوريين والأجانب، ويصرون على شروط لتحسين العلاقات”.
ويكشف السفير فورد أن الرئيس الأميركي “تجاهل حتى أقرب مستشاريه ليتحرك سريعاً ويلتقي الشرع في الرياض، ثم يدعوه لاحقاً إلى المكتب البيضاوي. وهذا يبرهن كيف يمكن للفرد الجالس في مقعد الرئاسة أن يتحرك بسرعة كبيرة في السياسة الخارجية. كما يظهر تأثير الرئيس رجب طيب أردوغان وولي العهد محمد بن سلمان على ترامب. بالنسبة إلى ترامب، السياسة الخارجية تقوم على العلاقات الشخصية بقدر ما تقوم على المصالح”.
إعادة الإعمار: الخبرة الأميركية وشروط الاستثمار
لا يحصر روبرت فورد مستقبل العلاقات السورية الأميركية في الملفات الأمنية، بل يدعو إلى توجيهها نحو إعادة بناء الاقتصاد والتعليم. لكنه يميز بين الخبرات التي تستطيع الولايات المتحدة تقديمها وبين الاستثمارات الخاصة التي لن تأتي من دون إصلاح بيئة الأعمال السورية.
يقول السفير فورد “آمل، من الجانب الأميركي، أن تتمحور العلاقات المستقبلية حول التعاون لمساعدة سوريا على إعادة البناء. وعلى الرغم من مشكلاتها، تمتلك الولايات المتحدة خبرات كبيرة في مجالات مثل التمويل الحديث، بما يشمل الخدمات المصرفية والاستثمار وأسواق الأسهم، وكذلك التعليم العالي”.
ويضيف أنه “إذا أرادت الحكومة السورية أفكاراً أميركية حول كيفية إعادة بناء الاقتصاد ونظام التعليم، آمل ألا تتردد في طلبها. هناك جامعة أميركية جديدة في بغداد، وربما يرغب السوريون يوماً ما في إنشاء جامعة أميركية في مدينة سورية”.
ويؤكد أنه “يجب أن أشدد أيضاً على أن استثمارات الشركات الأميركية الخاصة الكبرى لن تتجه إلى سوريا ما لم تكن بيئة الأعمال جاذبة، بما في ذلك الإجراءات البيروقراطية والمحاكم العادلة القادرة على الفصل في النزاعات التجارية”.
ومن هنا يستحضر الدبلوماسي المخضرم تجربته الدبلوماسية الأولى في تركيا، ويشير إلى تجربة حكومة تورغوت أوزال التركية.
يوضح السفير فورد أنه “في أول وظيفة دبلوماسية لي في تركيا بين عامي 1986 و1988، أصلحت حكومة تورغوت أوزال إجراءاتها البيروقراطية وآليات تسوية النزاعات، فتدفقت الاستثمارات الأوروبية والأميركية إلى البلاد، وساعدت تركيا على أن تصبح اليوم إحدى اقتصادات مجموعة العشرين. وقد تحمل التجربة التركية أفكاراً مفيدة لسوريا الآن”.
في هذه الشهادة، يشير السفير فورد إلى التحول الذي بدأه أوزال مع برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 1980، ثم وسعه بعد توليه رئاسة الحكومة عام 1983، حيث انتقلت تركيا تدريجياً من اقتصاد مغلق يقوم على إحلال الواردات إلى نموذج أكثر انفتاحاً على التصدير والقطاع الخاص، مع تخفيف القيود على التجارة والعملات وتشجيع رأس المال الخاص والأجنبي.
ولا يقدم فورد التجربة التركية بوصفها نموذجاً مطابقاً لسوريا، بل يستخلص منها شرطاً أساسياً، يقول إنه لا يكفي أن تدعو الدولة المستثمرين، بل يجب أن توفر إجراءات مفهومة وقواعد مستقرة ومحاكم قادرة على حماية العقود وحسم النزاعات التجارية.
كما تظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن تدفق الاستثمارات إلى تركيا في تلك المرحلة كان تدريجياً، وأن صعودها إلى مجموعة العشرين جاء نتيجة مسار تراكمي امتد لعقود، لا نتيجة إصلاحات أوزال وحدها.
وتبقى مقارنة السفير فورد حدوداً وخصوصية لا يمكن إغفالها، فتركيا الثمانينيات لم تكن خارجة من حرب مدمرة، وكانت تمتلك مؤسسات عاملة وبنية صناعية وعلاقات راسخة بالولايات المتحدة وأوروبا، إلا أن الفكرة التي يطرحها فورد لسوريا تؤكد على أن: إعادة الإعمار تحتاج، إلى جانب التمويل، مؤسسات تمنح المستثمر الثقة بأن العقد سيُحترم والنزاع سيُحسم بعدالة.
بين دمشق وواشنطن: الصراحة بدلاً من البيانات
سياسياً، يضع السفير فورد التواصل المباشر وفهم المصالح والخطوط الحمراء في صدارة شروط بناء علاقة مستقرة بين الولايات المتحدة وسوريا، ولا سيما في التعامل مع رئيس (دونالد ترامب) لا يُعرف بالصبر أو بالالتزام دائماً بالقوالب الدبلوماسية التقليدية.
يقول السفير فورد إن “أهم ما يلزم لتطوير العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا هو التواصل الصادق والمباشر، وغالباً خلف الأبواب المغلقة. ومن الطبيعي أن تكون بين البلدين بعض الاختلافات؛ فتاريخ سوريا وثقافتها يختلفان عن تاريخ الولايات المتحدة وثقافتها. وليست كل الخلافات تُحل بإصدار بيانات صحفية”.
ويؤكد أن “النقاش الصريح وشرح المصالح والحسابات والخطوط الحمراء ستساعد كل عاصمة على فهم الأخرى. ومع الرئيس ترامب تحديداً، وجدت دول أخرى أن محاولة فهم هواجسه الأساسية والتحدث عنها يفيدان عندما يطلق طلباً أو ملاحظة مفاجئة”.
ويشير السفير فورد إلى أنه “كحال كثير من رجال الأعمال، لا يُعرف ترامب بالصبر؛ لذلك، من الأفضل شرح ما تستطيع سوريا فعله ضمن إطار زمني محدد، وما سيكون صعباً جداً. ومن الأفضل، بالطبع، أن تكون لسوريا صداقات في المنطقة وأوروبا تستطيع المساعدة في شرح الهواجس السورية لواشنطن”.
ويختم السفير فورد حديثه الخاص إلى “تلفزيون سوريا” بإعادة حدود الدور الأميركي إلى مكانه، حيث تستطيع الولايات المتحدة أن تساعد، لكنها لا تملك أجوبة سوريا نيابة عن السوريين.
يقول السفير فورد “أنا أحث الأميركيين الذين أتحدث إليهم عن سوريا على التحلي بالصبر وإتاحة الوقت للسوريين كي يجدوا إجابات سورية لتحديات بلدهم. فحلُّ تحديات سوريا ليس في الولايات المتحدة، بل في سوريا وبين السوريين. وإذا أرادوا مساعدتنا، فسيخبروننا بذلك. وحتى ذلك الحين، وكما يقول المثل العربي: (الصبر مفتاح الفرج)”.
- تلفزيون سوريا

























