ملخص
ها هو “عالمنا المعرفي” يعبر منطقة خطيرة يجري فيها تفريخ قارئ “يعلم” ولا “يعرف”، يبلع ولا يتساءل، يريد الجواب جاهزاً ولا يريد السؤال ولا المسالك المؤدية إلى الجواب المفتوح على السؤال، نحن أمام ظاهرة ولادة قارئ مطلع على الأحداث سطحياً وجاهل لمسببات هذه الأحداث التي تجري من حوله وفي داخله.
نعيم الكسل.
تركّب أمام أعيننا يومياً مصانع جاهزة لصناعة قارئ كسول، مصانع عمادها مغروس في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام الكلاسيكي وفي المدارس وفي الجامعات أيضاً، إنه الكسل العسلي أو المعسل.
يوماً بعد يوم، يتمأسس الكسل، فينا ومن حولنا، وفي رحمه يتوطن الجهل المتعالم كجنين خرافي يحمل في جيناته علامات خراب العالم قريباً.
ها هو “عالمنا المعرفي” يعبر منطقة خطيرة يجري فيها تفريخ قارئ “يعلم” ولا “يعرف”، يبلع ولا يتساءل، يريد الجواب جاهزاً ولا يريد السؤال ولا المسالك المؤدية إلى الجواب المفتوح على السؤال، نحن أمام ظاهرة ولادة قارئ مطلع على الأحداث سطحياً وجاهل لمسببات هذه الأحداث التي تجري من حوله وفي داخله.
لقد تحولت المعرفة إلى عملية بلع معلبات جاهزة فكرية وأيديولوجية وسياسية ودينية، بشهية ومن دون هضم.
بذريعة ربح الوقت وهاجس ضغط الزمن المتسارع، حوصر القارئ بشبكة تأثير معقدة تقوم على “الاختزال” و”الاقتباس” المبتورين، شبكة غريبة تحاصره كما تحاصر العنكبوت فريستها بنسيجها، كلما تخبط القارئ وحاول التخلص من حبال هذه الشبكة زاد التشبيك من حول عقله وجسده ومشاعره، وقلت حركته شيئاً فشيئاً واستسلم لقدر الشبكة وللأيادي التي تديرها وتنصبها.
يفتح القارئ الهاتف الذكي الذي يعلمه الغباء بامتياز والذي أصبح بديلاً عن الكتاب والجريدة والمحاضرة والحوار والعلاقات الإنسانية الدافئة، فيجد نفسه على الفور في متاهة من الفيديوهات القصيرة التي تتحدث في كل شيء وعن كل شيء، عن السياسة والطب والدين ونظام الأكل واللباس والجنس والحب والموسيقى والرياضة والأسفار والعبقرية، لا شيء يغيب، يفتح على الفيديو الأول يبلعه في دقائق معدودة ليجد نفسه أمام آخر ثم آخر حتى تبدأ جاهزية الاستقبال لدية تتصالح مع هذا الفيضان في الفيديوهات وتقبله.
لا تتجاوز مدة الفيديو بعض الدقائق، وفيه يجد القارئ – المستهلك نفسه أمام فخ كبير، أمام عالم مبسط بحلول جاهزة من الذهاب إلى القمر إلى التداوي من الجنون والسرطان إلى فك أكثر المشكلات تعقيداً التي قد تلحق بك في العلاقات الإنسانية وفي الفاقة وفي الإدارة وفي المال، كل أمر له مفتاح وفي دقائق معدودة!
وحتى يكون الفخ ناجحاً، حوصر القارئ – المستهلك من كل الجهات بفيديوهات أو خطب لأسماء من العلماء والأطباء والفلاسفة ورجال الدين المشهود لهم بالحكمة والفكر ورجاحة العقل، ولكن اليد التي تقدم هذه الأسماء وتختارها تقوم بعملية اختزال أو اختصار أو قصقصة لخطابهم حتى تتم صناعة المستقبِل – الفريسة كما يحلو لها، فهي لا تعلم هذا القارئ – الضحية كيف وصل هذا أو ذاك إلى هذه الخلاصة والموظفة في سعي مدروس، إذ الرغبة والهدف هو أن يبلع القارئ – المستقبل ما يقال له من دون أن يناقش أو يستفهم أو يتساءل عن المسالك التي سلكها هذا أو ذلك في الوصول إلى مثل هذه الخلاصات والاستنتاجات.
وبين اسم كبير مكرس يقدم كلامه مختزلاً ومهندساً لقضية معينة، تنزل عشرات بل مئات الفيديوهات الأخرى التي تتناول أموراً مختلفة والتي هدفها تكريس الاستهلاك وتعميق الاستغباء وتعميم الكسل ومديح الاتكال.
إننا في زمن لاهث عنيف ثقافياً وإعلامياً، زمن لا يرحم الساذج، إنه زمن متوحش يريد الإكثار من الأغبياء ومن السذج لأنهم هم ضحايا هذه الثقافة التي يرغبون في نشرها، ثقافة الاختزال التي تؤدي إلى التبعية المطلقة الاستهلاكية المادية والسياسية.
صناعة كاتب وقارئ متناغمين في الكسل
الأخطر من هذا وذاك هو توصل “مصانع الكسل” الحداثية والتكنولوجية إلى صناعة كاتب وقارئ متناغمين في الكسل وفي الاتكال والتبعية، وهذا الواقع المؤلم اجتماعياً وسياسياً يتحقق في زمننا الثقافي والإعلامي بصورة واضحة ومعممة.
غباء القارئ من كسل الكاتب ومن فخ النص المقدم (مرئياً أو مكتوباً)!
لقد تغيرت عادات القراءة على نحو انقلابي عنيف، وتغيرت وسائطها بصورة ملحوظة ومتهافتة، ولكنها تظل متفاوتة ما بين منطقة جغرافية حضارية وأخرى، لقد طوي، إلى حد كبير زمن القراءة التي كانت تعتمد على نصوص لها مقاييس جمالية صُنعت عبر قرون من الكتابة وأخرى من القراءة والمراجعة والنقد.
حتى مطلع الألفية الثالثة، نُسجت ما بين القارئ والنص المقروء علاقة معقدة فيها كثير من التواطؤ والتشارك مؤسسة داخل التفكيك وإعادة التركيب والفهم والسؤال والشك، بطبيعة الحال بحسب مستويات القراء، لكن هذا الشغف كان حاضراً دائماً.
اليوم الالتصاق المزمن بالشاشات ليس حالاً إيجابية بل إنه مرض خطير، نفسياً ومعرفياً وسياسياً وحياتيا، في المقابل كان الالتصاق بالكتاب أو بالمجلة في زمن غير بعيد يدل على رجاحة العقل ومعافاة في العقل والمشاعر والحياة.
كان القارئ يقرأ كي يتواصل مع الآخر إنسانياً، اليوم القارئ – المستهلك يقرأ كي ينفصل عن العالم وعن نفسه أيضاً، لقد انتقلنا من التصاق صحي إلى إدمان مرضي.
على مدى قرون من الكتابة والقراءة، تشكلت علاقة التحامية ما بين القارئ والكاتب، علاقة خفية لكنها قوية، فالقارئ يرسم صورة لكاتبه لا من خلال الاختزال والاختصار والتعليب لكن من خلال الرفقة الطويلة بينهما، رفقة فيها استماع ونقاش وقبول وشك.
وفي مصانع القارئ الكسول اليوم، نحن أمام قارئ معلب لا يشك، قارئ مؤمن بالمطلق ومقتنع بالمطلق، والمعرفة التي لا تحمل في رحمها شكاً هي معرفة سامة للعقل وللحياة.
إلى زمن غير بعيد، كان الكاتب يحترم ذكاء القارئ لأنه يعتقد بأن الكتابة هي عملية مشتركة بينهما، هي منطقة من الأسئلة المتقاسمة بينهما، هاجس مشترك منبعه محاولة فهم غموض العالم، وفي ظل هذه العلاقة يمثل اجتهاد القارئ طاقة يستفيد منها الكاتب في صناعة نصوص ذكية أخرى، وربما أكثر ذكاء. اليوم لم يعُد ذكاء القارئ يشغل الكاتب، كل ما يبحث عنه هذا الأخير هو توسيع قاعدة متابعيه ومريديه.
وكانت حرية القارئ جزءاً من حرية الكاتب، الحرية التي يدافع عنها والتي يعيشها أو يحلم بها، فالحرية مشترك بين القارئ والكاتب ومن خلالها تتم عملية صناعة الإنسان التاريخي، اليوم لم تعُد الحرية شأناً ولا انشغالاً بين الكاتب وقارئه.
وكان الوسيط الذي كثيراً ما حافظ على هذه العلاقة المتوترة والإيجابية في الوقت نفسه، بين الكاتب وقارئه هو الناشر الذي على رغم عيون وسيف الأجهزة الأيديولوجية التي تراقب وتقص وتمنع في هذا البلد أو ذلك تحت مسميات كثيرة دينية وسياسية وأخلاقية، فإنه حافظ على الحد الأدنى من هذه العلاقة، وحتى تلك المعارك التي كانت تقوم حول هذا الكتاب الممنوع أو ذاك، كانت تسهم في رفع ذكاء القارئ بأسئلة جديدة، بل إن كثيراً من هذه الكتب الممنوعة قُرئت أكثر من الكتب المسموح بها، وبهذه المواقف النزيهة والمهنية عرف تاريخ الكتاب مجموعة كبيرة من الناشرين الذين أسهموا بمواقفهم الشريفة والشجاعة في احترام ذكاء القارئ وذوقه ودافعوا عنه.
وظل الناشر الذي هو شريك استراتيجي في الكتابة وفي العملية الإبداعية يحرص على تقديم نصوص كثيرة بأخلاق عالية على رغم الرقابة والشرطة المختلفة السياسية والدينية والأخلاقية، وبذلك نجد نصوصاً عالمية كبيرة تعيش بيننا على رغم التشدد تجاهها من رسالة الغفران للمعري إلى أشعار أبي نواس إلى كتب ابن رشد إلى نصوص المتصوفة إلى نصوص عالمية أخرى من ثقافات ولغات أخرى كثيرة.
اليوم وباسم الحرية المعممة ظاهرياً، وباسم موت الرقابة التقليدية ورفع اليد عن الكتاب نشراً وتوزيعاً، يحدث هذا بصورة نسبية في بعض البلدان، يتعرض القارئ لأكبر عملية عنف رمزي ولأكبر عملية مصادرة فكرية وجمالية لم يسبق لهما نظير.
لقد خلق هذا الجو الثقافي والإبداعي المخترق والاستهلاكي تأثيراً ليس في القارئ فقط، بل في الكاتب نفسه فأضحى شغله الشاغل كيف ينتج “نصاً” مؤثراً، أي نصاً يصل إلى أكبر “كمية” من البشر.
وهذه الرغبة التي أصبحت هاجس الكاتب من جهة والوسيط الناشر – الموزع الممثل في “وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة” والمنصات الرقمية التي تحاصرنا من كل جهة، هذا الهاجس فرّغ النص من حريته من دون أن يعلم صاحبه ولا موزعه بذلك، وفرّغ، من جهة أخرى، القارئ من ذكائه وأسئلته وشكه.
زفي ظل هذه المعمعة التي تشبه المتاهة التاريخية، تشكلت لدينا اليوم نصوص غريبة من دون ذوق ومن دون مخالب ومن دون عقل.
هكذا يتردد، القارئ يريد “الاختزال”، القارئ يريد “ما قل ودل” ومثل هذه المقولة تمثل خطراً على الفكر وعلى حرية الإبداع لأن “الاختزال”، أو “ما قل ودل” المقصود بها ضمنياً هو شطب مسارات التفكير، وشطب الفرضيات التي يتأسس عليها النص، بالتالي الذهاب مباشرة إلى النتائج وهذا ينتج لدينا قارئاً كسولاً، واليوم هناك جيل كامل تكون عقله على نظام المقتطفات والمقتطعات التي تفصل النتائج عن السياقات، مما يدخلنا في أزمة تاريخية وحضارية وأخلاقية معقدة تسمح أكثر فأكثر بتعميم مصانع الجهل الحداثي التكنولوجي.
- إندبندنت



























