تتمركز المجتمعات الكردية في شمال سوريا على طول الحدود التركية، من القامشلي إلى المالكية، مرورا بعين العرب (كوباني)، وعفرين، وعامودا، والدرباسية. يعود هذا التمركز جزئيا إلى هجرتهم بعد ثورة سعيد بيران 1925 في تركيا، واستقرارهم في أول بلدة قرب حدودهم على أمل العودة.
مع مرور الوقت، أصبح الاستقرار في هذه المناطق واقعا، ما ساعد لاحقا وحدات حماية الشعب (YPG) والقوات الكردية الأخرى، على بناء قاعدة بشرية واستراتيجية، ما أدى إلى ظهور غرب كردستان كمناطق رئيسية ضمن نفوذهم العسكري والسياسي.
وقد حذر محمد كرد علي وزير المعارف في حكومة تاج الدين الحسني في الانتداب الفرنسي، من أن استقرار اللاجئين الكرد على طول خط العشرة كيلومترات على الحدود التركية، قد يؤدي مستقبلا إلى مطالب سياسية وانفصالية.
مع ظهور «داعش» وسيطرتها على مناطق واسعة من الجزيرة السورية، تم تبرير تمكين وحدات حماية الشعب من هذه الأراضي، بحجة محاربة التنظيم المتطرف. بعد معركة عين العرب ( كوباني) ومحاولات «داعش» التقدم في المناطق الكردية، أصبح العالم يراها كقوة مقاومة، مما منحها دعم التحالف الدولي. لاحقا، تغير اسمها إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وأصبحت الذراع العسكري للتحالف الدولي في محاربة داعش، وتمكنت من السيطرة على مساحات واسعة مثل: الرقة، دير الزور، ريف حلب، تل أبيض، رأس العين، والجزيرة السورية، بما يعادل حوالي ثلث مساحة سوريا، مع توطيد سلطة سياسية وعسكرية خاصة في الحسكة والقامشلي.
غرب كردستان وأهمية المواقع الاستراتيجية
مناطق غرب كردستان تمثل الهدف الاستراتيجي الأساسي لقسد. على الرغم من السيطرة على مساحات واسعة خلال السنوات الماضية، كان الهدف الحقيقي دائما الحفاظ على الحيز الجغرافي، الذي يشمل القامشلي والحسكة والمعابر الحيوية مثل سيمالكا. الانسحاب من بعض المناطق مثل دير الزور والرقة وريف حلب لم يكن خسارة، بل ورقة تفاوضية لإعادة تثبيت النفوذ السياسي والعسكري ضمن المناطق الحيوية، وهو ما تحقق لاحقا عبر اتفاق 30 يناير 2026.
التسلسل الزمني للاتفاقات والقوانين
المرسوم الرئاسي رقم 13: صدر أولا، ويمنح الجنسية للأكراد ولمكتومي القيد، ويعمل كأداة قانونية وسياسية قبل أي اتفاق.
اتفاق 18 يناير 2026: الاتفاق التمهيدي مع قسد حول انسحاب جزئي وإعادة ترتيب النفوذ العسكري والإداري.
اتفاق 30 يناير 2026: الاتفاق النهائي، الذي أعاد إنتاج سلطة «قسد» بصبغة رسمية، مع الحفاظ على السيطرة على المعابر والمرافق الإدارية، بينما الحكومة السورية أصبحت سلطتها شكلية على الأرض.
الرابحون: «قسد» والأكراد هم الرابحون الأساسيون، حافظوا على غرب كردستان ومناطقها الحيوية. أصبح لديهم غطاء قانوني وسياسي جزئي من خلال المرسوم 13 والاتفاق النهائي. تمكنوا من استخدام الاتفاق والمرسوم لتعزيز روايتهم الداخلية، بأن ما تحقق جاء نتيجة نضالهم وصمودهم، وليس هبة من الحكومة. احتفظوا بالأدوات العسكرية والإدارية لتثبيت النفوذ المحلي، بما يضمن استمرار قدرتهم على فرض الأجندة السياسية والثقافية الخاصة بهم. عناصر قسد احتفظت بالمعابر الحيوية مثل سيمالكا، مع وجود مكتب تفتيش فقط للحكومة، والكوادر الكردية في المؤسسات الإدارية، مع تسريح حوالي 90% من الموظفين العرب المحليين. تم تشكيل تشكيل ألوية قيادتها من «قسد» وقوامها بالكامل من عناصرهم، مع تعيين أبو عمر خانيكا محافظا للحسكة، ونائبا لوزير الدفاع من «قسد» لاحقا، مما يضمن السيطرة على المناصب التنفيذية والعسكرية العليا.
منح الجنسية للأكراد وتثبيت النفوذ العسكري والإداري، يعزز احتمال تحول مناطق شمال وشرق سوريا إلى كانتون كردي يهدد وحدة سوريا على المدى المتوسط والطويل
الخاسرون: الحكومة السورية، النصر المعلن للحكومة السورية هو جزئي ووهمي: لم تستعد السيطرة الكاملة على المناطق الحيوية، إعادة إنتاج «قسد» بصبغة قانونية عبر قوى الأمن الداخلي، وترك الأيديولوجيا والفكر السياسي دون تغيير، يجعل النفوذ مستمرا.
المجتمع العربي المحلي: غالبية العرب في الحسكة (حوالي 75%) يعانون من ممارسات «قسد» السابقة، والاتفاق أعطى غطاء شرعيا لأدوار «قسد» في المناطق التي كانت تحت سيطرتها. هناك تقارير عن منع المرضى من الوصول إلى القامشلي والحسكة للعلاج، واستمرار التهميش والإذلال بحق العرب المحليين. تسريح الكوادر العربية من المؤسسات والاحتفاظ بالكرد فقط، يعكس استئثار «قسد» بالوظائف والمناصب الإدارية. ناشطون حقوقيون من أبناء الحسكة يرون أن هذه الإجراءات تمثل ظلما كبيرا بحق الأكثرية العربية، وتعيد إنتاج الهيمنة القسديّة على المؤسسات والمرافق الحيوية، مع تجاهل جراحات المجتمع المحلي الذي ضحى خلال الثورة السورية.
يتردد على ألسن أبناء الحسكة: «لو كنا نعلم بأن ثورتنا ستكون من أجل تبديل الأسد بقسد، لما ثرنا منذ البداية، ورضينا بحكم الأسد على شناعته».
خطر تقسيم سوريا
منح الجنسية للأكراد وتثبيت النفوذ العسكري والإداري، يعزز احتمال أن تتحول مناطق شمال وشرق سوريا إلى كانتون كردي، مع بقية كانتونات محتملة (علوي، درزي، سني)، ما يهدد وحدة الدولة السورية على المدى المتوسط والطويل.
المرسوم الرئاسي رقم 13صدر قبل أي اتفاق رسمي، منح الجنسية للأكراد والمكتومي القيد، وأقر الحقوق الثقافية واللغوية، مثل تدريس اللغة الكردية والاعتراف بعيد النوروز. من منظور قسد، يمثل انتصارا سياسيا، ويُستخدم لتعزيز سرديتهم بأن ما تحقق جاء نتيجة نضالهم، وليس هبة من الحكومة.
تعزيز السيطرة الإدارية والمرافقية: السيطرة الفعلية على المعابر والمرافق الإدارية بقيت بيد قسد بالكامل. معبر سيمالكا سيبقى تحت سيطرتهم، بينما يقتصر دور الحكومة على مكتب تفتيش. المديريات والكوادر الإدارية ستظل تدار من قبل عناصر الإدارة الذاتية، مع تسريح حوالي 90% من الموظفين العرب. جميع المناصب التنفيذية العليا، بما في ذلك المحافظ ونائب وزير الدفاع واللواءات الثلاثة التابعة للفرقة، ستكون بقيادة قسد فقط، ما يضمن استمرار النفوذ العسكري والإداري.
غض الطرف الحكومي وتعزيز الهيمنة القسادية
يشير ناشطون حقوقيون من أبناء الحسكة إلى وجود شعور بالخذلان والحفيظة تجاه ما يرونه غض طرف الحكومة السورية عن ممارسات قسد بحق السكان العرب. ويشير هؤلاء الناشطون إلى أن مقاتلين سابقين في قسد، تورطوا في قتل أكثر من 21 مدنيا عربيا في منطقة عين العرب قبل حوالي عشرة إلى خمسة عشر يوما، ما زالوا موجودين في القامشلي ويتفاخرون بأفعالهم، ما يعزز مخاوف السكان المحليين بأن سيطرة قسد على الحسكة والقامشلي ستستمر، بينما الحكومة السورية ستكون سلطتها شكلية فقط، مشابهة إلى حد كبير لما كانت عليه المربعات الأمنية للنظام السابق في المنطقة. هذا التصور يعكس قلق السكان العرب من استمرار الهيمنة القسادية تحت غطاء الحكومة السورية، من دون مساءلة حقيقية للانتهاكات السابقة، ويبرز بعدا أمنيا واجتماعيا مهما ضمن تحليل الخاسرون.
يشكل اتفاق 30 يناير 2026، بعد المرسوم الرئاسي رقم 13، إعادة إنتاج لنفوذ قسد بصبغة رسمية وشرعية من الحكومة السورية: النفوذ الفعلي على الأرض، بما يشمل المعابر الحيوية، المؤسسات الإدارية، والمديريات الحكومية، لا يزال تحت سيطرتهم المباشرة. ما تغير فقط هو الزي الرمزي: عناصر قسد ارتدت زي الأمن الداخلي السوري، لكن الفكر والأيديولوجيا والهياكل الإدارية بقيت كما هي. الحكومة السورية أصبحت سلطتها شكلية على الأرض، بينما الفاعل الرئيسي والمسيطر الفعلي هو قسد. المرسوم الرئاسي 13 ساهم مسبقا في تثبيت مكاسبهم القانونية والسياسية، ما يجعل الحكومة السورية في موقع محدود التأثير، مع استمرار المخاطر على الوحدة الوطنية والديموغرافيا المحلية.
كاتب سوري
- القدس العربي


























