منذ سقوط نظام الأسد البائد في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 2024، لم تتوقف الأسئلة المصيرية حول مستقبل الدولة السورية، وحدودها، وطبيعة نظامها السياسي. ومع كل تحوّل عسكري، أو ضغط سياسي، أو تدخل خارجي، كانت تطفو إلى السطح دعوات انفصالية وخرائط لدويلات جديدة، تُقدَّم أحيانًا بوصفها حلولًا واقعية لأزمة مستعصية. وقد تحوّل الساحل، والسويداء، وشمال شرقي سوريا إلى عناوين دائمة في هذا النقاش، حيث طُرحت أفكار «الحكم الذاتي» و«الإدارات المحلية الموسعة»، وحتى «الاستقلال»، باعتبارها بدائل عن الدولة المركزية. غير أن التمحيص في هذه المشاريع يكشف أنها لم تكن سوى أوهام سياسية تفتقر إلى مقومات بناء الدولة المتعارف عليها دوليًا، وتنهار قبل أن تولد فعليًا.
أول ما يفضح هشاشة الكيانات الانفصالية في سوريا هو اعتمادها شبه المطلق على الدعم الخارجي. فالدولة، في معناها السياسي والاقتصادي، لا تقوم على النيات ولا على الخطابات السياسية أو الدينية الطائفية، بل على القدرة على إنتاج الموارد، وإدارة الاقتصاد، وتأمين حاجات المجتمع بشكل مستقل. وفي الحالة السورية، لم يمتلك أي مشروع انفصالي هذه الشروط. فشمال شرقي البلاد، رغم امتلاكه موارد نفطية وزراعية، لم يستطع تحويلها إلى اقتصاد وطني متكامل، وبقي رهينة المعابر والقرارات الدولية، والدعم العسكري والسياسي الخارجي، ولا سيما الأميركي. وقد تحولت هذه الموارد، بدل أن تكون أساسًا للاستقلال، إلى عنصر ابتزاز سياسي يُستخدم للضغط والمساومة مع السلطة السورية الجديدة.
يبرز غياب الشرعية الداخلية بوصفه العائق الأهم أمام أي مشروع انفصالي.
أما الساحل السوري، الذي يُطرح أحيانًا ككيان محتمل بدعم من روسيا، فيعاني أصلًا من ضعف البنية الاقتصادية الذاتية. فاقتصاده مرتبط تاريخيًا بالدولة المركزية، من حيث الوظائف العامة، والخدمات، والبنية التحتية. وأي مشروع انفصالي في هذه المنطقة يعني، عمليًا، الانفصال عن شبكة اقتصادية كانت تشكّل شرطًا لبقاء المجتمع واستقراره. وفي السويداء، حيث الموارد محدودة والبنية الاقتصادية هشّة، يصبح الحديث عن كيان مستقل أقرب إلى مغامرة سياسية غير محسوبة، لا يمكن أن تصمد من دون دعم خارجي دائم، ولا سيما من الدولة الإسرائيلية.
هنا يظهر الوهم المركزي في الخطابات الانفصالية؛ فالاستقلالية السياسية المعلنة ليست سوى واجهة شكلية. فالكيانات التي رُوّج لها على أنها «بدائل» عن الدولة لم تنتج سيادة حقيقية، بل أعادت إنتاج التبعية بصيغة جديدة. وقد تحوّل الدعم الخارجي إلى شرط وجود، ومع كل تغير في المزاج الدولي أو تراجع في هذا الدعم، كانت الدعوات إلى هذه الكيانات تتآكل بسرعة، ما يؤكد أنها لم تُبنَ على أسس داخلية متينة، بل على رهانات خارجية متقلبة.
إلى جانب غياب المقومات الاقتصادية، يبرز غياب الشرعية الداخلية بوصفه العائق الأهم أمام أي مشروع انفصالي. فالشرعية لا تُفرض بالقوة، ولا تُمنح بقرار خارجي، بل تُبنى على قبول اجتماعي واسع، وعلى مؤسسات تمثل المواطنين فعلًا. وفي سوريا، ورغم سنوات الحرب والانقسامات السياسية والطائفية، بقيت الهوية الوطنية السورية إطارًا مرجعيًا عميقًا لدى غالبية السوريين. وحتى في المناطق التي شهدت أشكالًا من الإدارة الذاتية أو المحلية، ظل المواطن السوري مرتبطًا بالدولة السورية بوصفها فكرة جامعة، لا مجرد سلطة سياسية عابرة.
هذا الارتباط جعل أي سلطة موازية تصطدم بحاجزين أساسيين: غياب القبول الشعبي الكامل، ووضوح التبعية السياسية للخارج. فالإدارات المحلية الجديدة لم تستطع إنتاج عقد اجتماعي مستقل، ولا بناء مؤسسات قادرة على فرض توازن داخلي مستدام. وبدل أن تكون تعبيرًا عن إرادة محلية، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات وظيفية في صراع إقليمي ودولي، تُستخدم للضغط والمساومة في المفاوضات مع الحكومة السورية الجديدة، بدلًا من تحقيق تطلعات المواطنين في هذه المجتمعات المحلية.
إن المشاريع الانفصالية في الساحل، والسويداء، وشمال شرقي سوريا تكشف بوضوح أن التقسيم ليس مجرد قرار سياسي خارجي يمكن فرضه، بل هو عملية معقدة تتطلب شروطًا غير متوافرة. فالدولة القابلة للحياة تحتاج إلى اقتصاد مستقل، وأمن مستقر، وحدود واضحة، ومؤسسات شرعية، وكل هذه العناصر غير متوافرة على أرض الواقع. وما تحقق حتى الآن لم يكن سوى «خطابات انفصالية هشّة ومؤقتة»، مرتبطة باستمرار التمويل والحماية الخارجية، لا بقدرة ذاتية على البقاء.
والأخطر من ذلك أن خطاب التقسيم يتجاهل طبيعة المجتمع السوري نفسه. فسوريا لم تُبنَ تاريخيًا على كيانات مغلقة أو مجتمعات منفصلة، بل على تداخل ديمغرافي وجغرافي عميق. فالمكونات القومية والدينية والطائفية متداخلة إلى حد يجعل رسم حدود واضحة أمرًا شبه مستحيل من دون عنف واسع النطاق. لذلك، فإن أي مشروع تقسيم لا يعني فقط إعادة رسم الخرائط، بل تفجير صراعات جديدة، وفتح الباب أمام حروب لا نهاية لها.
إن «وهم الكيانات الانفصالية» في سوريا ليس مجرد توصيف أدبي، بل حقيقة سياسية أثبتها الواقع والتاريخ.
كما تؤكد التجربة الإقليمية محدودية هذه المشاريع. فحتى في حالات امتلكت مقومات أكبر، مثل تجربة إقليم كردستان العراق، بقيت الدولة المستقلة بعيدة المنال، رغم الموارد والدعم والواقع الجغرافي. فإذا كان ذلك حال كيان يمتلك عناصر قوة نسبية، فكيف الحال في سوريا، حيث التداخل السكاني أعمق، والموارد أكثر هشاشة، والقرار السياسي مرتهن لتوازنات دولية معقدة؟
إن تفكيك الدولة السورية، كما تُظهر التجربة، ليس حلًا للأزمة السورية الحالية، بل تعميق لها. فالخطابات الانفصالية لم تُظهر أي قدرة على بناء مجتمع متماسك أو اقتصاد مستقل، بل ملأت فراغ ضعف الدولة الوليدة بتدخل خارجي مؤقت. وهذا التدخل، بدل أن يكون مخرجًا، عمّق هشاشة هذه الدعوات الانفصالية، وجعلها أكثر عرضة للانهيار عند أول تغير في ميزان القوى.
خلاصة القول، إن «وهم الكيانات الانفصالية» في سوريا ليس مجرد توصيف أدبي، بل حقيقة سياسية أثبتها الواقع والتاريخ. فكل المحاولات الانفصالية، مهما ارتدت من شعارات محلية أو حقوقية، فشلت لأنها افتقرت إلى الاستقلالية الاقتصادية، والشرعية الداخلية، والقدرة على بناء مؤسسات سيادية. وفي المقابل، ورغم كل ما أصابها من ضعف وإنهاك، بقيت الدولة السورية الإطار الوحيد القادر على الصمود بوصفها بنية جامعة.
وفي النهاية، فإن أي نقاش جدي حول مستقبل سوريا لا يمكن أن ينطلق من أوهام التقسيم، بل من قراءة واقعية لطبيعة المجتمع والدولة. فالاستقلالية الحقيقية لا تُعطى ولا تُفرض، بل تُبنى من الداخل، عبر إعادة بناء العقد الاجتماعي، وإعادة الإعمار، وترميم الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذا ما لم تفعله، ولن تفعله، الخطابات الانفصالية التي وُلدت على وهم، وستبقى رهينة له حتى زوالها.
- تلفزيون سوريا



























