لم يكن لافتاً أن تختار مجلة الإيكونوميست سوريا «بلد العام» في الأسابيع الأخيرة من عام 2025 بقدر ما كان لافتاً توقيت الاختيار ومعناه. فالتصنيف لم يأتِ في بداية المسار بوصفه تفاؤلاً استباقياً، وإنما جاء في نهايته تقريباً، كخلاصةٍ سياسية – فلسفية لعامٍ مضطرب، مليء بالاختبارات. ولهذا، لم تقل المجلة إن سوريا أصبحت نموذجاً مكتملاً، وإنما أشارت، بدقة لغتها المعهودة، إلى بلدٍ انتقل من كونه مأساةً مغلقة إلى كونه تجربة مفتوحة على الاحتمالات. وهذا، في منطق التاريخ، انتقالٌ بالغ الصعوبة والأهمية.
خلال عام 2025، كانت سوريا ساحة للأحداث الكثيرة والحساسة، لكن الأهم هو أنها كانت مختبراً حقيقياً لفكرة الانتقال نفسها. فنحن بإزاء دولةٍ خرجت من نظامٍ مغلق، ومن حربٍ طويلة شوّهت الاجتماع والسياسة واللغة، ثم وجدت نفسها أمام سؤال لم يُختبر سابقاً: كيف تُدار الحرية حين لا تكون مُدرَّبة؟ وكيف تُبنى الدولة من دون أن تعود إلى صورتها القديمة؟ وهكذا، نشأت مفارقة العام كلّه متمثلةً في تضخّم التوقعات مقابل شحّ الصبر، سواء لدى الداخل أو الخارج.
على المستوى السياسي، كان 2025 عاماً كاشفاً بامتياز. فقد بدأت سوريا تستعيد موقعها تدريجياً في شبكات السياسة والاقتصاد، لكن هذه العودة لم تكن خطًّا مستقيماً. ففي عالم ما بعد الصراعات، لم تعد الشرعية تُمنح بالخطاب ولا بالنيات، وإنما تُقاس بما يمكن تسميته شرعية الأداء: كيف تتصرف الدولة تحت الضغط؟ كيف تدير الأمن؟ كيف تتعامل مع الاحتجاج؟ وكيف تفصل بين السياسة والعنف؟ هنا، بدأ العالم، والسوريون معه، يراقبون التفاصيل العديدة التي تصنع الفارق الكبير.
وفي قلب هذا المسار، شكّل رفع العقوبات بوتيرة قياسية، مقارنةً بتجارب دول خارجة من نزاعات مماثلة أحد أهم مفاصل العام. ففي حالات مثل إيران أو فنزويلا أو العراق بعد 2003، احتاج تفكيك منظومات العقوبات إلى سنوات طويلة من الاستنزاف والتجريب، وغالباً ما بقي جزئياً ومفتوحاً على الارتداد. أما في الحالة السورية، فقد جرى الانتقال، خلال شهور، من خطاب العزل إلى مسار رفعٍ تدريجي ومنظّم، استند إلى معادلة واضحة جوهرُها سلوكٌ سيادي مسؤول، قدر الإمكان، في الداخل، مقابل انفتاح محسوب في الخارج. لم يكن ذلك صدفة بقدر كونه نتيجة نجاح السياسة الخارجية السورية في تقديم نفسها بوصفها طرفاً عقلانياً قابلاً للاختبار، لا حالةً أيديولوجية مغلقة، تعتمد الوقائع لا الوعود، وتُدرك أن العالم لا يكافئ النيات وإنما يستجيب للسلوك القابل للقياس.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد برز ما يمكن تسميته «ارتباك ما بعد النجاة». فنحن هنا أمام مجتمعٍ عاش طويلاً بمنطق البقاء، ووجد نفسه مطالباً فجأة بإنتاج معنى جديد للحياة العامة. ارتفعت الأصوات، وتكاثرت المطالب، وتداخل المشروع بالمظلومية، والحق بالفوضى. وفي أكثر من منطقة، خرجت احتجاجات حقيقية على تهميش أو خوف أو سوء إدارة، لكن سرعان ما حاولت قوى أخرى اختطاف هذه المساحات وتحويلها إلى منصات عنف أو شعارات انفصالية. وهنا، واجهت الدولة أحد أصعب امتحاناتها متمثلاً في حماية الحق دون مكافأة الجريمة، وضبط الأمن دون الارتداد إلى منطق القمع.
لم تقل المجلة إن سوريا أصبحت نموذجاً مكتملاً، وإنما أشارت، بدقة لغتها المعهودة، إلى بلدٍ انتقل من كونه مأساةً مغلقة إلى كونه تجربة مفتوحة على الاحتمالات
في هذا السياق، شكّلت أحداث الساحل الأولى في آذار الماضي إنذاراً مبكراً لطبيعة التحديات المقبلة، ثم جاءت الأحداث الأخيرة فيه بوصفها تكراراً أكثر فجاجة للمحاولة نفسها. وذلك من خلال استثمار الهشاشة الانتقالية، وخلط الاحتجاج بالعنف، ورفع شعارات انفصالية بقصد جرّ الدولة إلى خطأ قاتل. غير أن الفارق بين الحدثين كان واضحاً. فقد ظهر أن الدولة تعلّمت، ولو ببطء، كيف تضبط سلوكها تحت الاستفزاز، وانتقلت من ردود فعل مرتبكة إلى إدارة أكثر وعياً للكلفة السياسية والأخلاقية.
ثم إن المسار نفسه تكرّر في السويداء، من بدايةٍ مثقلة بأخطاء جسيمة في التواصل والإدارة، سمحت بتضخم سرديات المظلومية، وصولاً إلى تصاعد سياسي انتهى عند لحظة كاشفة تمثّلت في تقرير واشنطن بوست الذي عرّى الطابع الانفصالي للتحركات وكشف شبكات الدعم والتنسيق. عند تلك النقطة، وجد الانفصاليون أنفسهم وقد علقوا على الشجرة، بشكلٍ لا قدرة لهم فيه على القفز إلى الأمام دون افتضاح، ولا إمكان للعودة إلى الخلف دون اعتراف بالخسارة. وبحيث لم يبقَ سوى النزول السياسي بعد أن تحوّل الرهان من ورقة ضغط إلى عبء فاضح.
إلى جانب ذلك، برز خلال العام تحدّي قسد بوصفه أحد أعقد ملفات السيادة. فالقضية لم تعد مسألة تفاوض إداري أو ترتيبات محلية، وإنما باتت اختباراً جوهرياً لقدرة الدولة على منع تكريس واقعٍ سياسي–عسكري موازٍ تحت عناوين اللامركزية أو محاربة الإرهاب. لكن ما يصبّ في صالح الدولة أن ما راكمته قسد خلال سنوات الحرب من أمر واقع، اصطدم في 2025 بحقيقة جديدة عادت فيها سوريا دولةً واحدة في نظر المجتمع الدولي، وبحيث صارت أي محاولة لتوسيع نموذج الانفصال الناعم خارج مناطقه تتحول، سياسياً، إلى عبء على أصحابها لا إلى ورقة قوة. هنا أيضاً، اشتغلت الدولة بمنطق الاستراتيجية لا التكتيك، واضعة الصراع في إطاره السيادي طويل الأمد، بدل أن تحصره في سجالٍ عسكري أو إعلامي قصير النفس.
أما سؤالُ المعنى فقد كان السؤال الأكبر. إذ يمكن القول إن 2025 كان عام الانتقال من سؤال «من انتصر؟» إلى سؤال «كيف نعيش معاً؟». وهو سؤال تتبلور الإجابة عليه بشكلٍ بطيء، ومؤلمٍ في بعض الأحيان، كونه يتطلب إعادة بناء الثقة لا فرضها، وإعادة تعريف الهوية لا اختزالها. من هنا اكتسبت الرموز الصغيرة معناها، بدءاً من استدعاء التنوع الحضاري السوري في الخطاب الرسمي، وصولاً إلى محاولات إعادة صياغة الوطنية بوصفها إطاراً جامعاً لا ساحة صراع. وهذه ليست مجرد إشارات تجميلية، وإنما هي محاولات لضرب جذور الانقسام بدل مطاردة أعراضه.
في المحصلة، لم يكن عام 2025 عاماً للانتصارات السهلة ولا للهزائم الواضحة حين يتعلق الأمر بالحكاية السورية الجديدة بعد التحرير. وإنما كان عاماً رمادياً بامتياز، لكنه رماديّ من ذلك النوع الذي يسبق تمايز الألوان. واختيار الإيكونوميست لسوريا «بلد العام» في نهاية هذا العام لم يكن شهادة حسن سلوك، بقدر كونه اعترافاً واعياً بأن ما جرى فيها يستحق المتابعة، كتجربة فريدة لدولة تحاول الخروج من التاريخ الدموي إلى تاريخٍ قابل للعيش. والدرس الأعمق في المسألة أن الدول لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تفعله في مواجهة ظروفٍ صعبة، وبقدرتها على تحويل الأزمات إلى دروس، والضغوط إلى معايير، والضرورات إلى فرص.
صحيحٌ أن سوريا في عام 2025 لم تصل بعد، لكنها بدأت تسير.
كاتب من سوريا
- القدس العربي


























