بين التظاهر والتمرد خيط رفيع، لكنه يتبدد حين تستخدم شعارات الفيدرالية والانفصال كأدوات سياسية في لحظة إعادة بناء الدولة. فما يجري في سوريا ما بعد الأسد لا يمكن توصيفه بوصفه خلافا مشروعا حول شكل الحكم، بقدر ما هو محاولة منظمة لتنفيذ أجندات خارجية، وتأمين غطاء سياسي لفلول النظام السابق، الذين تلطخت أيديهم بدماء السوريين على مدى سنوات طويلة، ويسعون اليوم إلى الاحتماء بخطاب “الاحتجاج” للهروب من مسار العدالة والمحاسبة، ولو كان الثمن وحدة البلاد وسلمها الأهلي.
شكل سقوط نظام بشار الأسد وصعود الأكثرية السياسية إلى السلطة، ممثلة بالرئيس أحمد الشرع، نقطة تحول تاريخية في المسار السوري، أنهت حقبة طويلة من الاستبداد والقمع، وفتحت الباب أمام إعادة تأسيس الدولة على أسس وطنية جديدة. غير أن هذا التحول، بما حمله من آمال داخلية ودعم شعبي واسع، شكل في الوقت نفسه ضربة قاسية لشبكة معقدة من القوى المحلية والإقليمية التي ارتبط وجودها السياسي والأمني ببقاء النظام السابق واستفادت من استمراره لعقود.
في مقدمة هذه القوى تأتي إيران وحزب الله، اللذان كان نظام الأسد بالنسبة لهما ركيزة استراتيجية في الإقليم، إضافة إلى إسرائيل التي ضمن لها النظام، طوال ما يقارب خمسين عاما، حدودا هادئة ومستقرة في الجولان المحتل، مقابل غض الطرف عن بقائه داخليا. ومع سقوط هذا النظام، وجدت هذه الأطراف نفسها أمام واقع جديد يهدد نفوذها ومصالحها، ما دفعها إلى البحث عن أدوات بديلة لإعادة التأثير في المشهد السوري.
في هذا السياق الانتقالي الحساس، برزت محاولات منظمة لاستثمار مرحلة التحول السياسي والانفتاح الذي انتهجته الدولة الجديدة منذ لحظة التحرير، بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض. هذه المحاولات رفعت تحت شعارات تبدو، في ظاهرها، ديمقراطية وحقوقية، لكنها في جوهرها طائفية، تحمل مشاريع تفتيت وانقسام تهدد وحدة سوريا وسلمها الأهلي. علت دعوات الفيدرالية والانفصال وتقدمت إلى الواجهة، مدفوعة بقوى مختلفة الأجندات، لكنها تلتقي عند هدف واحد: إضعاف الدولة المركزية الجديدة ومنع تشكل سلطة وطنية جامعة.
فقد رأت “قوات سوريا الديمقراطية” في المرحلة الانتقالية فرصة سانحة لتثبيت مشروعها الفيدرالي، وتكريس واقع إداري وأمني مستقل خارج إطار الدولة. وفي الجنوب السوري، برزت مطالب انفصالية تقودها مجموعات درزية خارجة عن القانون، مرتبطة بقوات الهجري، بدعم إسرائيلي مباشر، في محاولة لاستنساخ نموذج “الكانتونات” على الحدود.
أما في الساحل السوري، فقد اتخذت التحركات طابعاً أخطر، حيث أعاد فلول النظام السابق والمتورطون في جرائم حرب إنتاج خطاب “الفيدرالية”، مستخدمين هذه المرة واجهات دينية واجتماعية. ومن بين هؤلاء، برز تحريض أحد مشايخ الطائفة العلوية، غزال غزال، المعروف بتورطه في المجازر التي ارتكبتها قوات النظام البائد في بانياس، مع دعم متقاطع من “قسد” وإيران وحزب الله. هنا، لم يكن الهدف حماية حقوق الطائفة، كما يروج، بل توفير مظلة سياسية لإعادة تموضع بقايا النظام والالتفاف على مسار العدالة والمحاسبة.
من الضروري التوقف عند حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها: الدعوات إلى “فيدرالية علوية” لا تستند إلى أي أساس شعبي أو ديموغرافي حقيقي. فحتى في محافظتي طرطوس واللاذقية، لا يشكل العلويون الأغلبية، بل يظل أهل السنة المكون السكاني الأكبر. ورغم أن النسب وحدها ليست معياراً كافياً لتقرير شكل الحكم أو شرعية الفيدرالية، إلا أن هذه الحقيقة تكشف الطبيعة السياسية والانفصالية لهذه الدعوات، التي تهدف بالأساس إلى فرض مشروع ضيق ومناطق نفوذ خارج إطار الدولة، بعيداً عن الإرادة الشعبية الحقيقية.
اللافت في هذه التحركات هو استغلالها المتعمد لسياسة الدولة الجديدة، التي حرصت منذ اليوم الأول على تجنب منطق الإقصاء والانتقام، واحترام حق التظاهر السلمي بوصفه أحد أهم مكتسبات سوريا ما بعد الاستبداد. هذا الحرص، الذي يفترض أن يقابل بالمسؤولية السياسية، جرى توظيفه من قبل هذه القوى كأداة ضغط وابتزاز، ووسيلة لخلق حالة فوضى مقصودة. فقد دعت الجهات المحرضة إلى الإضراب والعصيان المدني والخروج بمظاهرات ترفع مطالب انفصالية صريحة، في محاولة لفرض أمر واقع على الدولة تحت غطاء “الاحتجاج”.
ومع أن بعض المدنيين من أبناء الطائفة العلوية شاركوا في هذه التحركات بدوافع معيشية أو خوف من المجهول، فإن المشهد الميداني سرعان ما كشف طبيعته الحقيقية. إذ تواجدت بين المتظاهرين عناصر مسلحة تابعة لتشكيلات متمردة مثل ما سمي بـ”سريا درع الساحل” و”سرايا الجواد” قامت بإطلاق النار على قوات الأمن المكلفة بحماية التظاهرات. هذا السلوك لا يمكن فهمه بوصفه حادثاً عرضياً أو “انفلاتا فرديا”، بل هو امتداد مباشر للعقلية الأسدية التي قامت على منطق واحد: استخدام العنف أولاً، ثم تقمص دور الضحية لاحقاً.
الهدف من هذا الأسلوب كان واضحاً: استفزاز قوات الأمن وجرها إلى مواجهة، بما يسمح بإعادة إنتاج سردية “القمع” وتقديم الدولة الجديدة، زورا، بوصفها امتداداً للنظام السابق، تمهيداً لشرعنة مطالب انفصالية أو فرض تدخلات خارجية. وهو أسلوب خبره السوريون جيداً منذ بدايات الثورة، حين كان النظام يواجه المتظاهرين السلميين بالرصاص، أو يزرع عناصر مسلحة بين المحتجين لتبرير العنف.
اليوم، تعاد التجربة ذاتها بأدوات مختلفة وخطاب مغاير، يدعي الدفاع عن “حقوق الطوائف” و”حماية الأقليات”، بينما يهدد فعلياً السِلم الأهلي ويقوض أي إمكانية لبناء دولة وطنية جامعة. من هنا، لا يمكن توصيف هذه التحركات على أنها دعوات إلى التظاهر السلمي، بل هي دعوات صريحة إلى التمرد السياسي والأمني تحت غطاء الاحتجاج.
صحيح أن التظاهر حق مشروع، بل ضرورة في أي نظام ديمقراطي، لكنه يفقد شرعيته فور تحوله إلى أداة لمشاريع انفصالية، أو حين يقرن بالعنف والتهديد. ويكفي التذكير بالشعار الذي ردّده بعض المحتجّين: “إما الفيدرالية أو نحرق البلد”، وهو شعار لا يختلف في جوهره عن مقولة “الأسد أو نحرق البلد” التي شكّلت لب خطاب النظام البائد وأنصاره.
مسؤولية الدولة اليوم لا تكمن في قمع الحريات أو إغلاق المجال العام، بل في حماية الحق العام ومنع تحويل الانفتاح السياسي إلى وسيلة لتفكيك البلاد. فالتسامح لا يعني التساهل مع العنف، واحترام التظاهر لا يعني القبول بتحويله إلى منصة لإطلاق النار وتهديد السِلم الأهلي. وفي المقابل، تقع مسؤولية تاريخية على عاتق النخب والفعاليات داخل الطائفة العلوية، كما على سائر المكونات السورية، في إدراك أن لحظة الانفتاح التي تعيشها سوريا اليوم تمثل فرصة نادرة للاندماج في الدولة الجديدة، لا مناسبة للارتهان مجدداً لمشاريع خارجية أثبتت التجربة أنها لا تجلب سوى الدمار والعزلة.
سوريا ما بعد الأسد ليست ساحة للفوضى، ولا منصة لابتزاز الدولة باسم “الاحتجاج”. وحين يتحول التظاهر إلى غطاء للعنف وسقوط الضحايا، فإنه يفقد أي شرعية سياسية أو أخلاقية. إن حماية وحدة البلاد والسِلم الأهلي ليست خياراً، بل واجب وطني يقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً، فالفرصة ما زالت قائمة لبناء دولة سورية جامعة، لكن هذه الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية. الإصرار على منطق التهديد والحرق لن يقود إلا إلى خسارة جديدة، يدفع ثمنها الجميع، دون استثناء.
- الثورة السورية



























