يرى محمّد جواد ظريف، نائب رئيس الجمهوريّة الإيرانيّة ووزير الخارجيّة الإيرانيّ الأسبق، أنّ الوقت الراهن يمثّل فرصة تاريخيّة لإيران لتحويل قوّتها المكتسبة خلال الحرب إلى مكاسب دبلوماسيّة واستراتيجيّة طويلة الأمد. يقترح عرضاً شاملاً يهدف إلى إنهاء الصراع الحاليّ وتحقيق سلام دائم، يرتكز على مبدأ المعاملة بالمثل، ويقوم على فرض قيود صارمة على البرنامج النوويّ الإيرانيّ تحت إشراف دوليّ دائم، ورفع جميع العقوبات الاقتصاديّة، بما يضمن عودة إيران إلى التجارة العالميّة واستقرار مواردها الاقتصاديّة.
يوضح ظريف، الذي شغل منصب المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتّحدة على مدى الثلاثين عاماً الماضية، أنّ إيران لم تبدأ الحرب مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، لكنّها نجحت في مواجهتها على الرغم من الهجمات الجوّيّة الأميركيّة والإسرائيليّة المستمرّة على أراضيها، وحافظت على استمراريّة القيادة على الرغم من اغتيال كبار المسؤولين. بالتالي يجد الأميركيّون والإسرائيليّون، الذين بدؤوا الصراع وهم يتوهّمون فرض الاستسلام، أنفسهم اليوم في مستنقع بلا استراتيجية خروج. أمّا الإيرانيّون فقد حقّقوا إنجازاً تاريخيّاً في المقاومة والصمود أمام العدوان.
أشار ظريف، في مقال له في “فورين أفيرز”، إلى أنّ هذا النجاح يعدّ، بالنسبة لبعض الإيرانيّين، سبباً لمواصلة القتال، وأنّه بدلاً من البحث عن نهاية تفاوضيّة يجب على طهران أن تستثمر تفوّقها عبر مواصلة ضرب القواعد الأميركيّة وعرقلة التجارة في مضيق هرمز حتّى تغيّر واشنطن حضورها الإقليميّ وسلوكها بشكل جذريّ. لقد أثبتت الولايات المتّحدة، عبر تجارب عدّة، أنّها غير جديرة بالثقة في المفاوضات، وأنّها لن تحترم سيادة إيران.
مع أنّ هذا الموقف مفهوم، يعتقد ظريف أنّ إنهاء الحرب سريعاً سيكون أفضل لإيران، إذ إنّ استمرارها سيؤدّي إلى خسائر أكبر من دون تغيير جوهريّ في الوضع، فقد يحدث غزو برّيّ أميركيّ، وهو خيار قد يزيد الوضع سوءاً من دون تحقيق مكاسب حقيقيّة لإيران. حتّى لو انسحبت واشنطن قبل التوصّل إلى اتّفاق، فلن تتمكّن إيران من جني كامل ثمار مقاومتها. الاستمرار في القتال ضدّ الولايات المتّحدة وإسرائيل، على الرغم ممّا قد يوفّره من إشباع نفسيّ، لن يؤدّي إلّا إلى مزيد من تدمير الأرواح والبنية التحتيّة. تلجأ هذه الأطراف، وقد فشلت في تحقيق أهدافها، بشكل متزايد إلى استهداف المواقع الحيويّة والمدنيّين الأبرياء، ويجذب العنف مزيداً من الدول، مهدّداً بتحويل صراع إقليميّ إلى صراع عالميّ.
يرى ظريف أنّ الوقت الراهن يمثّل فرصة تاريخيّة لإيران لتحويل قوّتها المكتسبة خلال الحرب إلى مكاسب دبلوماسيّة واستراتيجيّة طويلة الأمد
الاتّفاق صار أسهل
يرى ظريف أنّ الصراع الحاليّ، على فظاعته، قد يجعل التوصّل إلى اتّفاق أسهل لأنّه كشف بعض الحقائق المتعلّقة بغرب آسيا لم يعد بإمكان طهران وواشنطن تجاهلها:
1- الولايات المتّحدة غير قادرة على تدمير البرامج النوويّة أو الصاروخيّة لإيران، حتّى بالتعاون مع إسرائيل ودعم حلفائها في الخليج. هذه البرامج متجذّرة جدّاً وموزّعة بشكل واسع بحيث لا يمكن القضاء عليها بالقصف، بل إنّ الضربات لم تفعل سوى إثارة النقاش في ما إذا كان ينبغي لإيران أن تتخلّى عن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويّة وتغيّر عقيدتها في هذا المجال.
2- الحديث عن انتهاء “محور المقاومة” مبالَغ فيه، بل إنّ العدوان أعاد تنشيط معارضة السياسات الأميركيّة في الجنوب العالميّ، وفي بعض أجزاء أوروبا، حتّى داخل الولايات المتّحدة نفسها.
3- الاعتماد على الولايات المتّحدة لضمان الأمن استراتيجية خاسرة، فقد تحوّلت دول عربيّة إلى ساحات صراع على الرغم من محاولاتها تجنّب ذلك، بعدما استخدمت الولايات المتّحدة قواعدها على أراضيها لتنفيذ عمليّاتها.
4- على إيران أن تقبل بأنّ تقنيّتها النوويّة لم تردع العدوان، بل ربّما وفّرت ذريعة للهجمات الإسرائيليّة والأميركيّة. وإذ أثبتت إيران أيضاً أنّ البرنامج النوويّ غير القانونيّ لإسرائيل لا يمكنه حماية الإسرائيليّين، فإنّ هذا الفشل يُعدّ سبباً إضافيّاً للتشكُّك في أنّ برنامجاً نوويّاً يمكن أن يضمن أمن إيران، مهما بلغ من التقدّم. بدلاً من ذلك، أكّد المسؤولون المدنيّون والعسكريّون الإيرانيّون جميعاً أنّ العنصر الأكثر فاعليّة في دفاع البلاد الناجح كان شعبها الصامد.
مقومات الحل المستدام
بالنسبة لظريف، تعني هذه الحقائق أنّ المعاملة بالمثل ستكون حجر الزاوية لأيّ اتّفاق أو تسوية، بما في ذلك في المراحل الأولى. يرى أنّ هناك خيارين محتملين للتفاوض: الأوّل هو وقف إطلاق النار، وهو الأقلّ مقاومة لكنّه هشّ، إذ تبقى الثقة محدودة والخلافات الأساسيّة قائمة، فيصبح استئناف القتال محتملاً. الثاني هو اتّفاق سلام شامل يهدف إلى إنهاء 47 عاماً من العداء وتحقيق استقرار طويل الأمد، ويجمع جميع العناصر التي يمكن أن تضع حلّاً مستداماً للنزاع، والتي يمكن تلخيصها كالآتي:
1- البرنامج النوويّ الإيرانيّ: أن تضع إيران قيوداً على برنامجها النوويّ، بما في ذلك خفض مستوى تخصيب اليورانيوم إلى أقلّ من 3.67%، والتزام عدم السعي إلى امتلاك أسلحة نوويّة، ووضع جميع المنشآت النوويّة تحت رقابة دوليّة دائمة، بما يضمن التزام إيران البرنامج النوويّ السلميّ وطمأنة المجتمع الدوليّ.
2- رفع العقوبات الاقتصاديّة على إيران، بما في ذلك العقوبات على النفط والغاز والصناعات الأساسيّة، وهو ما يمكّن الاقتصاد الإيرانيّ من التعافي والمشاركة الفاعلة في التجارة العالميّة.
3- إعادة فتح مضيق هرمز أمام التجارة الدوليّة لضمان حرّيّة الملاحة ومرور السفن التجاريّة، وهو ما يضمن مصالح إيران الاقتصاديّة والاستراتيجيّة ويخفّف التوتّر في الأسواق العالميّة للطاقة.
يرى ظريف أنّ الصراع الحاليّ، على فظاعته، قد يجعل التوصّل إلى اتّفاق أسهل لأنّه كشف بعض الحقائق المتعلّقة بغرب آسيا لم يعد بإمكان طهران وواشنطن تجاهلها
4- توقيع ميثاق دائم لعدم الاعتداء بين إيران والولايات المتّحدة، يلتزم فيه الطرفان عدم مهاجمة أحدهما الآخر مستقبلاً، ويرتبط هذا الميثاق بإقامة شبكة أمنيّة إقليميّة تضمّ دول الخليج والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وربّما دولاً أخرى، لضمان عدم الاعتداء وحرّية الملاحة وتعزيز التعاون الأمنيّ الإقليميّ.
5- التعاون الاقتصاديّ والتقنيّ: تشجيع إيران على إقامة مشاريع مشتركة مع الولايات المتّحدة والدول الإقليميّة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا المتقدّمة، واستثمارات مشتركة وتسهيلات للتصدير والاستيراد تعود بالنفع على شعوب إيران والدول الأخرى في المنطقة، وتخلق فرصاً اقتصاديّة متبادلة.
6- إعادة الإعمار وتعويض المدنيّين لضمان الاستقرار الداخليّ وتحسين الظروف المعيشيّة للشعب الإيرانيّ.
7- تحسين العلاقات الدبلوماسيّة: إنهاء جميع التصنيفات المتعلّقة بالإرهاب بين إيران والولايات المتّحدة، استعادة الخدمات القنصليّة، إرسال دبلوماسيّين لتمثيل مصالح كلّ طرف، ورفع قيود السفر المتبادلة ليتمكّن الطرفان من بناء علاقات دبلوماسيّة مستقرّة وطويلة الأمد.
8- ضمان الأمن الإقليميّ: إقامة ترتيبات إقليميّة للأمن، بما في ذلك التعاون مع دول المنطقة في مجالات الملاحة والتجارة ومنع الاعتداءات، بحيث تضمن إيران حماية مصالحها الإقليميّة وتعزيز استقرار المنطقة، مع تقليل الحاجة إلى الاعتماد على القوى الأجنبيّة.
التاريخ يتذكّر من يصنع السلام
يدرك ظريف أنّه لن يكون من السهل إبرام هذا الاتّفاق، فالإيرانيون سيظلّون متشكّكين بعمق في نوايا واشنطن طوال المفاوضات، وفي المقابل سيواصل دونالد ترامب ومسؤولوه النظر إلى طهران بعين الشكّ. قد تضطرّ الصين وروسيا، وربّما بعض الدول الإقليميّة، إلى تقديم ضمانات لمعالجة هذه المخاوف المتبادلة الخطِرة.
لكنّه يرى أنّ هذه الحرب، على فظاعتها، فتحت الباب أمام تسوية دائمة. قد يشعر الإيرانيون بالغضب، لكنّهم يستطيعون المضيّ قدماً وهم يعلمون أنّهم صمدوا في وجه هجوم عسكريّ ضخم وغير قانونيّ من قوّتين نوويّتين. قد لا يزال المسؤولون الأميركيّون يكرهون الجمهوريّة الإسلاميّة، لكنّهم يدركون الآن أنّ هذا النظام لن يختفي، وأنّ عليهم التعايش معه. قد تكون المشاعر مشتعلة، وكلّ طرف يتباهى بانتصاراته في ساحة المعركة، لكنّ التاريخ يتذكّر أولئك الذين يصنعون السلام.
- أساس ميديا



























