في تحليل مطوّل نشره مركز هوفر للأبحاث الأميركي، يرى الباحثون أن ما يجري في بلاد الشام لا يمكن فهمه من خلال مفهوم “النظام الإقليمي” التقليدي، بل عبر شبكة معقدة من الصراعات والتحالفات المتغيرة التي أعادت رسم الجيوسياسة في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. ويرصد التحليل كيف أدى العدوان على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى سلسلة تحولات إقليمية متسارعة، شملت صدامات مباشرة بين إيران وإسرائيل، وصعود نفوذ تركيا، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وصولاً إلى إعادة تشكيل موازين القوى في لبنان وغزة والمنطقة بكاملها.
يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذا التحليل ضمن إطار رصد ملفات الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران وتداعيات هذه الحرب على أمن المنطقة، لذلك لا يعتبر نشرنا لهذه المادة تبنياً لرأي مركز الأبحاث ولا تماهياً مع الآراء الواردة فيها.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
إن لفظة “نظام” غير مناسبة لتوصيف الجيوسياسة وتحليلها في بلاد الشام. إذ خلال العقود الماضية، لم يرسم توازن القوى الجيوسياسة في هذه المنطقة، كما لم ترسمها قواعد متفق عليها بالإجماع، بل إن الفتن والصراعات هي التر رسمت الجيوسياسة في المنطقة.
من حرب الوكلاء إلى حرب غزة
خلال العقدين اللذين سبقا الحرب على غزة، اندلع أهم صراع في المنطقة بين إيران وإسرائيل، فقد تدبرت إيران أمر بناء منظومة من الوكلاء المحيطين بإسرائيل، وتضم تلك المنظومة حزب الله في لبنان، ونظام الأسد في سوريا، وحماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة (فضلاً عن الميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن). ونفذت إسرائيل عدة حملات عسكرية محدودة في قطاع غزة ضد حماس والجهاد الإسلامي خلال تلك الفترة.
وعقب حرب 2006 في لبنان، حاولت إسرائيل أن تحد من مواجهاتها مع حزب الله، إذ في الحقيقة، حرصت حكومة نتنياهو على تجنب الصراع مع كل من لبنان وقطاع غزة، وكانت على استعداد لتجاهل الاستفزازات الجريئة المتزايدة التي قام بها حزب الله، كما حاولت شراء الهدوء في قطاع غزة عبر تسهيل تمرير المساعدات القادمة إليها من قطر. إلا أن كلاً من إيران وحزب الله وحماس أعدوا العدة لمواجهة إسرائيل، وقد شجعهم على ذلك عملية (حارس الجدران) الإسرائيلية في غزة. وبحلول تلك الفترة، خلصت إيران وحزب الله إلى نتيجة مفادها بأن الوقت قد حان لشن هجوم شامل على إسرائيل، وجهزت حماس تحت قيادة يحيى السنوار (الذي انتخب في شباط 2017) خطة هجوم خاصة بها، نفذتها آخر الأمر في تشرين الأول من عام 2023. ولقد تمكنت حماس بفضل الفشل الاستخباراتي الشنيع من طرف إسرائيل بإلحاق أضرار بالغة بها، إذ قتلت عدداً كبيراً من الإسرائيليين، واختطفت أكثر من 250 آخرين.
وبالتنسيق مع إيران، لم يشارك حزب الله في الهجوم، بل اقتصر دعمه لحماس على شن حرب استنزاف على حدود لبنان الجنوبية. وكان قرار إيران وحزب الله عدم الانخراط الكامل في القتال نابعاً من قناعة إيران بأن الانجرار إلى الحرب سيكون سابقًا لأوانه، رغم حماسة يحيى السنوار لخوضها، وكذلك رغم تحذير الرئيس بايدن لهم بعدم القيام بذلك. وهكذا، شنت إسرائيل في قطاع غزة حرباً شاملة سعياً منها لتدمير حماس عسكرياً وسياسياً، فكان لابد لحرب شاملة على منطقة ذات كثافة سكانية عالية أن تسفر عن مقتل عدد كبير من المدنيين وأن تتسبب بظهور انتقادات من كل دول العالم لإسرائيل ولمشروعية الحرب التي شنتها.
من الهجوم غير المباشر إلى الاشتباك المباشر
توسعت الحرب التي بدأت في تشرين الأول من عام 2023 لتصل إلى المنطقة التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، وطالت لتمتد لعامين إلى أن وصلت لنهايتها على يد الرئيس دونالد ترمب بفضل خطة النقاط العشرين التي فرضها في أيلول من عام 2025. وهكذا انقلب مسار حرب غزة التي كان وقعها سيئاً جداً في البداية على إسرائيل، في أيلول من عام 2024، وذلك عندما شنت إسرائيل (هجوم البيجر) ما تسبب بالقضاء على زعيم حزب الله، حسن نصر الله.
وفي نيسان من عام 2024، حدث تحول كبير عندما هاجمت إيران إسرائيل بصواريخ باليستية ومسيرات، فانحرفت بذلك عن سياسة الهجوم بشكل غير مباشر على إسرائيل من خلال الوكلاء مع تجنب الاشتباك المباشر معها. وحدثت ثاني مواجهة بين إيران وإسرائيل في تشرين الأول من عام 2024، دمرت خلالها إسرائيل دفاعات إيران الجوية. وفي حزيران من عام 2025، شنت إسرائيل حرباً امتدت لاثني عشر يوماً على إيران، وبلغت تلك الحرب ذروتها عند قصف الولايات المتحدة لمنشآت نووية في إيران. ومباشرة، تسبب إضعاف إيران وحزب الله على يد إسرائيل بإسقاط نظام بشار الأسد في سوريا على يد أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام التي يتزعمها. فقد شن الشرع هجومه من قاعدته في إدلب، ولم تقف أي مقاومة تقريباً في وجه ذلك الهجوم، فسيطر على دمشق وأطاح بحكم آل الأسد.
مشكلة العلاقة بين سوريا وإسرائيل
يذكر أن الشرع بدأ مسيرته عبر الانضمام لتنظيم القاعدة في العراق، ثم أسس جبهة النصرة في سوريا، وانتهت به الأمور بإقامة حكم ذاتي في محافظة إدلب، وخلال تلك الفترة حصل على دعم تركي ساعده في البقاء بعد عدة محاولات شنها نظام الأسد وأسياده الروس للسيطرة على تلك المحافظة. واليوم، أمضى الشرع في حكم سوريا سنة ونيف، إلا أن معارضيه في الداخل والخارج يرون بأنه مايزال يحتفظ بأصوله الجهادية وبأن براغماتيته ليست سوى قناع. وبرأينا، نرى أنه تبنى مساراً براغماتياً منذ العام 2016، فأضحى اليوم حاكماً إسلامياً براغماتياً، إلا أن هذه الفرضية لابد أن تخضع للمراقبة والاختبار خلال السنين القادمة، كونه يواجه تحديات كبيرة في الداخل، وعلى رأسها ضرورة استيعاب ثلاث أقليات، وهي الكردية التي كانت تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي في شمال شرقي سوريا، والعلويون الذين خسروا السلطة في شمال غربي سوريا، والدروز في الجنوب.
يسعى الشرع لإعادة بناء الدولة السورية، فخلق حتى الآن توازناً ما بين حرصه على مركزية الدولة ومطالبة الأقليات بحصة ضئيلة من الحكم الذاتي. وفي كانون الثاني من عام 2026، وجه الشرع ضربة قاصمة للميليشيا الكردية في شمال شرقي سوريا، وأرغمها على توقيع اتفاق جديد يخضع تلك المنطقة لسيطرة الحكومة المركزية. وقد ترسخت سيطرته على السلطة بدعم من دول سنية محافظة (على رأسها السعودية والإمارات) بالإضافة إلى دعم إدارة ترمب له. والآن، أضحى الشرع بحاجة للحد من احتضان تركيا له، ولتسوية علاقته بإسرائيل التي احتلت مزيداً من الأراضي السورية إلى جانب الجولان، في حين حرص الشرع بدعم من أميركا على توقيع اتفاق أمني يعيد إسرائيل إلى خط حزيران 1974، ويرسخ العلاقة بين البلدين. في حين ترفض حكومة نتنياهو وعناصرها من اليمين المتطرف الانسحاب من تلك الأراضي، ولهذا فإن مشكلة العلاقة بين سوريا وإسرائيل ماتزال بحاجة إلى حل.
تعاظم الدور التركي
يمثل الدور التركي الذي ترسخ في سوريا جزءاً من سعي هذه الدولة لمد نفوذها في الشرق الأوسط، فلتركيا وجود في سوريا وكذلك في الخليج، وفي القرن الإفريقي. أي أن الجيوسياسة في الشرق الأوسط الكبير قد تحولت وتغيرت بفضل مواصلة كل من تركيا وإيران دورهما الفاعل في سياسة المنطقة.
اعتمدت إيران في سعيها للهيمنة على تشكيل محور من الوكلاء في المنطقة، إلا أن إضعافها بسبب حرب غزة خلق فرصة أمام تركيا لتشغل الفراغ الحاصل. وبالتنسيق مع إدارة ترمب، تحرص تركيا هي أيضاً على لعب دور في حكم قطاع غزة، ونظراً لاستعداء أردوغان لإسرائيل ولرئيس وزرائها نتنياهو على وجه الخصوص، تقف إسرائيل ضد الوجود العسكري التركي في قطاع غزة وتحاول للحد من نفوذها في سوريا.
وضع هش لإيران وحزب الله
بيد أن هنالك نتيجة أخرى لهجوم حماس على إسرائيل ولإضعاف حزب الله، وتتمثل بالفرصة التي منحت لعموم السياسيين اللبنانيين حتى يعيدوا بناء النظام السياسي في لبنان. إذ بعد سنوات من الشلل، استطاع لبنان بدعم أميركي وفرنسي وعربي سني انتخاب رئيسه، جوزيف عون، وحكومته التي ترأسها نواف سلام. وقد ترغب إدارة عون-سلام بنزع سلاح حزب الله، لكنها لا تتمتع بالقوة اللازمة لفرض ذلك الأمر على الحزب. كما تحاول إيران وحزب الله التعافي من الضربات التي وجهت لهما، لذا علينا أن ننتظر حتى نرى إن كان بوسع القوى الشرعية في المنطقة استغلال هذا الوضع الهش.
تحاول إيران إعادة بناء دفاعاتها الجوية، وتوسيع ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وإعادة تأسيس المحور الذي خسرته، إلا أن رفض أميركا وإسرائيل لذلك يضيق عليها الخناق، وكذلك معاداة سوريا لها، كما يعيقها عن تحقيق ذلك قبل أي شيء ضعفها الاقتصادي والاضرابات الداخلية التي تعم أراضيها.
كما أن مستقبل قطاع غزة لم يحسم بعد، فقد جرى تنفيذ المرحلة الأولى من خطة ترمب بنجاح، إلا أن الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تضم تشكيل سلطة حاكمة، ونزع سلاح حماس، وإعادة إعمار غزة، لم تنجز بعد. والحق يقال إن معظم المشكلات التي تحدثنا عنها وحللناها آنفاً لم تصل إلى حل حتى الآن، وتشمل إعادة توحيد لبنان، والمستقبل السياسي لسوريا، والقضية الفلسطينية بشكلها الأوسع (في ظل سعي اليمين المتطرف الإسرائيلي لضم الضفة الغربية)، ومستقبل السياسة الإسرائيلية نظراً لتصاعد الصراع بين الحكومة من اليمين المتطرف والمعارضة من الوسط.
الدور الأميركي
لعبت الولايات المتحدة دوراً مهماً في الأحداث التي وقعت خلال العامين المنصرمين، فقد كان قصف المنشآت النووية الإيرانية والتدخل الفعلي في الحرب على غزة من تجليات السياسة الأميركية النشطة بشكل غير معهود في منطقة الشرق الأوسط. والأهم من كل ذلك، هو أن العلاقة الخاصة التي تربط بين إسرائيل وواشنطن، والتي كانت علامة فارقة بالنسبة للسياسة الأميركية في المنطقة خلال السنين الماضية، قد ضعفت وتراجعت، وذلك بعد توجه إدارة ترمب للاعتماد على دول الخليج الثرية وعلى تركيا. بيد أن الولايات المتحدة تواجه طائفة من التحديات المستمرة، فالمشكلات التي واجهتها خلال الحرب على غزة جميعها لم تصل إلى حل، إذ هنالك حاجة للانتقال إلى المرحلة الثانية بالنسبة لقطاع غزة، وضرورة لترسيخ حكم الشرع لسوريا، وإدارة عون-سلام للبنان، مع احتمال عودة إيران لتخصيب اليورانيوم. وفي كانون الثاني من عام 2026، وفي ظل المظاهرات الشعبية العارمة التي خرجت في إيران، كادت إدارة ترمب أن تصل إلى شفير المواجهة العسكرية مع إيران. وفي السادس من شباط، انطلقت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، فأصرت إيران على أن تكون المفاوضات بشأن برنامجها النووي فحسب، في حين يرجح أن تصر الولايات المتحدة على جدول أعمال أوسع يشمل مشكلة وكلاء إيران وأذرعها.
وهذا الجدول جدول أعمال غني، كما أن قدرة الإدارة على التعاطي معه انحسرت بشكل واضح إثر اختطاف مادورو رئيس فنزويلا، واتخاذ القرار القاضي بلعب دور فاعل في إدارة هذا البلد وصناعته النفطية، كما تأثر ذلك بالغزو الروسي لأوكرانيا، وانشغال ترمب بغرينلاند. ولهذا فإن قدرة واشنطن على إدارة كل هذه التحديات يعتبر اختباراً لعزيمتها.
المصدر: The Hoover Institute
- تلفزيون سوريا






















