الأزمة الراهنة بين الحكومة السورية و”قسد” تعود في جوهرها، إلى غياب مشروع وطني جامع يضبط المرحلة الانتقالية ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومكوّناتها، وإلى خيارات سياسية خاطئة انتهجتها “قسد”. إذ لم تتعامل مع الثورة السورية بوصفها فرصة تاريخية لإنهاء نظام الأسد وبناء دولة وطنية مشتركة، بل اعتبرتها مجالاً لتعزيز مشروعها الخاص وتوسيع نفوذها الجغرافي والعسكري. وأسهم هذا المسار في تعميق الانقسام الوطني، وإطالة معاناة السوريين، عرباً وكرداً، وأتاح لنظام الأسد البقاء لفترة أطول.
وزاد من خطورة هذا المسار ارتهان “قسد” لكوادر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، رغم أن الحزب نفسه ألقى سلاحه وتخلى عن العمل المسلح داخل تركيا وخارجها، الأمر الذي أدخل القضية الكردية السورية في اشتباك إقليمي لا يخدم السوريين ولا الأكراد، ووفّر لتركيا ذرائع مستمرة للتدخل العسكري.
ما جرى في حلب كان انفجاراً محدوداً لمشكلات كبرى متراكمة: معضلة السلاح الذي لم يُحسَم موقعه بعد، ومعضلة الدولة التي تحاول استعادة احتكار القوة بعد الخراب الذي خلّفه نظام الأسد، ومعضلة “قسد” التي تتحرك داخل مساحة رمادية بين الحقّ والقدرة؛ الحقّ بمعنى حقّ المكوّن الكردي كسائر المكوّنات السورية في التنظيم والتمثيل والمطالبة بالاعتراف، والقدرة بمعناها العسكري الذي لا يشكّل حقاً بحد ذاته، لأن امتلاك السلاح امتياز حصري للدولة. هذا الخلط هو ما جعل قسد تتصرف كما لو أن امتلاك السلاح يمنحها شرعية تمثيل مكونات لم تفوض أحداً بتمثيلها، رغم وجود قوى كردية سورية تخالفها الموقف.
ولم تلاحظ “قسد” تغيّر البيئة الدولية التي كانت تمنحها هامشاً واسعاً للمناورة، ولم تلتقط مبكراً إشارات تراجع الدعم الأميركي. فواشنطن، التي وفّرت لها غطاءً حاسماً خلال الحرب على داعش، باتت اليوم تميل إلى مقاربة تُقدّم وحدة الدولة السورية على حماية نفوذ قسد، وتسمح بتآكل موقعها تدريجياً عبر ترك الوقائع الميدانية تعيد رسم ميزان القوى. ومع تضاؤل هذا الدعم، تضيق الهوامش التي يمكن لقسد التحرك ضمنها، ويصبح الرهان على السلاح أو على سند خارجي رهاناً خاسراً لا يخدم الأكراد ولاعموم السوريين.
في المقابل، نحن أمام سلطة جديدة في دمشق لم يمضِ على تولّيها السلطة سوى ثلاثة عشر شهراً، تحاول أن تتعلم من أخطائها وتبتعد عن الفوضى والانتهاكات التي طَبعت سلوكها العام الماضي. وتجلّى هذا التوجّه في معركة حلب، حيث تحركت قواتها بانضباط واضح، وتجنّبت الفوضى والانتهاكات، وحمت المدنيين. غير أن هذا الانضباط لم يخلُ من انتهاكات، أبرزها رمي جثة مقاتلة كردية من أحد الطوابق والتلفظ بعبارات غير لائقة، وهو سلوك مدان أخلاقياً وقانونياً، ويستوجب محاسبة مرتكبيه أمام القضاء، لتأكيد أن ما جرى ليس سياسة دولة، بل تجاوز فردي ترفضه الحكومة وتسعى إلى منعه. هذه الحادثة تؤكد أن الانتقال من عقلية الفصائل إلى الانضباط المؤسسي يحتاج وقتاً ومحاسبة صارمة، كما يحتاج إلى توسيع القاعدة البشرية للمؤسسات العسكرية والأمنية، وإدماج السوريين من مختلف المناطق والمكوّنات، بما يكسر أي غلبة فصائلية ويعيد ربط هذه المؤسسات بالمجتمع كله. من خلال بناء وتدريب أجهزة عسكرية وأمنية على أسس وطنية احترافية، وخضوعها لرقابة ومحاسبة قضائية تضمن عدم انحرافها عن دورها في حماية أمن الناس والبلد.
غير أن التحديات التي تواجه الحكومة السورية لا تختزل في معركة حلب ولا في قسد ولا في السويداء فقط. فحادثة حمص الأخيرة، واستشهاد أربعة موظفين مدنيين أمام مشفى الكندي، تؤكد أن فلتان السلاح وخطاب الكراهية لا يزالان يشكلان تهديداً مباشراً. هذه الحوادث ليست مجرد اختلالات أمنية متناثرة، بل تعبير عن غياب إطار وطني واضح يحدد من يملك حق استخدام القوة، وكيف تُدار العلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة انتقالية حساسة.
عندما يغيب مشروع وطني جامع، تتكاثر الولاءات الفئوية والمناطقية، ويتحوّل كل خطأ عسكري أو أمني إلى شرخ اجتماعي يتجاوز حجمه الطبيعي. ومن دون رؤية تجعل السوريين يشعرون بأنهم جزء من مسار واحد، يبقى المجال مفتوحاً لمناخ “نحن وأنتم” الذي يعمّق الانقسام ويقوّض الثقة، ويمنح قوى محلية وفي مقدمتها قسد فرصة الادعاء بتمثيل مكوّنات لا يحقّ لأحد احتكار تمثيلها. وقد ساهم غياب الانفتاح على الفاعلين الاجتماعيين والقوى السياسية الكردية في ترسيخ “قسد” كعنوان كردي واحد ودفع شرائح واسعة من الكرد للاصطفاف خلفه رغم اختلافها معه، ما أضعف بقية القوى الكردية ومنح قسد زخماً إضافياً.
استمرار هذا الفراغ يضعف قدرة الدولة على فرض القانون، ويفتح الباب أمام صراعات هوياتية وولاءات ضيقة تجعل أي توتر محلي قابلاً للتحول إلى أزمة وطنية جديدة.
سيستمر هذا النمط ما دام النهج الوطني القائم على المواطنة والانتماء لسوريا ككل، غائباً أو مغيَّباً. فالسوريون جميعاً دفعوا ثمن المرحلة السابقة، ولا يمكن بناء مرحلة جديدة على سرديات تقسّم الضحايا، أو تمنح فئة ما امتيازاً أخلاقياً على أخرى، أو تبرّر بقاء السلاح خارج سلطة القانون تحت شعار “الحماية الذاتية”. وإعادة إنتاج أي صيغة سياسية تقوم على الإقصاء، سواء تحت راية قومية أو دينية لا يقود إلا إلى دورة صراع جديدة، ويمنع تشكيل عقد اجتماعي يضمن شعور الجميع بالشراكة في الدولة.
الحاجة إلى مسار وطني شامل أصبح شرطاً للخروج من دوامة السلاح الفئوي. مسار يمكن أن يبدأ بمؤتمر وطني يمثّل فعلياً كل المناطق والمكوّنات، ويعيد تعريف أسس الشراكة والمواطنة وتقاسم السلطة والموارد، بما في ذلك الحقوق التي حُرم منها الأكراد لعقود من التهميش والإنكار. فمعركة حلب ليست النهاية، بل بداية اختبار لقدرة السلطة الجديدة والمجتمع معاً على تحويل الحسم الأمني إلى مسار سياسي جامع، يحدّ من الانقسام بدلاً من تعميقه، ويُخضع السلاح لسلطة الدولة بدلاً من أن يخضع الدولة لمن يحمل السلاح.
- المدن


























