في تحول استثنائي قد يغيّر خارطة الأحداث في سوزيا برمّتها، أعلنت رئاسة الجمهورية العربية السورية عن التوصل إلى تفاهم استراتيجي مع تنظيم (قسد)، يشمل خطوات عملية للدمج السياسي والعسكري والإداري، برعاية وبتأييد مباشر من الولايات المتحدة الأميركية، التي أعلنت عبر مبعوثها الخاص إلى سوريا، توم باراك، أن هذه المرحلة تمثّل “أعظم فرصة تاريخية للأكراد” للاندماج في دولة سورية موحدة بعد عقود من التهميش، والإقصاء، والمطالبات الفئوية التي تحولت أحيانًا إلى نزاعات مسلحة.
ويأتي هذا الإعلان عقب سلسلة من التطورات المتسارعة على المستويين الميداني والدبلوماسي، وفي ظل حكومة سورية جديدة يقودها الرئيس أحمد الشرع، الذي جاء إلى السلطة نتيجة تحوّلات داخلية ودولية واسعة دفعت نحو تسوية شاملة للثورة السورية المستمرة منذ أكثر من عقد. ويبدو أن هذه الحكومة تحظى بقبول إقليمي ودولي غير مسبوق، مكّنها من استئناف دورها كفاعل مركزي في ملفات الأمن، ومكافحة الإرهاب، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة على أسس وطنية تشاركية.
اتفاق مشترك
بحسب بيان رئاسة الجمهورية، فإن التفاهم المعلن يتضمن اتفاقا مبدئيا على منح قوات “قسد” مهلة زمنية لمدة أربعة أيام لإجراء مشاورات داخلية، تسبق تقديم خطة تفصيلية لآلية الدمج التدريجي، على أن تبقى القوات السورية خارج مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي خلال هذه الفترة. كما تم التأكيد على عدم دخول القوات المسلحة السورية إلى القرى الكردية، مع اقتصار الوجود الأمني على وحدات محلية من أبناء المناطق ذاتها، وهو ما اعتبرته الرئاسة السورية التزاما أخلاقيا وسياسيا تجاه ضمان الأمن دون المساس بالتنوع الثقافي والاجتماعي.
البيان أوضح أيضا أن مظلوم عبدي، القائد العام لـ “قسد”، سيقوم بترشيح شخصيات مدنية وعسكرية لتمثيل المكوّن الكردي ضمن مؤسسات الدولة، ومن أبرز المناصب المقترحة: مساعد وزير الدفاع، محافظ الحسكة، أعضاء في مجلس الشعب، بالإضافة إلى قوائم مرشحة للانخراط في الوظائف الحكومية ضمن الوزارات والمؤسسات العامة.
أما المبعوث الأميركي، توم باراك، فقد قدّم في إحاطة على حسابه الشخصي، رؤية متكاملة لموقف بلاده، مؤكدًا أن “المرحلة الانتقالية التي تلي سقوط النظام المخلوع تمثّل أعظم فرصة تاريخية للأكراد في سوريا”، وأن الولايات المتحدة ترى أن حكومة الرئيس أحمد الشرع تقدّم “إطارا وطنيا شاملاً للاندماج الكامل، والمواطنة، والحماية الثقافية، والمشاركة السياسية التي طالما افتُقرت إليها”.
وقال باراك إن الوجود الأميركي العسكري في شمال شرق سوريا كان له مبرره الواضح في وقت سابق كشراكة استراتيجية لمحاربة تنظيم “داعش”، وقد أثبتت “قسد” حينها أنها الشريك الأكثر فاعلية في الحرب البرية ضد التنظيم. غير أن الوضع تغيّر كليا اليوم، حيث لم تعد هناك حاجة إلى بقاء هذا التحالف بالشكل ذاته، بعد أن أصبحت الدولة السورية الجديدة قادرة ومؤهلة لتولي إدارة مراكز الاحتجاز، ومكافحة الإرهاب بشكل مباشر، كما انضمت رسميا إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش” في نهاية 2025.
وشدد باراك على أن بلاده “لا تسعى إلى وجود عسكري طويل الأمد في سوريا”، بل تدعم “المصالحة، والاندماج، والوحدة الوطنية”، وترى أن الحل الأمثل للأكراد لا يكمن في الحكم الذاتي المنفصل، بل في الشراكة الوطنية الكاملة ضمن دولة سورية موحّدة تضمن حقوقهم وتثبّت مكانتهم كمكوّن أصيل من مكونات البلاد.
ضمان حقوق الأكراد
من أبرز بنود الاتفاق المشترك الذي ساهمت الولايات المتحدة في صياغته، دمج المقاتلين التابعين لـ”قسد” في صفوف الجيش الوطني السوري، على أن يُراعى ذلك ضمن معايير الكفاءة والانضباط، وتحت إشراف مؤسسات الدولة. كما يتضمن الاتفاق تسليم البنية التحتية السيادية – مثل حقول النفط، السدود، والمعابر الحدودية – إلى الحكومة المركزية، وفق جدول زمني سيُعلن عنه قريبا.
وفي الجانب الأمني، تم الاتفاق على تسليم سجون تنظيم “داعش” ومعسكرات الاعتقال التابعة له، بما فيها مخيم “الهول” الشهير، إلى السلطات السورية، التي أكدت استعدادها الكامل لاستلام هذه المرافق، وتأمينها وفق المعايير الدولية والإنسانية، بما يضمن عدم فرار أي من السجناء أو إعادة نشاط خلايا التنظيم.
كما أعلنت رئاسة الجمهورية التزامها بتنفيذ المرسوم رقم 13، الذي يُعنى بضمان الحقوق الثقافية واللغوية للكرد، بما يشمل التدريس باللغة الكردية، وإدراج عيد “النوروز” ضمن المناسبات الوطنية المعترف بها، وهو ما يُعد تطورا نوعيا لم تعرفه السياسات السورية في العقود السابقة، ويشكل تحولا جوهريا نحو الاعتراف بالتعددية داخل الدولة.
من جهته، أكد باراك أن “قوة هذا الاتفاق تكمن في أنه ليس صفقة بين دولتين، بل هو مسار لبناء سوريا جديدة من الداخل، بسواعد مكوناتها”، مضيفا أن البديل عن هذا الاندماج سيكون كارثيا، إذ أن استمرار الفجوة بين الحكومة والمكونات الكردية قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي، وعودة التنظيمات المتطرفة، وخلق بيئة خصبة للاضطرابات، وهو ما تسعى واشنطن لتفاديه.
وأشار المبعوث الأميركي إلى أن الإدارة الأميركية تضع ضمن أولوياتها في المرحلة المقبلة ضمان أمن منشآت الاحتجاز، ودعم الحوار بين “قسد” والحكومة السورية لتسهيل اندماج سياسي شامل، يمنح الأكراد حقوقهم التاريخية في ظل دولة ديمقراطية عادلة.
من جهتها، قالت وزارة الدفاع في بيان، إنه بشأن وقف إطلاق النار لمدة 4 أيام بعد الاتفاق الجديد بين الدولة السورية و”قسد”، نعلن عن إيقاف إطلاق النار في كافة قطاعات عمليات الجيش العربي السوري، وذلك اعتباراً من الساعة 20:00 من مساء هذا اليوم الثلاثاء الموافق لـ 20 كانون الثاني 2026.
يستمر سريان هذا القرار لمدة أربعة أيام من تاريخه، التزاماً بالتفاهمات المعلنة من قبل الدولة السورية مع “قسد”، وحرصاً على إنجاح الجهود الوطنية المبذولة.
وأكدت وزارة الدفاع بأنها ستبقى درع الشعب السوري بكافة أطيافه، وأنها لن تدخر جهداً في هذا السبيل، بما يحافظ على أمن واستقرار ونقاء المجتمع السوري.
مسافة واحدة
الوصول إلى هذه التفاهمات وهذا المستوى المتقدم من التوافق هو ثمرة لمسار طويل من المحاولات المتعثرة لتقريب وجهات النظر، خصوصا أن العلاقة بين الحكومة السورية و”قسد” شهدت على مدار الأشهر الماضية مراحل من التوتر، والتعاون المحدود، ثم العودة إلى حالة اللاحوار. لكن، مع التغيرات الكبيرة التي طرأت على ميزان القوى الداخلي والإقليمي، أصبح واضحا لجميع الأطراف أن الحل الوحيد الممكن هو الحل التشاركي.
يرى المحلل السياسي، محمد عبيد، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن دخول الولايات المتحدة على خط الوساطة الفعلية شكّل نقطة مفصلية، خاصة وأنها كانت لعقود الطرف الراعي والداعم لـ”قسد” في حربها ضد “داعش”. لكن التصريحات الجديدة للمبعوث الأميركي توم باراك كشفت تحوّلا في الفهم الأميركي للدور الكردي، من كونه كيانا عسكريا منفصلا ومؤخرا باتت قراراته تحت رحمة “حزب العمال الكردستاني”، إلى جزء لا يتجزأ من مشروع الدولة السورية الحديثة.
ولا يمكن قراءة هذا التفاهم خارج سياقه الإقليمي أيضا، فهناك تنسيق متزايد بين العواصم العربية الكبرى بشأن دعم وحدة سوريا، وإعادة دمج المكونات التي خرجت من عباءة الدولة في ظل الحرب، عبر ترتيبات سلمية تُراعي خصوصيات المجتمعات المحلية، وتضمن السيادة الكاملة للدولة على أراضيها.
ومن جهة أخرى، تنظر غالبية القوى الدولية إلى خطر “داعش” باعتباره لا يزال قائما، وإن بشكل غير ظاهر، خاصة في مخيمات مثل الهول، التي تضم آلاف النساء والأطفال الذين كانوا جزءا من منظومة التنظيم، وهو ما يفرض ضرورة وجود طرف مسؤول وقادر على فرض السيطرة ومنع أي انتكاسة أمنية.
ولعل ما يُضفي على هذا الاتفاق أهمية إضافية هو تزامنه مع جهود إعادة الإعمار، وعودة آلاف النازحين إلى مناطقهم، ما يعني أن إنجاح عملية الدمج السياسي والإداري سيكون له تأثير مباشر على استقرار تلك المناطق، وقدرتها على التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
ومن الجانب الكردي، يعتبر كثير من النشطاء أن هذه الفرصة تمثل لحظة نادرة تاريخيا، إذ لم تُتح من قبل إمكانية المشاركة في مؤسسات الدولة بهذا المستوى من التمثيل والضمانات، خاصة مع الالتزام بتفعيل الحقوق الثقافية، والتعهد بعدم التدخل العسكري في المناطق الكردية، وهو ما يُطمئن السكان المحليين ويكسر حاجز الخوف من العودة إلى المركزية الصلبة.
- الثورة السورية


























