يصف جيفري، الذي تولّى أيضاً منصب مساعد الرئيس الأميركيّ ونائب مستشار الأمن القوميّ في إدارة جورج بوش الابن، ونائب وكيل مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، وشملت مهامّه إدارة فريق السياسات الخاصّة بإيران، الوضعَ الراهن للحرب في مقالٍ له على موقع “منبر القدس الاستراتيجيّ”، التي هي مجلّة تُعبّر عن وجهات النظر الإسرائيليّة والأميركيّة في الشؤون الدوليّة، بأنّه “حرب استنزاف طويلة تختبر القدرات العسكريّة، الإرادة السياسيّة، والصلابة الاقتصاديّة في الشرق الأوسط، وتضع مستقبل النظام الإيرانيّ، أمن إسرائيل ودول الخليج، وصدقيّة الولايات المتّحدة كقوّة عالميّة، كلّها على المحكّ. نقاط القوّة الأساسيّة أو “مراكز الثقل” لكلا الجانبين لا تزال قائمة”.
يضيف: “إيران ما تزال تحافظ على سيطرتها الكاملة، تقمع المعارضة الداخليّة، تهدّد الممرّات البحريّة في الخليج، وتنشر قدرات صاروخيّة وطائرات مسيّرة كبيرة. في الوقت نفسه، تحافظ الولايات المتّحدة وإسرائيل والدول العربيّة على تماسكها الداخليّ، قدراتها العسكريّة، واقتصاداتها المستقرّة نسبيّاً، على الرغم من ارتفاع أسعار الطاقة. لم يُبدِ أيٌّ من الجانبين مؤشّرات إلى تراجع إرادته السياسيّة. أمّا دول الخليج العربيّ، التي غالباً ما يُنظر إليها على أنّها ضعيفة، فقد أظهرت صموداً وتحدّياً تجاه إيران”.
الحرب مع إيران ليست صراعاً آخر في الشرق الأوسط وحسب، بل هي اختبار حاسم للقوّة والإرادة والنظام في القرن الحادي والعشرين
في ظلّ هذه الظروف، يُرجّح جيفري أن تتّجه الحرب في أحد اتّجاهين: نحو المفاوضات (مع أو من دون وقفٍ لإطلاق النار) أو نحو التصعيد. يتمثّل سيناريو التصعيد الأكثر خطورة في شنّ هجمات على البنية التحتيّة للنفط والغاز، وهو ما قد يؤثّر بشدّة على الاقتصادات الإقليميّة والعالميّة. قد يؤدّي هذا التصعيد إمّا إلى تسوية تفاوضيّة أو إلى انهيار عزيمة أحد الجانبين، غير أنّ إرادة إسرائيل من غير المرجّح أن تنهار لأنّها تنظر إلى الصراع على أنّه صراع وجوديّ.
الدّروس الرّئيسة
يرى الدبلوماسيّ الأميركيّ، الذي عمل لمدّة ستّ سنوات في مجلس سياسة الدفاع مع وزير الدفاع هنري كيسنجر، عدّة دروس لهذا الصراع، أهمّها:
1- إيران قضيّة ثوريّة، وليست دولة فقط: تعمل إيران كدولة تقليديّة وحركة أيديولوجيّة في آنٍ واحد. هذه الطبيعة المزدوجة تُمكّنها من تضليل خصومها والسعي وراء طموحات إقليميّة طويلة الأمد عبر الوكلاء وحروب غير متكافئة. حتّى في حال التوصّل إلى اتّفاقات مؤقّتة، من غير المرجّح أن يزول العداء الكامن لدى إيران تجاه النظام الإقليميّ ما لم يتغيّر نظامها جذريّاً أو تُحيَّد قدراتها على بسط نفوذها بشكل دائم.

2- عدم التكافؤ الأيديولوجيّ، لا التكنولوجيّ، هو أحد أبرز أوجه عدم التكافؤ في الصراع. تُعطي القيادة الإيرانيّة الأولويّة لمهمّتها الأيديولوجيّة على الاستقرار الاقتصاديّ والخسائر العسكريّة ورفاهية شعبها. وهذا ما يمنحها قدرة أكبر على تحمّل المعاناة مقارنةً بمعظم الدول الحديثة. لا تستطيع الديمقراطيّات الليبراليّة مجاراة هذا العزم إلّا في الظروف الوجوديّة القصوى، وهو ما يجعل من الصعب إخضاع الأنظمة الأيديولوجيّة.
3- الأهميّة الدائمة لموارد الطاقة: لا تزال المحروقات محوريّة للاقتصادات الإقليميّة والعالميّة. تستمرّ موارد النفط والغاز في الخليج في التأثير على الحسابات الاستراتيجيّة، وقد تكون لانقطاع هذه الإمدادات عواقب عالميّة.
يُرجّح جيفري أن تتّجه الحرب في أحد اتّجاهين: نحو المفاوضات أو نحو التصعيد
4- “الانتصار يكمن في عدم الخسارة”: تشبه استراتيجية إيران استراتيجية التمرّد، فالبقاء بحدّ ذاته يُعدّ نجاحاً. من خلال تجنّب الهزيمة الحاسمة، تستطيع إيران إعلان النصر، وإعادة بناء قدراتها، ومواصلة نضالها الطويل الأمد من أجل النفوذ الإقليميّ.
5- بطء تكيّف الجيوش الحديثة: تُبرز الحرب فشل الجيوش المتقدّمة، وخاصّة جيش الولايات المتّحدة، في التكيّف السريع مع التهديدات المتطوّرة مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الرخيصة. بينما كانت هذه التكتيكات واضحة في صراعات أخرى، إلّا أنّ الجمود البيروقراطيّ، أنظمة الشراء المعقّدة، وتفضيل الكمال على سرعة الانتشار قد أعاقت الاستجابات الفعّالة.
مشكلات الاستراتيجية الأميركيّة
6- مشكلات هيكليّة في الاستراتيجية الأميركيّة: تواجه الولايات المتّحدة صعوبة في مواءمة الأهداف السياسيّة مع الوسائل العسكريّة. لا تقتصر هذه المشكلة على القيادة الحاليّة، بل تعكس نمطاً أوسع نطاقاً ظهر في صراعات سابقة مثل العراق وأفغانستان وفيتنام.
7- هشاشة القواعد الأميركيّة في الخليج: كان يُفترض أن تكون هذه القواعد رادعاً، فتحوّلت إلى مصدرٍ للضرر. بدلاً من منع الهجمات تجذبها فتعرّض القوّات الأميركيّة والدول المضيفة، على حدّ سواء، لضربات إيرانيّة.
8- تحدّيات التحوّل الاقتصاديّ في الخليج: انتقلت دول الخليج من نموذج “الدفع”، تصدير النفط، إلى نموذج “الجذب” الذي يستقطب الاستثمارات العالميّة والسياحة والثقافة. يعتمد هذا التحوّل على الاستقرار والانفتاح، إلّا أنّ سلوك إيران المزعزع للاستقرار يهدّد هذا النموذج، وهو ما يُصعّب على مجتمعات الخليج مواصلة جهود التحديث.
9- نقاط قوّة إسرائيل وحدودها: أظهرت إسرائيل تفوّقاً عسكريّاً ملحوظاً، لكنّها تفتقر إلى القوّات البرّيّة الكبيرة والمتحرّكة اللازمة لهزيمة قوّة بعيدة كإيران هزيمةً حاسمة. لا يعتمد أمنها على المدى الطويل على القوّة العسكريّة فحسب، بل أيضاً على العلاقات السياسيّة والقرارات الاستراتيجيّة.
تظلّ الولايات المتّحدة الفاعل الوحيد القادر على بسط نفوذ عسكريّ حاسم في الشرق الأوسط
10- الولايات المتّحدة القوّة العالميّة الوحيدة: على الرغم من تدخّل قوى مثل الصين وروسيا، تظلّ الولايات المتّحدة الفاعل الوحيد القادر على بسط نفوذ عسكريّ حاسم في الشرق الأوسط. مع ذلك، صدقيّتها العالميّة وقدرتها على الردع على المحكّ، وقد يؤدّي الفشل في هذا الصراع إلى تقويض النظام الدوليّ الأوسع الذي تقوده.
11- مخاطر الردع العالميّ: تختبر هذه الحرب صدقيّة نظام الأمن الجماعيّ بقيادة الولايات المتّحدة. تاريخيّاً، تطلّب الحفاظ على الاستقرار العالميّ من الولايات المتّحدة الانخراط في الصراعات حتّى تلك التي ذات أهمّيّة مباشرة محدودة والنجاح فيها، ويُهدّد الفشل فيها بتشجيع قوى عظمى أخرى على التحدّي وزعزعة استقرار النظام الدوليّ.
النّتائج المحتملة
يُحدّد جيفري عدّة نهايات محتملة للصراع، لكلّ منها تداعيات خطرة:
1- انهيار النظام الحاكم في إيران، وهو ما يؤدّي إلى اضطرابات داخليّة وربّما ظهور نظام جديد. حتّى في حال سقوط النظام، قد تكون النتيجة فوضى أو حكومة استبداديّة أخرى، بدلاً من دولة مستقرّة ومسالمة.
2- قد تنتهي الحرب بمفاوضات تحدّ من البرنامج النوويّ الإيرانيّ وتُخفّض حدّة الأعمال العدائيّة من دون تغيير جوهريّ في طموحات إيران. في هذه الحالة، ستعيد إيران بناء قدراتها تدريجاً، وستعود المنطقة إلى وضع مشابه لما كانت عليه قبل الحرب.
3- هزيمة مُقنّعة: قد يُنهي وقف إطلاق النار الصراع الفعليّ مع السماح لإيران بالاحتفاظ بقدرات أساسيّة، مثل تهديد الممرّات البحريّة والحفاظ على عناصر من برنامجها النوويّ، وهو ما يُمكّنها من مواصلة زعزعة استقرار المنطقة على الرغم من مظاهر السلام.
يتوقّع جيفري أن لا تُعيد الحرب الإيرانيّة تشكيل الشرق الأوسط وحده، بل النظام الدوليّ ككلّ
4- هزيمة صريحة للولايات المتّحدة وحلفائها: تتفوّق إيران على خصومها من خلال مواصلة الضغط حتّى تتلاشى الإرادة السياسيّة في الولايات المتّحدة والدول الحليفة. تُعزّز هذه النتيجة مكانة إيران، تُقوّي نفوذها الإقليميّ، وتُسرّع من طموحاتها النوويّة.
في النهاية، يتوقّع جيفري أن لا تُعيد الحرب الإيرانيّة تشكيل الشرق الأوسط وحده، بل النظام الدوليّ ككلّ، ويرجّح، بالنسبة للفاعلين الإقليميّين إسرائيل وإيران ودول الخليج، استمرار عدم الاستقرار وتغيير حدود التصعيد. أمّا بالنسبة للولايات المتّحدة فيثير هذا الصراع تساؤلات عن الأولويّات، فالشرق الأوسط حيويّ للاقتصاد العالميّ، إلّا أنّه ليس الساحة المركزيّة لمصالح الولايات المتّحدة الوجوديّة.
لذا على واشنطن أن تقرّر حجم رأس المال السياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ الذي ترغب في استثماره، إذ إنّ التوازن بين النجاح العسكريّ والاستراتيجية السياسيّة والاستقرار الطويل الأمد غير واضح، وقد تمتدّ عواقب الفشل إلى ما هو أبعد من المنطقة.
- أساس ميديا























