ودّع العالم، مع نهاية الساعة الثانية عشرة من ليلة أمس الأربعاء، سنة 2025.
رغم أن هذا التقويم قد لا يستقيم مع ثقافات أمم وأديان عديدة، فواضح من التحركات السياسية والعسكرية، وحتى الاقتصادية، التي تسارعت في أرجاء الأرض مع قرب انتهائه، أن أصحاب القرار في العالم يريدون أن يعطوا معنى لهذا الخط الرمزيّ في الزمن، عبر إنهاء حروب قضايا استنفدت شروطها وبلغت أقصى ما يمكن أن تبلغه، وبدء حروب نضجت أسباب اندلاعها!
تبدّى الجانب الأول من هذه المعادلة في استدعاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وحديثه عن حلّ عدة قضايا «خلال خمس دقائق»، وهو ما فُهم على أنه ضغط أمريكي لبدء «المرحلة الثانية» من اتفاق غزة، وتخفيف الجموح الإسرائيلي ضد سوريا وتركيا، كما تبدّى في لقاء ترامب بالرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي لإنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية، وفي مساعيه المستمرة لوقف المعارك بين كمبوديا وتايلاند وفي حروب أخرى.
ظهر الجانب الثاني عبر السعي لإلحاق أمريكا اللاتينية بالسياسات الأمريكية، بشكل عنيف، كما هو الحال مع فنزويلا المحاصرة بحريا وجويا، أو بالتدخّل في الانتخابات الرئاسية أو البلدية، كما جرى بشكل فاضح في هندوراس، والأرجنتين التي ضخّ في اقتصادها عشرين مليار دولار لدعم حظوظ رئيسها المؤيد لإسرائيل، وفي السلفادور وكولومبيا والإكوادور. ظهر ذلك أيضا في العالم الغربيّ، عبر ضغوط الإدارة الأمريكية على كندا والدنمارك (طمعا في ثروات غرينلاند)، وفي حرب التعريفات الجمركية على الصين (والدعم العسكري لتايوان)، وفي العقوبات على الكثير من دول العالم، الكبرى والصغرى.
أعطت سياسات ترامب رصيدا هائلا لمنطق الغلبة الكاسرة في العالم، وهو ما أعطى دفعة كبيرة للتيارات المناهضة للأجانب والأقليات والمسلمين، ولمنطق الحصانة العالمية لإسرائيل من العقاب (ولحصانة نتنياهو نفسه من القوانين الإسرائيلية أيضا عبر طلب العفو عنه)، وهو ما انعكس أيضا في التغوّل الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية، وفي مجازر «الدعم السريع» في السودان، وفي سيطرة «الانتقالي» على حضرموت والمهرة في اليمن، وفي اعتراف إسرائيل بـ»أرض الصومال»، ودعم اتجاه انفصاليّ جنوب سوريا.
أدت هذه السياسات إلى ظهور بوادر تصّدع نظام العالم القديم وإلى ردود فعل متباينة تحاول استيعاب هذه التغيّرات الكبرى التي تدور بشكل واضح حول مساعي أمريكا لاستمرار هيمنتها، عبر أدوات جديدة، من الحصول على المعادن النادرة، واحتكار تصنيع الشرائح الإلكترونية، إلى الذكاء الصُنعي، والحرب السيبرانية، والروبوتات والمسيّرات؛ وأدوات قديمة، كاحتكار القوة النووية والسيطرة على البحار والطاقة والطائرات والصواريخ.
كان الهجوم السعوديّ على سفينتين محمّلتين بأسلحة لـ»المجلس الانتقالي» في اليمن، في الأيام الأخيرة من العام الفائت، وإعلان الإمارات سحب قواتها من اليمن، أهم إشارة إلى بدء اصطفافات جديدة في منطقة الخليج العربيّ والبحر الأحمر، وهو ما يمكن أن يترك آثاره أيضا على جغرافيات عربية أخرى، في السودان وليبيا وسوريا وغيرها، وعلى انفتاح آفاق تحالفات عربية جديدة من أطراف متضررة من التغوّل الإسرائيلي والأنشطة العسكرية والاقتصادية الجامحة في المنطقة العربية والإقليم المحيط.
يبقى القول، إن فلسطين كانت، في العام الفائت، أقرب ما تكون إلى قلب الإنسانية الذي تبدّت نبضاته في كل مكان، وكانت المعارك تدور حوله، ضمن الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أقرّت قوانين عديدة حول فلسطين، ومحكمتي العدل والجنائية الدوليتين اللتين لاحقتا نتنياهو ووزير دفاعه السابق بتهم جرائم حرب وإبادة جماعية، مرورا بالمعارك المندلعة ضد إسرائيل، من جنوب افريقيا والدول الكثيرة التي انضمت لدعواها ضد إسرائيل، إلى الدول الأوروبية التي اعترفت بفلسطين، مرورا بالمظاهرات العالمية التي لم تتوقف، والصراعات في الأكاديميا والجامعات والرياضة والأغاني والسينما، وحتى في انتخاب زهران ممداني، رئيسا لبلدية نيويورك، وظهور حزب جديد في بريطانيا مؤيد للفلسطينيين يقوده جيرمي كوربين وزارا سلطانة، وفي الجهود العالمية لاختراق الحصار على غزة، وفي تألق مئات الأسماء العظيمة من أنحاء العالم مثل غريتا ثونبرغ وفرانشيسكا ألبانيزي و»نيكاب» و»بوب فيلان» وفيوريلا مانوا وليام كاننغهام واليساندرو باربيرو وثياغو افيلا.
- القدس العربي


























