الخوف والهوية: الإسلاموفوبيا والعلمانوفوبيا في السياق السوري – في تمييز النقد الديني والعلمانية عن الرُّهاب والتوظيف السياسي للكراهية

علاء الخطيب

لا يتمحور الجدل الدائر في سوريا اليوم حول البرامج السياسية أو نماذج الحكم الممكنة، بقدر ما بات يدور حول سؤال أكثر غموضاً وخطورة: مِمَّن نخاف؟ هل الخطر «أسلمة» الدولة أم «علمانيةٌ» تُصوَّرُ كتهديد للهوية؟ هل نخاف من حُكم «السني» أم «العلوي»؟ من «العرب» أم «الدروز» أم «الكُرد»؟ ومع اتساع هذه الدائرة، تتراجع السياسة لصالح إدارة الهواجس، ويُستبدَل النقاش حول الدولة بنزاعٍ على الهوية.
    • في هذا المشهد المضطرب يبرز أحد أخطر خطوط الاشتباك: صراع بين تيار إسلامي صاعد، وتيار مضاد يُقدِّمُ نفسه كتيار علماني. يتهم المؤيدون للسلطة الانتقالية خصومهم بمحاولة فرض العلمانية على مجتمع مسلم، بينما يرى المعارضون أن السلطة تدفع البلاد نحو «أسلمة الدولة» أو نماذج راديكالية مقلقة. وبين هذين الطرفين، تقف غالبية السوريين في مساحة رمادية، تراقب بقلق تَصاعُد الخوف المتبادل.

      هنا تتشكّل ظاهرتان متوازيتان: إسلاموفوبيا «Islamophobia» لدى شريحة من المعارضين، وعلمانوفوبيا «Secularism phobia» لدى شريحة من المؤيدين. غير أن فهم هاتين الظاهرتين لا يكون باعتبارهما موقفين متقابلين فقط، بل كنِتاجَين مختلفين لمنطق سياسي واحد يقوم على تسييس الخوف وتحويله إلى أداة تعبئة وصراع. فكلاهما لا ينبعان من نقاش عقلاني حول الدين أو الدولة، بل من أزمات ثقة عميقة: بين المجتمع والدولة، وبين الجماعات بعضها مع بعض، وبين الماضي والمستقبل، وبين الأنا والآخر.

      في المجتمعات الخارجة من الاستبداد والحروب تتحول الإسلاموفوبيا إلى عدسة تُفسَّر من خلالها كل الظواهر السياسية، كما تتحول العلمانوفوبيا إلى فزّاعة تُستخدَم لإغلاق أي نقاش حول الديمقراطية والدولة الحديثة.

      تحاول هذه المقالة أن تقرأ الظاهرتين معاً، لا على قاعدة المساواة بينهما، بل لفهم كيف تعمل كلٌّ منهما وظيفياً داخل الصراع السوري، وكيف تُغذّي إحداهما الأخرى، وتُستخدَمَان لتبرير الإقصاء وتعطيل السياسة. فالمشكلة ليست في الإسلام ولا في العلمانية بحد ذاتهما، بل في الطريقة التي جرى فيها تحويلهُما إلى أدوات صراع في معركة تُدار بالخوف أكثر مما تُدار بالعقل. وغالباً ما تُستخدَم هذه الأدوات من قبل قوى محلية وإقليمية لتعطيل أي مسار حقيقي لبناء الدولة. وهنا يبرز السؤال الأصعب: هل يمكن بناء دولة في ظل هذا التراكم من المخاوف؟

      إن قراءة الإسلاموفوبيا بوصفها ظاهرة عالمية، ثم تَتبُّع آليات استدعائها داخلَ السياق السوري، تُتيح فهماً أعمق لكيفية تَشكُّل الخوف، وكيفية انتقاله من مستوى القلق المشروع إلى مستوى الفوبيا السياسية، بما يحمله ذلك من آثار مباشرة على الصراع، وعلى إمكانيات بناء دولة جامعة.

      الإسلاموفوبيا في سوريا: من الظاهرة العالمية إلى الاستثمار المحلي

      حين نتحدث عن الإسلاموفوبيا في السياق السوري، لا نتحدث عن ظاهرة محلية معزولة، بل عن مفهوم عالمي عَرَّفته الأمم المتحدة بأنه الخوف، أو الكراهية، أو التمييز تجاه المسلمين والإسلام، مدفوعةً غالباً بصور نمطية مُسبَقة وأسباب قائمة على معلومات غير صحيحة، ويتجلى في أشكال لفظية، سلوكية، مؤسساتية، وتحمل بُعداً عنصرياً يتداخل مع الدين والهوية الثقافية.

      لكن السؤال المطروح هنا: هل هذا يعني أن كل من يخاف من الإسلام أو المسلمين، بعدما جرى من حوادث إرهابية باسم الإسلام حول العالم، وانتشار مصطلح «الإرهاب الإسلامي» وإعلان «الحرب على الإرهاب» في الفضاء السياسي والإعلامي عالمياً، يصبح مصاباً بالإسلاموفوبيا؟

      الجواب باختصار: بالتأكيد لا. فمشاعر الخوف أو القلق المُنتشِر لدى بعض الناس من الإسلام أو المسلمين هي مشاعر مُبرَّرة ومفهومة.

      إذن كيف نُميّز بين الإسلاموفوبيا بوصفها رُهاباً، وبين القلق المشروع الذي قد يَنتج عن أحداث عنف تُرتَكب باسم الإسلام؟

      الخوف أو القلق من الإسلام والمسلمين غالباً ما يكون ردَّ فعل محدوداً على تهديد محسوس، ولا يتحول بالضرورة إلى مُبرِّر للإقصاء أو العنف ضد المسلمين ككتلة واحدة؛ وكذلك تكون الكراهية المصاحبة لهذا الخوف أقربَ إلى النفور والحذر وليس إلى الحقد؛ كما أن هذا الخوف، حتى لو أدّى إلى بعض الإقصاء للمسلمين عند من يحملونه، فإنه يبقى ضمن دوائر محدودة أو خاصة ولا ينتقل إلى ممارسة عامة، ويبقى أيضاً غير مُبرَّر أخلاقياً ولا يُصاحبه عنفٌ معنويٌ أو مادي.

      بينما تتجلى الإسلاموفوبيا في خوف شديد وكراهية حقيقية للإسلام والمسلمين، ويصاحبها إقصاء واضح للمسلمين تراه الإسلاموفوبيا مُبرَّراً أخلاقياً، وبالتالي غالباً ما يُنتِجُ عنفاً معنوياً أو مادياً تجاه المسلمين.

      لكن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين يُستخدَم مفهوم الإسلاموفوبيا إما لتجريم أي نقد للإسلام، أو عندما يُستخدم النقد الديني نفسه كغطاء لتبرير كراهيةٍ مُعمَّمة ضد المسلمين. عند هذه النقطة بالذات يختلط التحليل بالتحريض، ويغدو من الضروري تفكيك الحدِّ الفاصل بين النقد والخطاب الإقصائي.

      الإسلاموفوبيا والنقد المشروع للإسلام: أين الحدُّ الفاصل؟

      يمكن التمييز بين النقد المشروع للإسلام من جهة، والكراهية المُمنهَجة ضده من جهة أخرى، من خلال طرح سؤالين أساسيين: هل النقد يتعامل مع الإسلام كتجربة بشرية متنوعة قابلة للنقاش، أم ككتلة شريرة واحدة؟ وهل ينتقد الأفكار والمؤسسات أم يستهدف البشر وحقوقهم؟ 

      فمثلاً، أحد الأسئلة الأساسية التي كانت وما زالت مطروحة في سوريا: هل ستكون سوريا دولة حديثة تتبنى الديمقراطية والعلمانية وشرعة حقوق الإنسان الدولية، أم أنها ستكون دولة إسلامية؟ ومع صعود الحكومة الانتقالية الحالية بماضيها الجهادي صار السؤال أشدَّ إلحاحاً، بل وتخويفاً للكثيرين: هل ستجري أسلمة أو تسنين سوريا على نمط أفغاني أو صومالي؟ وهنا حصل الاشتباك في الفضاء السوري، واختلط، النقد الديني، ونقد الإسلام السياسي والمشيخي، ونقد الفرز الطائفي من جهة أولى؛ مع الإسلاموفوبيا، بل ربما فوبيا الإسلام السُنّي على وجه الخصوص، والتهجُّم على الإسلام والمسلمين، من جهة ثانية؛ مع تيار تكفير واتهام بكراهية الإسلام (السنّي بالذات)، ممزوجاً بعلمانوفوبيا، وفوبيا من «العلوية السياسية»، من جهة ثالثة. لقد أصبح واقع النقاش السوري أشبه بلوحة سريالية فوضوية.

      الإجابة تكمن في منهج الرؤية والتحليل، وسياق النقاش، وطريقة التعبير، والانحيازات المُسبَقة. فالنقد الموضوعي والنقاش المجتمعي حول أي دين – بما في ذلك الإسلام – أمرٌ مشروع، بل ضروري في المجتمعات الحديثة.

      النقد الديني هو تعبير عقلاني أو فلسفي أو حقوقي يهدف إلى تحليل الأديان أو مناقشتها باستخدام أدوات معرفية، بهدف الفهم أو المعارضة أو الدعوة إلى التغيير، دون التحريض على الكراهية أو التمييز. وهو حق أساسي من حقوق حرية التعبير التي تكفلها المواثيق الدولية.

      النقد الديني ظاهرة إنسانية قديمة، طالت جميع الأديان، وغالباً ما كانت تنطلق من داخل الدين نفسه. انقسامُ الأديان إلى مذاهب وطوائف وفرق كان، في كثير من الأحيان، نتيجة نقد داخلي. كذلك مارسَ أتباع كل دين نقد الأديان الأخرى، انطلاقاً من قناعة كل جماعة بأنها تمتلك «الحق».

      كما أن النقد الديني هو نتيجةٌ حتميةٌ لوجود الدين. فالدين ذاته يقوم على نقد الواقع القائم بأبعاده الروحية الغيبية والاجتماعية والأخلاقية والقانونية وحتى أحياناً الاقتصادية والسياسية، لذلك فإن التفاعل معه من خلال النقد الديني نتيجة طبيعية أيضاً لا يمكن استنكارها أو منعها.

      قد يكون النقد الديني فلسفياً مثل نقد نيتشه للدين كمؤسسة سلطوية، أو علمياً مثل نقد العلماء لفكرة الخلق أو المعجزات، أو حقوقياً مثل انتقاد قوانين دينية تُميّز ضد النساء أو الأقليات، أو أخلاقياً من باب الاختلاف مع المنظومة أو الممارسة الأخلاقية المُقدَّمة دينياً، أو سياسياً عندما يتدخل الدين بالسياسة.

      في القرن العشرين، ومع انتشار مفاهيم الديمقراطية والليبرالية والعلمانية وتطبيقها في كثير من دول العالم؛ ومع زيادة تسارع تطور العلوم والمعارف الإنسانية وصدامها مع القراءات التراثية للأديان، والصدام أحياناً بين بعض الرؤى الدينية السياسية والقوى السياسية والاجتماعية، انتقلَ النقد الديني ليُصبح خارجياً، بمعنى أن النقد بدأ يأتي من جهات خارج الدين.

      بعد هذا العرض لمفهوم النقد الديني، يمكن الانتقال للسؤال التالي: كيف نميّز بين النقد الديني وبين الإسلاموفوبيا؟

      يُعد الفرق بين النقد الديني والإسلاموفوبيا أمراً دقيقاً يتطلب معايير واضحة وقابلة للتطبيق. لا يُعتبر كل نقد للإسلام أو المسلمين إسلاموفوبيا، لكن، هناك معياران أساسيان يساعدانِنا على التمييز بين الاثنين إلى حد كبير.

      المعيار الأول هو طبيعة الموقف من الإسلام والمسلمين؛ وهذا يشمل التمييز بين رؤى مغلقة أو منفتحة حول الإسلام. ولعلَّ أول سؤال هو هل يُنظَر إلى الإسلام كدين متنوع وديناميكي، أم ككتلة واحدة متجانسة وثابتة؟ الإسلاموفوبيا تميلُ إلى رؤية الإسلام كهوية واحدة مُغلقة، والمسلمين كجماعة متشابهة تنتظر «لحظة السيطرة». بالمقابل، يرى النقد الديني الجاد التنوّعَ الواسعَ داخل الإسلام، تاريخياً وجغرافياً وفكرياً.

      في السياق السوري، يظهر هذا بوضوح في اختزال الإسلام إلى نماذج مثل أفغانستان أو الصومال، واعتبار أن «المسلمين السُنّة» سيقودون سوريا حتماً إلى أحد هذين النموذجين، مع تجاهل التنوّع الهائل داخل المجتمعات السُنّية نفسها، بل وداخل تلك النماذج المُستخدَمة كفزّاعة.

      ضمن المنهج نفسه يمكننا القول إن النقد الديني للإسلام يرى الإسلام مُشابِهاً لغيره من الأديان؛ وكذلك يراه أحد المكونات الثقافية للمجتمع والأفراد، أي كشريك في المجتمع بكل مزاياه وعيوبه؛ وفي الوقت نفسه يرى المسلمين مثل غيرهم من البشر، يغلب عليهم الصدق بما في ذلك تَديّنُهُم. بينما تقف الإسلاموفوبيا على الجهة الأخرى، فترى الإسلام مختلفاً، وأدنى من الأديان الأخرى؛ وتراه عدواً يجب محاربته، أو محاصرته على الأقل.

      يقف النقد الديني موقفاً حاسماً ضد التمييز السلبي بحق المسلمين؛ بينما ترى الإسلاموفوبيا أن هذا التمييز مجرد ردِّ فعل مُبرَّر، بل قد يكون مُبرَّراً أخلاقياً. كذلك يرفض النقد الديني الخطاب المعادي للإسلام، بل ويحاربه؛ أما الإسلاموفوبيا فتتبنّى الخطاب المعادي للإسلام، وتُدافع عنه.

      المعيار الثاني هو طبيعة الطرح نفسه؛ النقد الديني يُميّز بين النصوص والتراث والمؤسسات من جهة، وبين أتباع الدين كأفراد ومجتمعات من جهة أخرى. أما الإسلاموفوبيا، فتقفز مباشرة من نقد النص أو التاريخ إلى إدانة البشر، وتُسقِطُ قراءة انتقائية على مجتمع كامل.

      نرى هذا مثلاً في الانتقال المباشر من قراءة فتاوى تراثية، كفتاوى ابن تيمية بشأن بعض الفرق الإسلامية، إلى اتهام «المسلمين السنّة» كجماعة بالعنف أو الإقصاء، دون أي تحليل اجتماعي أو تاريخي أو نفسي، ودون الاستعانة بعلوم الاجتماع أو النفس لفهم الواقع المُعاش.

      كما أن النقد الديني مستقلٌّ نسبياً عن الحالة السياسية والمواقف الإيديولوجية والعاطفية المسبقة، وهذا يُظهِرُ اختلافاً أساسياً عن الإسلاموفوبيا، التي تضع العربة أمام الحصان، فتضع النتيجة قبل إجراء التحليل، بينما النقد الديني يُجري التحليل الموضوعي، ثم يصل إلى النتيجة. وهذا ما يقعُ فيه بعض أصحاب الرأي عندما يطلقون مصطلحات مثل «الفاشية الإسلامية،» ثم يجرون عملية بحث انتقائية لإثبات المصطلح/النتيجة على حساب التحليل النقدي.

      إذن، طبيعة الإسلاموفوبيا التعميمية والمُنحازة سياسياً أو إيديولوجياً، أو حتى عاطفياً، تخدم استعمالها كأداة لتعزيز خطاب سياسي مُعادٍ للعرب والإسلام.

      خطر الإسلاموفوبيا والاستخدام الخاطئ للمفهوم

      عمد بعض الإسلاميين وغيرهم للمبالغة في استخدام تهمة الإسلاموفوبيا ضد كل نقد للإسلام، وأصبحوا يتهمون كل نقد للإسلام أو المسلمين بأنه إسلاموفوبيا. بطريقة أو أخرى، يستخدمون سياسة خطابٍ شبيهٍ لذاك الذي يعتبر كلّ نقد لسياسات إسرائيل عداءً للسامية. فهذا السلوك بالمحصلة ساعد الإسلاموفوبيا الحقيقية في الانتشار أكثر، وعلى التأثير بشكل أوسع على الجماهير.

      على الضفة الأخرى، تزايدَ خلال العقود الماضية انتشارُ مواد، مكتوبة ومرئية، تدخل من باب النقد الديني لتنتقل بشكل مباشر أو غير مباشر لإسقاط نتائج النقد الديني على الأفراد والجماعات، والدفع إلى استنتاجات تصبُّ في دعم صورة نمطية سلبية للمسلم، تتضمن غالباً ادعاءً بأنه بالضرورة عنيف وإقصائي وكاره ومُتعصِّب، وذو شكل معين أقربَ إلى مقاتلي أفغانستان كرجل، بينما تضع المرأة المسلمة في قالب النقاب.

      هذا التنميط والتعميم الجائر من قبل تيار الإسلاموفوبيا، بالتعاضد مع التطرّف والتعصّب الإسلامي، وفوضى الإعلام الكبير والصغير، وغياب الإرادة السياسية في مواجهة هذه الأمواج المتصادمة من كل الأطراف، أضاف الإسلاموفوبيا لتكون تحدياً كونياً كبيراً يواجه العالم، يحمل في بعض جوانبه تكراراً لبعض معالم قصة اليهود والمعاداة للسامية.

      ففي السنوات الأخيرة لم يعد العداء للإسلام والمسلمين خفيّاً، بل صعَّدَ السياسيون الغربيون من اليمين المتطرف مواقفهم ليعلنوا صراحةً عداءهم للإسلام والمسلمين، وتزايدت حوادث الإسلاموفوبيا في الغرب.

      تُظهِرُ التجربة السورية أن الإسلاموفوبيا لم تعد ظاهرة «غربية» أو مرتبطة بغير المسلمين فقط، بل أصبحت عنصراً فاعلاً داخل الصراع السوري نفسه. الانقسام الطائفي والقومي، وانهيار الثقة، وغياب مشروع وطني جامع، كلها عوامل جعلت الإسلاموفوبيا أداة سهلة في يد صانعي الصراع.

      في هذا السياق، ظهرت مفاهيم وشعارات مثل «تحالف الأقليات» لتغذية الخوف من الغالبية السُنّية، وفي المقابل تصاعدت شعارات إقصائية سنّية تعتبر الدولة «حقاً حصرياً». وبين الطرفين، ضاعت السياسة، وفَقدت المعارضة، في كثير من الأحيان، بوصلتها حين اختزلت معارضة السلطة الانتقالية في رفض هوياتي، لا في نقد سياسي وبرنامجي. فكان مثلاً أن أصبحنا نسمع عبارات تقول «لا يمكن أن نتعايش مع العرب السنّة»، أو «يستحيل بناء الدولة مع الغالبية المسلمة السنّية». وعلى الجانب الآخر تصاعدت شعارات «الدولة لنا نحن السنّة، والآخرون يجب أن يقبلوا صاغرين».

      تُظهِرُ التجربة السورية أن الإسلاموفوبيا لم تعد ظاهرة خارجية أو مرتبطة بالغرب فقط، بل أصبحت عنصراً فاعلاً داخل الصراع السوري نفسه، تُغذّي الانقسام وتُعيد إنتاج الخوف المتبادل بين مكوّنات المجتمع. ومع غياب مشروع سياسي جامع، يتحوّل هذا الخوف إلى أداة صراع بدل أن يكون مدخلاً لنقاشٍ وطني حول شكل الدولة المقبلة. لذلك فإن فهم الإسلاموفوبيا، وحدود النقد الديني، ليس ترفاً فكرياً، بل خطوة أساسية في بناء بيئة سياسية يمكن أن تتعايش فيها الاختلافات.

      اقتحامُ الإسلاموفوبيا للفضاء السوري ليس استثناءً بين الدول العربية والإسلامية، بل هي ظاهرة واضحة أيضاً في هذه الدول، فمواقفُ كثير من النخب العربية، حتى كبارها، أصبحت واضحة، وهي تُفضِّلُ الديكتاتور، وتُروّج للحاكم الأوحد، ما دام يمنح «العلمانية» بعض المظاهر في الدولة، ويحارب التيار الإسلامي، سواء أكان السياسي أم المشيخي، نتيجة موقف إسلاموفوبي واضح.

      تكشف الحالة السورية أن الإسلاموفوبيا لا تُضعِفُ فقط فرص التعايش، بل تُعطِّلُ السياسة نفسها. فهي تُحوِّلُ النقاشَ من سؤال «كيف نبني دولة؟» إلى سؤال «من نمنع من الحكم؟»، وتغلق الباب أمام أي مسار جدي لبناء دولة جامعة. ومن هنا يصبح من الضروري الانتقال إلى الظاهرة المقابلة: العلمانوفوبيا، التي لا تقل خطورة، والتي تُغذّي الإسلاموفوبيا بقدر ما تتغذّى منها.

      العلمانوفوبيا 

      إذا كانت الإسلاموفوبيا تصف كراهيةً أو تمييزاً غير مُبرَّر ضد المسلمين، فهناك ظاهرة مقابلة لا تقل حضوراً في مجتمعاتنا: الخوف المرضي من العلمانية، خصوصاً في البيئات المحافظة دينياً. وقد يبدو مصطلح «العلمانوفوبيا Secularismophobia» جديداً، لكنه يُعبّر عن واقع قديم: تحويل العلمانية إلى «فزّاعة» تُستدعى كلما طُرِحَ نقاش جدي حول الدولة والحقوق والحريات. ومع اتساع ظاهرة الخوف غير المبرر من العلمانية في الدول العربية وغيرها من الدول ذات الطبيعة الدينية المحافظة، فإن استخدامَ مصطلح جديد «العلمانوفوبيا» للتعبير عنها، وعن سياق الإسلاموفوبيا، أمر ضروري وفي محلّه.

      دون الخوض في تفاصيل التعريفات النظرية المختلفة، يمكن تعريف العلمانية وفق ما هو أوسع انتشاراً نظرياً، ووفق التطبيق العملي، بأنها أحد مكونات نظام الدولة، وتقوم على فصل الدولة بسلطاتها الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية عن سلطة رجال الدين، والمؤسسات الدينية، والشرائع الدينية؛ وفي الوقت نفسه تحمي الحرية الدينية للناس، وتحمي المؤسسات الدينية من تسلّط الدولة؛ وتحرص على معاملة جميع الناس على قدم المساواة بغض النظر عن دينهم وطائفتهم.

      أمّا العلمانوفوبيا فهي ظاهرة اجتماعية سياسية تتمظهر بخوفٍ وعداءٍ للعلمانية، بسبب تصور وهمي غير صحيح عن العلمانية يصورها كإيديولوجيا معادية للدين والمتدينين. ولهذا يسهل توظيفها سياسياً أو دينياً لتخوين أي نقاش حول الديمقراطية وحقوق الإنسان أو حقوق المرأة والحريات الشخصية، تحت شعار جاهز: «هجوم على الدين». وفي كثير من الحالات، لا تُولَد هذه الظاهرة من نقاش معرفي حول معنى العلمانية، بل من بيئة استقطاب تُستثمَر فيها المخاوف وتُستخدَم كأداة تعبئة.

      سنناقش هذه الظاهرة في العالم العربي، والحالة السورية خصوصاً، حيث تسود المجتمعات المحافظة دينياً، وحيث ما زالت العلمانوفوبيا ظاهرة موجودة ومتنامية، وتُشكل عائقاً إضافياً أمام الانتقال للحداثة، وتزيد من حدة الأزمات السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية في هذه المجتمعات. وبداية لا بد من محاولة فهم أسباب انتشار هذه الظاهرة.

      أسباب صعود ظاهرة العلمانوفوبيا

      لم تصعد العلمانوفوبيا في المجتمعات العربية صدفة، بل تَشكَّلَت نتيجة تفاعل طويل بين السياسة والدين والإعلام، في سياق تاريخي اتَّسمَ بالاستبداد وضعف الدولة الحديثة. ويمكن تلخيص أبرز أسباب هذا الصعود في عدة مستويات متداخلة.

      أول هذه الأسباب هو موقف الأنظمة العربية السلطوية، التي حاربت كل مقومات الدولة الحديثة، وعلى رأسها الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان. فالعلمانية، بصيغتها الحديثة، تستدعي حكماً تداولياً ومُساءلة سياسية، وهو ما يتناقض جوهرياً مع طبيعة الأنظمة الشمولية. لذلك فضّلت هذه الأنظمة الاحتماء بالدين، أو التحالف مع مؤسساته، لتأمين شرعية بديلة، مع الإبقاء على القوانين الدينية، خصوصاً في الأحوال الشخصية، كجزء من صفقة سياسية مع المجتمع المتديّن.

      السبب الثاني يتمثل في موقف رجال الدين والمؤسسات الدينية، التي رأت في العلمانية تهديداً مباشراً لمكانتها الرمزية والاجتماعية، ولمصادر نفوذها داخل المجتمع. ومع اختزال العلمانية إلى «نقض للشريعة»، جرى تصويرها كخطر وجودي لا كخيار تنظيمي للدولة، ما ساهم في تعميم الخوف منها داخل القاعدة الشعبية.

      أما السبب الثالث، فهو فشل النخبة العربية التقليدية في تقديم العلمانية بلغة مفهومة وقريبة من الناس. فقد بقي النقاش محصوراً لعقود داخل دوائر ثقافية ضيقة، بلغة نخبوية، ومتعالية أحياناً، ما ترك الشارع نهباً لخطاب السلطة الدينية والسياسية، دون وجود سردية بديلة قادرة على المنافسة أو الإقناع.

      السبب الرابع يتمثل في صعود ما يمكن تسميته بـ«العلمانيين الجدد»، الذين قدّموا العلمانية من بوابة العداء للدين (الإسلاموفوبيا)، لا من بوابة الحقوق والمواطنة. هذا التيار، المتأثر بالإسلاموفوبيا، اختزلَ أزمات المنطقة في الدين عموماً والإسلام خصوصاً، بل وصل بعضه إلى تبرير الديكتاتوريات بوصفها حائط صدّ أمام «الخطر الديني». هذا الخلط بين العلمانية والاستبداد، وبين النقد الديني والكراهية، لعبَ دوراً أساسياً في ترسيخ الرُّهاب من العلمانية بدل تفكيكه.

      إلى جانب ذلك، لعبت الغربوفوبيا دوراً مؤثراً في تغذية العلمانوفوبيا. فالعلمانية، بوصفها مفهوماً نشأ في السياق الأوروبي، جرى ربطها مباشرة بالاستعمار، وبالسياسات الغربية الظالمة، وبنظرية المؤامرة التي ترى في الغرب «شيطاناً حضارياً» يعمل على تفكيك المجتمعات العربية والإسلامية. وبدل نقد الغرب بوصفه فاعلاً سياسياً، جرى شيطنة كل ما ارتبط به، بما في ذلك الديمقراطية والعلمانية.

      وأخيراً، لا يمكن تجاهل دور الإعلام العربي، الذي انحازَ في غالبيته للسلطتين السياسية والدينية، فإما هاجم العلمانية صراحة، أو صمتَ عنها، أو قدّمها بصورة مشوّهة تخويفية. ومع منطق السوق الإعلامي القائم على الإثارة وكسب الجمهور المحافظ، تحوّلَ الصراع بين الإسلام والعلمانية إلى مادة استهلاكية، تُستحضَرُ فيها المخاوف بدل الأفكار، وتُغذَّى فيها الفوبيا بدل النقاش.

      هذه العوامل مجتمعة تفاعلت مع فوضى الإعلام التقليدي والسوشيال ميديا، لتجعل من كلمة «علمانية» مصطلحاً مُلتبِساً، مشحوناً بالخوف والريبة، وأكثر قابلية للاستثمار السياسي والديني.

      لكن هذه الأسباب، على أهميتها، لم تكن لتُنتِجَ هذا المستوى من الرُّهاب لولا تَرافُقها مع عملية منهجية لتشويه مفهوم العلمانية نفسه. فلم يقتصر الأمر على سوء فهم عفوي أو اختلاف معرفي، بل جرى بناء صورة نمطية متكاملة تُقدَّم فيها العلمانية بوصفها خطراً أخلاقياً وثقافياً ووجودياً. ومن هنا، يصبح من الضروري تفكيك أبرز السرديات التي ساهمت في تحويل العلمانية من إطار تنظيمي للدولة إلى فزّاعة سياسية ودينية في المخيال العام.

      تشويه العلمانية: من مفهوم سياسي إلى فزّاعة أخلاقية

      يمكن الادعاء أن الحرب المفتوحة التي شنها كثير من رجال الدين، خاصة الإسلامي، وكثير من المفكرين المسلمين مدعومين من قبل السلطات السياسية العربية، بدأت منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي بعد ظهور ما سُميّ «الصحوة الإسلامية» في نهاية سبعينيات القرن الماضي. وارتكزت الحملة ضد العلمانية على ترسيخ عدة مفاهيم خاطئة حولها، وذلك من خلال خلط المفاهيم ببعضها.

      لم تُحارَب العلمانية في العالم العربي لأنها فُهمَت، بل لأنها شُوِّهَت عمداً. فمنذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، تحوّلت العلمانية من مفهوم سياسي قابل للنقاش إلى «فزّاعة أخلاقية» تُعلَّق عليها كل مخاوف المجتمع: الانحلال، الإلحاد، التفكُّك الأسري، ضياع الهوية، وحتى الحروب العالمية. لم يكن الهدف تفسيرَ العلمانية أو نَقدَها، بل إخراجها من سياقها التاريخي والسياسي، ووضعها في موقع العدو الوجودي للدين والمجتمع.

      جرى تصوير العلمانية كمُنتَج غربي خالص، لا يُناسب خصوصيتنا، وكجزء من مؤامرة كونية تستهدف الإسلام والمسلمين، متجاهلين أن الدولة الحديثة نفسها، بقوانينها ومؤسساتها وحدودها، هي أيضاً نتاج تاريخي غربي تم استيراده دون هذا الهلع. لكن الانتقائية هنا لم تكن بريئة: ما يخدم السلطة يُقبَل، وما يهددها يُشيطَن.

      في هذا الخطاب، لم تعد العلمانية إطاراً لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة، بل صارت مسؤولة عن تراجع التديُّن المسيحي في الغرب، وعن «توحُّش» الرأسمالية، وعن الإلحاد، وعن تفريغ الحياة من الروح، بل وعن الديكتاتوريات العربية نفسها، في مفارقة عبثية تُبرّئ الأنظمة التي حاربت العلمانية والديمقراطية معاً.

      هذا التشويه المنهجي لم يكن مجرد سوء فهم ثقافي، بل كان أداة سياسية فعّالة. فقد التقت مصالح السلطتين السياسية والدينية على شيطنة أي تَصوُّر للدولة يحدّ من نفوذهما، وساعدهما في ذلك إعلامٌ شعبويٌ وجد في «معركة الإسلام والعلمانية» مادة مثالية لتعبئة الشارع واستثمار الخوف. وهكذا لم تَعُد العلمانية موضوعاً للنقاش، بل تهمة جاهزة، ولم يعد الاختلاف حولها سياسياً، بل أخلاقياً وعقائدياً. بهذا المعنى، لم تُرفَض العلمانية لأنها فشلت، بل لأنها لم تُمنَح فرصة أن تُفهَم أصلاً.

      حين تُشيطَن العلمانية بوصفها مؤامرة على الدين، يُصبح تكفيرها نتيجة منطقية لا اجتهاداً متطرفاً. فهنا لا يُناقَش نموذج دولة، بل تُصادَر السياسة باسم العقيدة، ويُستبدَلُ النقاش بالتخويف، ثم بالتكفير.

      العلمانية «طاعون العصر»

      لم يكن توصيف العلمانية بوصفها «طاعون العصر» مجرّد عنوان صادم لكتاب دعوي، بل خلاصة مسار طويل من الشيطنة المنهجية التي حوّلت مفهوماً سياسياً قانونياً إلى تهديد وجودي مُتخيَّل.

      بهذا التصوير، لم تعد العلمانية خياراً قابلاً للنقاش أو الرفض السياسي، بل أصبحت «مرضاً» يجب استئصاله. ومن هنا لم يكن مُستغرَباً أن تنتقل بسرعة من خانة النقد إلى خانة التكفير، وأن تُربَطَ تلقائياً بالإلحاد، والانحلال، ومحاربة الشريعة، بل وبالخيانة والعمالة للغرب. فحين تُختزَلُ العلمانية في صورة طاعون، يُصبح أي حديث عنها عدوى، وأي مُدافِعٍ عنها مُتَّهماً سلفاً.

      هذا التحويل الخطير من السياسة إلى اللاهوت يُفسِّرُ كيف أمكن لفتاوى تكفير العلمانيين أن تجد طريقها بسهولة إلى الفضاء العام، لا بوصفها آراء هامشية، بل كمواقف «شرعية» متداولة. فالعلمانية، كما جرى تسويقها، لم تُفهَم كنظام يحمي التعدد الديني، بل كعدوٍّ مباشر للدين ذاته، ما فتحَ الباب أمام خطاب إقصائي يُجرِّم الفكرة ويُجرِّد حاملها من الانتماء.

      في هذه اللحظة تحديداً، خرجت العلمانية نهائياً من كونها مسألة تتعلق بشكل الدولة، ودخلت مجال الصراع الهويّاتي الحاد، حيث لا مجال للتدرُّج أو التسويات، بل فقط لمنطق: معنا أو ضدنا، مؤمن أو عدو.

      لم تكن فتاوى تكفير العلمانية، كما وردت في مواقع مرجعية واسعة الانتشار مثل «إسلام ويب»، مَجرَّدَ اجتهادات فقهية معزولة، بل أدّت وظيفة سياسية واجتماعية واضحة في سياق أوسعَ من الصراع على السلطة والشرعية. فهذه الفتاوى لم تُطرَح في فراغ، بل جاءت في لحظة تاريخية كانت فيها الأنظمة السلطوية العربية في ذروة تحالفها مع المؤسسة الدينية، حيث احتاجَ كل طرف إلى الآخر: السلطة لتكريس حكمها، والمؤسسة الدينية لتوسيع نفوذها وحماية موقعها الاجتماعي.

      بهذا المعنى، لم تعمل هذه الفتاوى على حماية الدين بقدر ما ساهمت في تجريم أي نقاش حول الدولة الحديثة، وإغلاق الباب أمام التفكير في بدائل دستورية قائمة على المواطنة والمساواة. إذ تحوّلت العلمانية من خيار سياسي قابل للأخذ والرد، إلى «خطر عَقَدي» يستوجب الإقصاء، لا الحوار. وهنا تكمن خطورة هذه الفتاوى: فهي لا تُنتِج وعياً دينياً، بل تُنتِج خوفاً، وتُعيد رسم حدود الانتماء على أساس الإيمان والكفر، لا على أساس الحقوق والواجبات.

      في ضوء هذا المسار، يتضح أن العلمانوفوبيا، شأنها شأن الإسلاموفوبيا، لا تعمل بوصفها موقفاً فكرياً بقدر ما تؤدي وظيفة سياسية واجتماعية محددة: تعطيل النقاش، وتبسيط الصراع، وتحويل أسئلة الدولة إلى أسئلة هوية وخوف. فعندما تُصوَّر العلمانية كتهديد وجودي، ويُقدَّم الدين كحدّ فاصل بين «نحن» و«هم»، تُغلَق المساحة الرمادية التي تُولَدُ فيها السياسة بوصفها تفاوضاً وإدارةً للاختلاف، لا معركةً صفرية.

      في هذه اللحظة، لا يعود الخلاف حول شكل الدولة أو نظام الحكم قابلاً للنقاش العقلاني، بل يتحول إلى صراع أخلاقي مطلق، تُستدعَى فيه الفتاوى، وتُستحضَر المخاوف التاريخية، ويُعَاد إنتاج الاستقطاب نفسه الذي عطّلَ المجتمعات العربية لعقود. وهنا بالضبط يصبح تجاوز الإسلاموفوبيا والعلمانوفوبيا شرطاً أولياً لأي حديث جدي عن الدولة الحديثة، لا نتيجةً لاحقة له.

      الخاتمة

      في عالمٍ يزداد استقطاباً اجتماعياً وسياسياً، تظهر ظاهرة الإسلاموفوبيا والعلمانوفوبيا كجزء من صراع أوسع حول الهوية والانتماء والدولة.
      هذه الظواهر ليست مجرد مواقف فردية، بل هي نتاج خطابات سياسية وإعلامية وثقافية أنتجتها أنظمة استبدادية، وغُذِّيَت عبر عقود من الزمن، وتفاقمت مع تصاعد الحروب والصراعات الطائفية والمذهبية.

      وفي سوريا مثلاً، حيث تشابكت الحروب المحلية والعربية والدولية، أصبحت هذه الظواهر أكثر تعقيداً.
      فقد استخدم النظام السابق، مثل كل الأنظمة العربية، الإسلام السياسي كذريعة للاستبداد، وحَوَّلَ العلمانية إلى مصطلح مُشوَّه، بينما تَحوَّلَ الخطاب السياسي الجديد إلى ساحة مفتوحة لصراعات إيديولوجيّة تُغيَّبُ فيها المصلحة الوطنية، وتُهمَّش الحاجة الملحة إلى بناء دولة حديثة.

      إن الإسلاموفوبيا أدت إلى تشتيت المعارضة السياسية في دول المنطقة، لأنها تُرجِع كل ما يمكن نقده سياسياً إلى مسألة دينية إسلامية، وهذا يؤدي إلى فقدان المعارضة مصداقيتها وماهيتها كحراك سياسي.

      كما أن الفوبيا من العلمانية تؤدي إلى ترسيخ المشكلة الطائفية التي تنخر الجسد الاجتماعي، وتبعد دول المنطقة، ومنها سوريا، عن تأسيس الدولة الحديثة المؤسساتية التي تشترط تأسيس الديمقراطية والعلمانية وإعلاء شأن حقوق الإنسان وفق الشرعية الدولية.

      لو أخذنا الحالة السوريّة اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد، لم تستطع سوريا النجاة من الإسلاموفوبيا ولا العلمانوفوبيا، وما زالت تعاني من تبعاتهما:

      – فالإسلاموفوبيا تُستخدَم كذريعة لتبرير معارضة الإسلام السياسي، حتى عندما يكون معتدلاً.

      – والعلمانوفوبيا تُستخدَم لرفض أي حديث عن الديمقراطية، أو العلمانية، أو حقوق المرأة، أو الدولة الحديثة.

      لكن المشكلة الحقيقية ليست في الإسلام ولا في العلمانية، بل في كيفية استخدامهما كأدوات سياسية للسيطرة، وليس كقيم لبناء مجتمع عادل ومستقر.

      في المحصلة، لا تبدو الإسلاموفوبيا والعلمانوفوبيا مجرّد انحرافين في الخطاب العام، بل آليتين فاعلتين في إدارة الصراع حين تعجز السياسة عن إنتاج حلول. كلاهما يُغذّي الخوف، ويُعيد تعريف الخصم بوصفه تهديداً وجودياً، ويُقنع الناس بأن النجاة لا تكون عبر الدولة، بل عبر الاحتماء بالهوية. وفي هذا المسار، لا يُهزَم الدين ولا تُنقَذ العلمانية، بل تُهزَم فكرة الدولة ذاتها.

      فالدولة الحديثة لا تُبنى على إنكار الدين، ولا على شيطنة العلمانية، بل على كسر منطق الفوبيا نفسه: منطق تحويل الاختلاف إلى خطر، والنقاش إلى خيانة، والحياد إلى تواطؤ. وكلما استُخدِمَت هذه الفوبيا كسلاح تعبئة، تراجعت السياسة خطوة إضافية، وتقدّمَ الخوف ليشغل مكانها.

      السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: أيّهما أخطر، الإسلاموفوبيا أم العلمانوفوبيا؟

      بل سؤال أبسط وأكثر إزعاجاً: كيف يمكن لمجتمعٍ يخاف من كل شيء أن يبني دولة؟

Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

فبراير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist