ما يؤلم في واقع السوريين أن ما يحدث اليوم، في “المرحلة الانتقالية”، لا يمكن وصفه بناءً لغدٍ جديد، بل إعادة تدوير لأسوأ ما أنتجته الأسدية. ونعلم أن الانتقال من نظام استبدادي شمولي “صحّر” الحياة العامة إلى دولة جديدة، يعني صراعاً مع “إرث ثقيل بغيض”، وجهداً لا يكلّ في العمل لسورية التي قدّم السوريون التضحيات العِظام والمعاناة التي قلّ نظيرها. وندرك أن تسويغ أخطاء البداية وعثرات التحوّل لا يُقبل بعد أكثر من عام، والصمت عن الزلل لم يعد خياراً، لأنه يكاد ينقلب منهجية تطعن كرامة السوريين مرة أخرى.
نحن مع بناء الدولة الجديدة، دولة المؤسسات والحريات والمواطنة والقانون والعدالة والمساواة، فلا بدّ –والحال كذلك- من الوقوف بالمرصاد لحكومة تبيّض القَتلة وتهين الضحايا! وفي ظلّ غياب النخب وظِلال أدوارها المجتمعية، وفقدان الشفافية في السياسة والاقتصاد، وانعدام رؤى إعادة الإعمار وترميم البنى التحتية، واستمرار معاناة النازحين في مخيّمات لا تقي من حرّ، ولا تحمي من قرْس.
ما يحدث اليوم أن “المواطن” مورد وحيد لقرارات الحكومة التي رفعت الأسعار بشكل جنوني وكأنها تفرض “فاتورة عقاب” لشعب خرج لتوّه من تحت الأنقاض. بينما في المقلب الآخر، يتبختر المسؤولون في مواكبهم المترفة، ويقيمون المؤتمرات والمعارض والاحتفالات، في مشهد يؤكّد أنها. ليست “راعياً”، بل أصبحت “جابٍياً” يبتزّ الفقير؛ لأن جعل الخدمات سلعاً ربحية؛ جاذبة لاستثمارات سريعة، ستكون أسرع كارثية على الفئات الهشة؛ ففاتورة الكهرباء ارتفعت مئات الأضعاف، والاتصالات كذلك، أما فاتورة معيشة الحدّ الأدنى للحياة، فأغلب السوريين لا يصل حدّها الأدنى، بينما يرفل “بعض الحكومة الجديدة” برفاهية مستفزّة. ويصدح وزير المالية متبجّحاً بإنجازه توفير 500مليون دولار! ما يفسّر تعطّل الاقتصاد، أو تعطيله، لا انتعاشه، وتفسيرات أخرى عند خبراء المال.
ما يحدث اليوم تفويت للعدالة. يتجلّى بتمرير مصالحات مع “شبيحة ومرتزقة ” تلطّخت أيديهم بدماء السوريين، والصفح عن “أباطرة الكبتاغون والقتلة” في دير الزور مثلاً، وتعويم بعض شيوخ العشائر الذين كانوا أبواقاً للأسد فداعش ثم قسد، ليس ذلك “براغماتية”، بل بيع دم الضحايا مقابل ولاء رخيص. ومثل ذلك، إعادة الاعتبار لمعفّشي اقتصاد البلد، ومَموّلي مقتلة الشعب، بمسوغات “اقتصادية” واهية تشرعن الجريمة، ولا تقنع وليّ دم! وهم شركاء في القتل، وإعادتهم قتل للعدالة الانتقالية المنشودة في دولة قِيل إنها ستقوم على الكفاءات والقانون.
ما يحدث اليوم بدء مراسم وأد سورية الوليدة؛ فعندما تشتري الحكومة الانتقالية الهدوء عبر التحالف مع مجرمين، يُخشى أن تنتقل سورية إلى غابة، يسود فيها القوي الموالي، ويُسحق فيها المظلوم الذي لا ظهر له.
وما يحدث اليوم في دوائر وزارات الدولة أو منظماتها، يتجلّى في بيروقراطية معرقلة عارية بكادر وظيفي مهزوز بين ” شبّيحة ” يملكون الخبرة، ويعرقلون سياسياً، وبين “وافدين جدد” يملكون الحماس ويفتقرون للخبرة، فتتضخم الملفّات ويضيع الوقت والجهد والمال.
ما يحدث اليوم تأجيج صراع خطاب الهويات الطائفية والعرقية على حساب الهوية الوطنية الجامعة التي أضحت بين أنياب شتى المخاطر، فتهدّد الجميع بلا استثناء.
وما يحدث اليوم صُدّعت به الرؤوس! نعم، سقف حرية التعبير ارتفع، ولكنه إلى مآزق لن تنتهي! فغياب آليّات الاستجابة لإضراب المعلمين في إدلب مثلاً، أوصل الأمر لإعلان العصيان، والاحتجاج على ارتفاع فواتير الخدمات وخاصة الكهرباء، أودى بالناس للتنادي امتناعاً عن الدفع، أما احتجاجات دير الزور والرقة والحسكة، فلا يمكن تقدير ردّات الفعل التي ستصحب كلاً منها! وبذلك يتحوّل النقد إحباطاً جماعياً؛ لأن الصوت المسموع الذي لا ينتج عنه فعل أو آلية ردّ، إنما هو تمهيد لعودة الحنين إلى “الاستقرار القسري“!
ما يحدث اليوم تآكل لرأس المال الاجتماعي للحكومة الانتقالية ورئيسها، بسبب السياسات اللا منطقية واللا عقلانية التي تمارس داخلياً وتمس مقومات الحياة البسيطة للناس، وكذلك العدالة الانتقالية غائبة، بلا محاسبة أو مصالحة وطنية حقيقية يجعل المجتمع قابلاً للانفجار. وما دام العقد الاجتماعي مغيّباً، فالدولة تعمل ارتجالاً وفق “إدارة الأزمات” اليومية وانتقالاتها، لا وفق “رؤية دستورية” تفصل بين السلطات، وتحدّد الحقوق والواجبات.
وما يحدث اليوم أن السوريين لم يصمتوا “رضاً”، بل خوف ضياع ما تبقّى، ورهبة من سطوة “شبّيحة جدد“! ولن يصمت السوريون عن تحويل تضحيات الملايين ومعاناتهم إلى “صفقات عقارات” أو “مصالحات أمنية” تحت الطاولة. فالقديم لمّا يمت (بممارساته وعقليته)، والجديد لمّا يولد مكتملاً. وما انقلاب الأمل تشاؤماً، إلا جرس إنذار للحكومة الانتقالية ورئيسها بأن “شرعية التغيير” لها عمر افتراضي قصير، ولا بديل عن “شرعية الإنجاز” المرتبطة بالحرية والعدالة والكرامة.
وما يجب أن يحدث غداً، إدراك أن بناء الدولة يبدأ من “قوس العدالة” لا من “طاولات المصالحة مع القتلة”. “. ولا مناص من التوازن في اهتمام الدولة بالعمل مع الخارج، والتموضع في السياسة الإقليمية والدولية، وانغماسها في متطلّبات الداخل وحلّ قضاياه المستجدة والمعلقة، ولا بدّ، أولاً، أن ينطلق قطار العدالة الانتقالية فعلياً، وإلا فإننا أمام انفجار للجوع انتصاراً للكرامة المهدورة لن يبقي ولن يذر، ولن تحمي حينها لا اتفاقيات خارجية ولا حصانات ولاء زائفة.
- رئيس التحرير


























