دمشق- “القدس العربي”: سادت أجواء من التفاؤل في دمشق مع انقضاء مهلة الـ45 يوما، السبت، دون إقدام الكونغرس الأمريكي بالطعن في قرار الرئيس دونالد ترامب رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، الأمر الذي اعتبره السفير التركي في العاصمة السورية نوح يلماز أنه سيحقق تطورات كبيرة في مجالي المال والتأمين، وهو ما أكدته مصادر اقتصادية مختصة لـ”القدس العربي” وخصوصا مع مباشرة شركات أمريكية عملاقة الاستثمار في قطاعي النفط والغاز.
وأوضحت المصادر في ذات الوقت، أن بقاء سوريا على “القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي للدول الخاضعة لرقابة مشددة”، يفرض عناية واجبة معززة، ويظل الحاجز الأكبر أمام استعادة المصارف الدولية عملها الطبيعي مع المصارف السورية.
توقيع روبيو
وأُدرجت سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب في 29 كانون الأول/ ديسمبر 1979، والتي لم تعد تضم سوى إيران وكوريا الشمالية وكوبا، فقد أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الكونغرس في 8 تموز/ يوليو الماضي، قراره برفع اسم سوريا من تلك القائمة، لتبدأ بذلك مهلة 45 يوماً بحسب القانون الأمريكي قبل أن يسري الإلغاء، وانقضت المهلة في 22 آب/ أغسطس الجاري من دون أن يوقف الكونغرس القرار، ولم يتبق سوى أن يوقّع وزير الخارجية ماركو روبيو خلال أيام قرار الإلغاء وأن يُنشر في السجل الفيدرالي.
وبعد لقائه مع الرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي الناتو في 8 تموز/ يوليو الماضي، أخطر ترامب الكونغرس نيته إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.
وعلق يلماز على انقضاء مهلة الطعن بالقرار عبر صفحته على منصة “إكس” قائلا إنه “تم الوصول إلى المرحلة الأخيرة لإخراج سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية”، مشيرا إلى أنه و”بعد اتخاذ هذا القرار، سيتم رفع آخر العقوبات المفروضة على سوريا، وستتحقق تطورات كبيرة في مجالي المال والتأمين بشكل خاص، كما سيتم فتح الطريق أمام الاستثمارات الأجنبية”.
ومن دون الإشارة بشكل واضح إلى القصف الإسرائيلي على مطار أبو الظهور شمال سوريا، الثلاثاء الماضي، بحجة وجود “تهديد أمني تركي”، اعتبر يلماز أنه “يجب رؤية التطورات الأخيرة كاستفزاز موجه لعرقلة هذه العملية”، مؤكدا أن “الاستقرار في سوريا سيجلب الاستقرار إلى المنطقة بأكملها”، ومعتبرا أن “محاولات الجهات التي تتغذى على الفوضى لعرقلة هذه العملية ستذهب سدى”.
عقبة إجرائية
ولم يتحرك الكونغرس خلال فترة الشهر ونصف الشهر الماضيين لعرقلة قرار ترامب، وانتهت فترة المراجعة من دون أي اعتراض، الأمر الذي اعتبره الأكاديمي والباحث الاقتصادي السوري زياد أيوب عربش أنه يمثل إزالة عقبة إجرائية رئيسية أمام إنهاء التصنيف.
وبين عربش في تصريح لـ”القدس العربي” أنه وبعد قرار روبيو المنتظر ونشره في السجل التجاري، يمكن القول إن انقضاء مهلة الاعتراض هو بمثابة إشارة قوية للأسواق المالية العالمية، ومتوقع أن تكون له آثار إيجابية كبيرة، وإن كانت بشكل تدريجي فيما يتعلق بالتحويلات المالية والمصرفية.
وقال إن رفع التصنيف سيؤثر على عودة العلاقات المصرفية المراسلة بما يسهل التحويلات المالية وتمويل التجارة، ويخفض تكاليف التحويلات عبر القنوات غير الرسمية التي اعتمد عليها المغتربون، ويعزز تدفق العملات الأجنبية.
وبين عربش أن التصنيف كان يشكل “ذريعة ممتازة” للشركات لتجنب التعامل مع سوريا خوفاً من العقوبات الأمريكية، ورفعه سيزيل حاجزاً قانونياً ومعنوياً كبيراً، ويمهد الطريق لمشاركة الشركات الدولية والمؤسسات المالية في مشاريع إعادة الإعمار، ولا سيما بعد إلغاء “قانون قيصر”.
وقال المدرس في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق إن القرار سيزيل العقبات أمام حصول سورية على تمويل من المؤسسات الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بيسر وسيسهل استيراد التقنيات والمعدات، مما يدعم عودة الاندماج في النظام المالي والاقتصادي العالمي، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن قرار إنهاء تصنيف سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لن يكون عصًا سحرية، فإن العقبات الجوهرية لا تزال قائمة، وسيظل الحذر هو السمة الغالبة على المؤسسات المالية العالمية لبعض الوقت.
“القائمة الرمادية”
وأكد عربش أن بقاء سوريا على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) للدول الخاضعة لرقابة مشددة، يفرض “عناية واجبة معززة” على أي معاملات مالية، وهذا الوضع هو الحاجز الأكبر أمام تعامل المصارف الدولية مع السورية حاليا، وهو من يمنع عودة الخدمات المصرفية الطبيعية، ويبقي التحويلات بطيئة ومكلفة، حتى بعد رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب، موضحا أن سوريا أطلقت استراتيجية وطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بهدف الخروج من القائمة الأخيرة، لكن ذلك يتطلب وقتاً وقد يمتد حتى عام 2027.
واعتبر عربش أن الشركات الأمريكية التي بدأت تستثمر في قطاعي النفط والغاز في سوريا مثل شيفرون، ستسرّع عملية التعافي، وقال إن الرئيس ترامب كان قد أشار في خطابه أمام الكونغرس إلى أن “الشركات الأمريكية مستعدة للاستثمار في سوريا”، كما أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية سابقاً، تراخيص عامة تسمح في العمل بمشاريع الطاقة، أي النفط والغاز والكهرباء، مع منح إعفاءات لتسهيل الاستثمار في البنى التحتية والطاقة في سوريا.
وأكد عربش أن مشاركة شركات أمريكية كبرى في الاستثمار في سوريا، سترسل إشارة ثقة قوية للمؤسسات المالية الدولية، مما قد يُسرع في إعادة فتح قنوات التحويل والاستثمار، وسيكون هذا التوجه مدعوما بمؤازرة إقليمية لافتة، إذ أعلن رجال أعمال من دول الجوار عن خطط استثمارية ضخمة، مثل إنشاء صندوق بقيمة 18 مليار دولار من الإمارات لمشاريع عقارية وسياحية، إلى جانب استثمارات سعودية وقطرية وكويتية في البنى التحتية والاتصالات، مما يعكس ثقة متجددة بالاقتصاد السوري.
وأشار الأكاديمي السوري إلى أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال استغلال الموارد وجذب الاستثمار وإعادة الإعمار، هو المدخل الأساسي للاستقرار السياسي، كونه يعزز مقومات الدولة ويزيل الكثير من الاحتقانات الداخلية ويدعم سبل العيش، كما أن اندماج سورية في الاقتصاد الإقليمي والعالمي يُعد ركيزة للسلام والاستقرار العام.
إصلاحات محلية
ورأى عربش أن الاستفادة القصوى من رفع العقوبات عن سوريا، تحتاج في المقابل إلى إجراءات داخلية بدأتها الحكومة بالفعل، من قبيل استكمال إجراءات السيطرة على الثروات وتعزيز السيادة الوطنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، واستعادة حقول النفط الرئيسية في الشمال الشرقي، مثل رميلان والسويدية والعمر، التي كانت تحت سيطرة “قوات سورية الديمقراطية- قسد”.
وبين عربش ضرورة استكمال تنفيذ إصلاحات جذرية في القطاع المصرفي وقوانين مكافحة غسل الأموال، بما يتوافق مع المعايير الدولية، لبناء الثقة مع المصارف العالمية، مع إرساء آليات شفافة في العقود وإعادة الإعمار وإدارة المال العام، لطمأنة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، وتقديم حوافز وقوانين تضمن حقوق الاستثمار، بالتزامن مع استمرار التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب.
- القدس العربي


























