أعادت تصريحات وزير الخارجية أسعد الشيباني فتح أحد أكثر الملفات غموضاً منذ انطلاق الاتصالات السورية الإسرائيلية برعاية أميركية، بعدما كشف أن الطرفين توصلا في مطلع العام إلى تفاهمات “على كل شيء تقريباً على الورق”، قبل أن تبقى تلك التفاهمات من دون تنفيذ مع عودة التصعيد الإسرائيلي خلال الأشهر اللاحقة.
وتكتسب تصريحات الشيباني لوكالة رويترز، أمس الأحد، أهمية خاصة لأنها تقدم للمرة الأولى رواية سورية أكثر تفصيلاً حول طبيعة ما نوقش خلال سلسلة الاجتماعات التي عُقدت في باريس مطلع عام 2026، والتي اقتصرت المعلومات المتوافرة عنها حتى الآن على ما ورد في بيانات مقتضبة تحدثت عن إنشاء آليات للتنسيق ومنع التصعيد.
وقال الشيباني إن التفاهمات شملت عدم اعتداء إسرائيل على سوريا، وعدم تدخلها في شؤونها الداخلية، إلى جانب ترتيبات أمنية على الحدود، مؤكداً أن الاتفاق كان يتضمن أيضاً انسحاب إسرائيل من المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وأضاف أن التفاهمات نصّت على وجود منطقة عازلة لا توجد فيها سوى قوات الأمم المتحدة، إلى جانب مناطق أخرى تنتشر فيها القوات السورية بأعداد ومستويات مختلفة.
خرائط تعود إلى الواجهة
أعادت هذه التصريحات الاهتمام بخرائط تداولتها مراكز أبحاث ووسائل إعلام غربية، وقدمتها باعتبارها تصوراً أو مقترحات لترتيبات أمنية محتملة في جنوبي سوريا.
ورغم عدم وجود ما يؤكد أن تلك الخرائط تمثل نص التفاهمات التي تحدث عنها الشيباني، فإن مضمونها يتقاطع مع عدد من العناصر التي كشفها رئيس الدبلوماسية السورية، خصوصاً ما يتعلق بالمناطق العازلة والقيود العسكرية وآليات الانتشار قرب خط فض الاشتباك.
ماذا أظهرت خريطة معهد دراسات الحرب؟
في سبتمبر/أيلول 2025 نشر معهد دراسات الحرب (ISW) خريطة قال إنها تعكس تصوراً إسرائيلياً لترتيبات أمنية في جنوبي سوريا.
واعتمد التصور على ثلاث مناطق رئيسية، تبدأ بتوسيع المنطقة العازلة الخاضعة لإشراف قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك داخل الأراضي السورية، تليها منطقة منزوعة السلاح يمنع فيها انتشار القوات العسكرية والأسلحة الثقيلة، ثم منطقة أوسع تمتد في أجزاء واسعة من الجنوب السوري وتخضع لقيود جوية وأمنية إضافية.
وأشار المعهد حينها إلى أن بعض المناطق قد تبقى مفتوحة أمام أجهزة الأمن والشرطة، مع فرض قيود متفاوتة على انتشار القوات العسكرية النظامية.
وماذا أظهرت خريطة CNN؟
أما الخريطة التي نشرتها شبكة CNN فقد ركزت على منطقة منزوعة السلاح تمتد عبر أجزاء واسعة من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء.
ووفق هذا التصور، فإن المنطقة الحدودية الجنوبية ستخضع لترتيبات أمنية تحد من انتشار القوات العسكرية السورية، بينما يبقى الجولان المحتل والمناطق المحاذية له ضمن نطاق أمني خاص يهدف إلى إبعاد القوات الثقيلة عن خطوط التماس.
ورغم اختلاف التفاصيل بين الخريطتين، فإن كليهما استند إلى فكرة إنشاء نطاقات أمنية متدرجة بين الجولان المحتل والعمق السوري.
أكثر من مجرد ترتيبات أمنية
لكن تصريحات الشيباني تشير إلى أن النقاشات لم تكن مرتبطة بالترتيبات العسكرية وحدها، فبحسب حديثه، لم تكن المناطق الأمنية غاية بحد ذاتها، بل جزءاً من تفاهم أشمل يقوم على مبدأ متبادل يشمل وقف الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مقابل معالجة الهواجس الأمنية الإسرائيلية عبر ترتيبات محددة على الحدود.
وتوحي تصريحات وزير الخارجية بأن المشكلة لم تكن في الوصول إلى تفاهمات أو صياغة بنود الاتفاق، بل في عدم انتقال تلك التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ.
وقال الشيباني إن دمشق لم تجد لدى الحكومة الإسرائيلية “الدافع أو الإرادة الحقيقية للوصول إلى اتفاق”، على الرغم من أن معظم الملفات كانت قد أُنجزت على الورق.
ماذا خرج من اجتماعات باريس؟
وكانت الاجتماعات التي استضافتها باريس انتهت، مطلع يناير/كانون الثاني 2026، بإعلان أميركي سوري إسرائيلي مشترك نص على إنشاء خلية تواصل لتبادل المعلومات واحتواء التصعيد العسكري ومنع سوء الفهم بين الجانبين.
وتحدث البيان عن آلية مشتركة للتنسيق الأمني والاستخباري والدبلوماسي بإشراف أميركي، لكنه لم يتطرق إلى تفاصيل المناطق الأمنية أو الترتيبات الميدانية التي بقيت بعيدة عن التصريحات الرسمية.
ومع ذلك، توحي تصريحات الشيباني الأخيرة بأن ما جرى بحثه تجاوز ما أُعلن رسمياً، ووصل إلى تفاهمات تفصيلية تتعلق بترتيبات الانتشار والحدود وآليات خفض التوتر.
لماذا عاد الحديث عن هذه الخرائط الآن؟
تأتي العودة إلى هذه الخرائط في وقت تشهد فيه الساحة السورية تصعيداً إسرائيلياً جديداً، عقب الغارات الجوية التي استهدفت مطار أبو الظهور فجر 18 من آب الجاري، ما أعاد إلى الواجهة الأسئلة حول مصير التفاهمات التي قيل إنها أُنجزت خلال الأشهر الماضية.
وفي هذا السياق شدد الشيباني على أن أولوية دمشق أصبحت وقف الاعتداءات الإسرائيلية قبل أي مسار آخر، قائلاً: “تركيزنا حالياً هو إيقاف الاعتداء قبل أي شيء، حتى قبل الاتفاق الأمني.. من الممكن لاحقاً فتح موضوع السلام، موضوع الجولان، الآن رجعنا خطوة للوراء”.
وبينما بقيت الخرائط والتفاهمات في إطار الوثائق والنقاشات السياسية، فإن التطورات اللاحقة أظهرت أن الفجوة لم تكن مرتبطة بغياب الصيغ أو المقترحات، بقدر ما كانت مرتبطة بغياب آليات التنفيذ والإرادة السياسية لتحويل ما أُنجز على الورق إلى واقع ميداني يحد من التوتر ويضع أسساً أكثر استقراراً للعلاقة بين الجانبين.
- تلفزيون سوريا
























