يبدو أنَّ أسلم ما في طوفان الأقصى هو اسمه. طوفانٌ إقليمي عالمي بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى في تبعاته ونتائجه. ويبدو أن “خاتمة الطوفان” التي بدأت صباح الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026 بصيغتها الإيرانية ليست سوى بداية تأريخٍ لحقبة جديدة لم تتضح معالمها بكلّيّتها بعد، لكنّ مسارها بات واضحاً، يزأر فيه الأسد الإسرائيلي بدعم أميركي كامل، بل بدعم ترامبي امبراطوري الطابع، وبحمولة توراتية لطالما كانت لسان نتنياهو ومحركه.
حمولة دينية
هي حمولة دينية للاحتلال والتوسّع تُلاقي في قبالتها ما يشابهها لكن من موقع الضد. تعبئة إسلامية عالية، بتعابير واستنادات قرآنية. وإذا كان يحي السنوار قد حذّر في نيسان/ أبريل من العام 2022 من حرب إقليمية دينية ستحرق الأخضر واليابس إن لم يتحرك العالم للحيلولة دون وقوعها، فإنّ ما يحصل اليوم من حرب أميركية إسرائيلية على إيران، وبعد نجاح عملية اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي بثلاثين غارة كما أشيع، وما سيخلقه من تداعيات لاحقة محتملة على مجمل الأيديولوجيا السياسية الشيعية ومؤدياتها، بل وعلى تعزيز طموحات الأيديولوجيا اليهودية، يضع العالم أمام مشهد مركّب غاية في التعقيد، وذو تداعيات كبيرة جداً قد تقارب أن تحرق الأخضر واليابس بحقّ وفقاً لتعبير السنوار نفسه.
ولعلّ أبرز أوجه الحريق ليس فقط ما يدور على الأرض الإيرانية أو في فلسطين المحتلة بوصفهما الساحتين الأساسيتين للحرب الدائرة، بل ما شهدته منطقة الخليج العربي وما يبدو أنها ستشهده في الأيام المقبلة من نيران خلّفتها الاستهدافات الإيرانية للمصالح الأميركية في المنطقة، بشكل غير مسبوق ومكثّف، وبداعي تعظيم كلفة الحرب من أجل أن تضغط كافة الأطراف الإقليمية على الولايات المتحدة لكبح جماحها. لكن لن يكون هذا بلا تداعيات سياسية كبيرة على العلاقة بين إيران والجوار، والتي قد تصل حدّ القطيعة الدبلوماسية لاحقاً، وخصوصاً إذا ما تجرأت إيران على ضرب آبار النفط والبترول لأجل إحداث أزمة اقتصادية عالمية.
نمر من ورق
غير أن هذه الحرب التي بُتّ الأمر بها منذ أسابيع خلت، والتي لم تكن المفاوضات الدائرة قبلها سوى صورة يقدمها ترامب أمام الرأي العام الأميركي كجزء من مسعاه “السلميّ” الطابع، أتت في لحظة غير مسبوقة يعيش فيها النظام الإيراني حالة من التردّي، شكّلت فرصة استثنائية تستدعي من الثنائي ترامب ونتنياهو استثمار كل ما يمتلكانه من فائض القوة ليحاولا ترجمته كسباً عملياً وانتخابياً.
وإذا كان الرأي العام الأميركي بالتحديد في غالبيته قد عارض الحرب، فإنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي كانت تسريبات سابقة قد نقلت عنه أنه بات مقتنعاً بعد سلسلة الأحداث التي جرت في الشرق الأوسط بأن إيران نمر من ورق وباستطاعته هزيمتها، سيحاول أن يقطف مسألة اغتيال المرشد وبعض القادة وما سيخلّفه ذلك من حالة إرباك في الساحة السياسة الإيرانية كإنجاز يضخّمه أمام عموم الأميركيين، الذين حاول أن يصوغ لهم سرديّة تشبه كل سرديات نتنياهو التي كان يفتتح بها كلماته في الأمم المتّحدة حول حروب الخير والشر، ليبرّر حرباً على إيران في الظاهر، لكنها في العمق على كل المنطقة بل والعالم، ذلك أن نجاحه في تحقيق أهدافه المتقاطعة مع أهداف “بيبي” على حدّ تعبيره ستعني تكريساً لأحادية أميركا في قيادة العالم لنصف قرنٍ لاحق، وتقزيماً ومحاصرةً للعملاق الصيني، وستعني أيضاً أن تصبح لإسرائيل اليد العليا على الإقليم، وما يعنيه ذلك من أنه ثمّة تالياً ما بعد إيران، لاسيما بلحاظ أن إسرائيل بنيوياً هي دولة لا تستقرّ وسط جوارٍ قويّ، بل في مناخ محيط من الدول الضعيفة وغير المستقرة.
وإذا كان رئيس الموساد الإسرائيلي مائير داغان قد حذّر في إفادة قدّمها يوم مغادرته من منصبه قبل 14 عاماً من ألا يؤدي أي هجوم إسرائيلي على إيران من إنهاء المشروع النووي وأن تدميره بالكامل بواسطة عملية عسكرية إسرائيلية منفردة ليس ممكناً، فإنّ الحملة المشتركة الأميركية الإسرائيلية والمنسقة تنسيقاً عالياً قد شرّعت أهدافاً واسعة لحملتها لأجل تحقيق حزمة المطالب الموحّدة التي رفضتها إيران دبلوماسياً، والتي تبدأ بالملف النووي ولا تنتهي بملف الصواريخ البالستية، بل تتجاوزها إلى مسألة ضرب البحرية الإيرانية ومنع إيران من استخدام الممرات البحرية كأداة ضغط اقتصادية عالمية، كما تتجاوزها إلى إسقاط النظام وفقاً لما حدّده نتنياهو.
حرب وجودية
ويبدو أن الحرب الراهنة، والتي تتعاطى معها إيران بوصفها وجودية، وبكونها حرباً لا معركة بين الحروب، يراد بها أميركياً أن تكون محدودة بمدة زمنية ضيقة، قد لا تتجاوز الأسبوع، وتمهّد الطريق وتهيئ البيئة لترنح النظام من الداخل عبر البدء بقطع الرأس، على طريقة السيناريو الفنزويلي وإن بأدوات مختلفة. تبدّى ذلك من خلال ما قاله ترامب من أن سير الأمور على الأرض سيحدد ما إذا كانت ستستمر الأيام القتالية يومين أو ثلاثة فقط، أو أنها ستطول إلى أبعد مدى؛ وهو بالمناسبة لم يحدد المدى هنا بإسقاط النظام، بل أردف قائلاً للإيرانيين أراكم بعد عدة سنوات إن أردتم بناء قدراتكم! غالباً يفضلّ ترامب أن تعود حاملات الطائرات ادراجها في وقت قريب، فدون ذلك وقف لاستنزاف الموارد المالية والبشرية، ودونه صورة نصرٍ يدّعيها، ومن ثمّ متابعةً لتحقيق الأهداف الداخلية في إيران عبر طرقٍ مختلفة، وبانفراد إسرائيلي ربما. وهو في هذا السياق قال فيما بعد بأن التوصل إلى حل دبلوماسي بات أسهل مما كان عليه بالأمس. علماً أن التصريحات الإيرانية ما بعد اندلاع الحرب الدائرة قد تجنبت حتى الآن الخطابات التي تغلق باب التفاوض.
وينسجم توجه ترامب جزئياً مع ما يريده نتنياهو أيضاً، فإذا ما كانت أميركا ستعود بثقلها العسكري في وقت غير بعيد حتى لا تغرق في الشرق الأوسط أكثر مما ينبغي، فإن نتنياهو الذي يبدو اكثر ارتياحاً في مسألة مدّة الحرب وكيفيتها واستباحة الأجواء الإيرانية كان قد صرّح بعد الهجمات الأولية على إيران بأنه “في الأيام القادمة علينا التحلي بالقوة الذهنية”. فأن يحيك المؤامرات يميناً وشمالاً لإضعاف إيران وصولاً إلى إسقاط نظامها هو أهون عليه من أن تبقى بلاده تتلقى الصواريخ مدة غير قصيرة. وقد تأتي هذه المؤامرات عبر استثمار شبكة عملائها في الداخل للضغط على الحكومة، أو عبر الاستثمار في الحرب الدائرة بين باكستان وأفغانستان لنقل المعركة إلى الداخل الإيراني وتنمية النزعات التقسيمية، أو عبر مساندة الهند في تعزيز دعمها لأفغانستان وفتح جبهة شرق إيران لحؤول دون التفكير بمناصرة إيران في حالة الضعضعة، أو غير ذلك من أدوات..
سيتوقف الأمر إذاً وفق ما قاله ترامب على سير الأمور على الأرض، لا سيما بعد ما توعّده الإيرانيون من رد انتقامي واسع على عملية اغتيال المرشد والقادة، والتي أحدث نجاحها بالمناسبة بلبلة واسعة عند الجمهور العريض ممن تساءل عن سبب بقاء المرشد في مقرّه بعد كل الأجواء التحضيرية التي سبقت العملية، وعمّا إذا كانت العقلية الكربلائية أو الغيبية هي التي حكمت بقاءه، أم أنّ رؤيته في مسألة تغيير الرأس الأعلى للجمهورية في ظل أزمة طارئة قد يكون أسلم لبقاء النظام وتماسكه مدة أطول من أن يتم الأمر في ظروف عادية تثير البلبلة وتجتذب اختلاف الآراء.
الاقتصاد في الرد
غير أن الواقع الداخلي أكثر تعقيداً من أي سلاسة محتملة في المشهد الإيراني، الذي لن يلمس طاقات فرج إلا بمفاجآت تصبّ في مصلحته في هذه الحرب، من قبيل ما كان خامنئي قد تحدّث عنه من أن بإمكان إيران تدمير حاملة الطائرات الأميركية، أو من قبيل تحقيق إصابات بالغة ومكثقة ومؤذية في العمق الإسرائيلي. وهو الأمر الذي يرى المراقبون حتى هذه اللحظة أنه ليس بالكفاءة والكثافة نفسها التي كانت عليه الحال في حزيران/ يونيو الفائت، مع وضع احتمال تبريري بأن إيران تلجأ إلى الاقتصاد في الرد لأجل ضمان القدرة على مجاراة الحرب إن طالت، وتقويض أهداف الأعداء من أن تتحقق.
وسط هذا المشهد الذي لم تدخل فيه بعد الفصائل الموالية للنظام الإيراني في معركة إسناد له في مشهد تترقب هذ الفصائل بحذر شديد، وسط لا أفق ضبابي حتى اللحظة ومرهون بطبيعة تطور المعركة وآثارها ومدّتها، يبدو أن المعارضة الإيرانية في الداخل هي الأخرى تراقب المشهد، وربما تدار في ظلّه عن بعد. ففي حين توجه إليها نتنياهو بالقول أن حان وقتها لإسقاط النظام، قال نجل الشاه رضا بهلوي في تغريدة عبر منصة إكس إن النصر النهائي سيُصنع بأيدي الإيرانيين أنفسهم، كما وجّه رسالة إلى القوات العسكرية والأمنية دعاهم فيها إلى المساهمة في انتقال مستقر وآمن، ودعا الإيرانيين إلى البقاء في منازلهم في الوقت الراهن حفاظًا على سلامتهم، مع الاستعداد للتحرك في الوقت المناسب الذي سيعلنه لاحقًا، مؤكدًا أنه سيواصل التواصل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.
إرث كوروش
وتظهر ملامح التنسيق الإسرائيلي الأميركي مع بهلوي لأجل تحقيق انتقال سياسي في الداخل الإيراني بأنها غير جديدة، بحيث أن بهلوي زار إسرائيل في نيسان 2023 وقال من مطار بن غوريون: “من بني كوروش إلى بني إسرائيل سنبني هذا المستقبل معاً في صداقة”. وفي خطابه أمام إيرانيين وإسرائيليين خلال استضافة منظمة (Tafsik Organization) اليهودية له في تورنتو، في 26 أيار/ مايو 2025، كشف عن رؤيته لإطار عملٍ شامل للانتقال السياسي وإعادة البناء الاقتصادي لإيران الجديدة، قائلًا: “فلنستعد إرث كوروش ليس فقط في الذاكرة، بل في العمل.“. علماً أن نتنياهو قد قال في مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية في حزيران/ يونيو الفائت أن ” الملك كوروش حررنا نحن اليهود وربما نحن سنحرّر الفرس”. وهو ما جعل البعض يتكهّن بأن اتفاقيات كوروش هي مشروع جديد يتم العمل عليه منذ مرد لأجل إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
على أن حصر مشهد الانتقال السياسي بالمعارضة الخارجية وحدها قد يختزل الواقع الممكن، إذ ليس مستبعداً أن تتولى شخصيات من داخل بنية النظام نفسها إدارة انتقال محسوب، يحفظ جوهر الجمهورية مع تعديل في رأسها أو في آلياتها، تفادياً لحسابات خطيرة لا تريدها النخب الحاكمة ولا مؤسسات الدولة العميقة. وتفيد التجارب السابقة بأن إيران تمتلك قدراً من البراغماتية والمرونة في إدارة تحوّلاتها تبعاً لمقتضيات المرحلة. كما أن بعض التقديرات في واشنطن تفترض أن أي بديل عن المرشد الحالي قد ينكفئ نسبياً إلى الداخل، ويعيد ترتيب الأولويات بما يضيّق هامش التأثير الإقليمي.
اللحظة الإيرانية الراهنة لا تبدو مجرّد فصل عسكري عابر، بل اختباراً عميقاً لبنية النظام الإقليمي كلّه. إيران ما بعد خامنئي ليست مسألة تغيير رأسٍ فحسب، بل مسألة إعادة تعريف لتوازنات الردع، ولموقع الأيديولوجيا في السياسة، ولمستقبل العلاقة بين القوة والشرعية في الشرق الأوسط.. بل لمستقبل الشرق الأوسط ككل!
- المدن


























