
استغلت “قسد” سنوات الحرب السورية الطويلة، وانشغال خصومها (النظام والمعارضة) وحرب واشنطن على داعش لبناء كيان أقرب ما يكون إلى دولة (جيش، شرطة، إدارة مدنية، وواجهة سياسية، ممثلة بمجلس سورية الديمقراطية، “مسد”). تحاول “قسد” التمسك بهذه المكتسبات، وترفض مغادرتها، وهذا ما أفشل تطبيق اتفاق 10 مارس (2025). كما استغلت “قسد” أخطاء حكومة دمشق الوليدة في أثناء “تمرّد” الساحل، وحراجة موقفها، بفعل الانتهاكات الواسعة التي حصلت، وخوفها من تفجر جبهات أخرى تزامناً في وجهها، لانتزاع اعتراف منها على قاعدة الندّية، حين وافق الرئيس أحمد الشرع على شرط “قسد” توقيع الاتفاق بنفسه مع قائدها، مظلوم عبدي. ما تحاول “قسد” فعله الآن ترجمة هذه الندّية في تنفيذ الاتفاق من خلال اشتراطها، للاندماج، احتفاظها بقدراتها العسكرية، وفق خريطة انتشارها الحالية، وبنيتها، وتجهيزاتها، في مقابل الجيش (العربي) الذي ينتشر غرب الفرات، وتقاسم ثروات المنطقة التي تحكمها مناصفة مع حكومة دمشق، وإقامة إدارة مشتركة للمعابر التي تسيطر عليها، والحصول، فوق ذلك، على أكبر نسبة ممكنة من المناصب المدنية والعسكرية في جهاز الدولة. هذا يعني أن “قسد” ترى نفسها سلطة موازية، تخضع، شكليا، لدمشق. لن تقبل حكومة سورية بهذا، ما يعني أن احتمالات المواجهة، خصوصاً بعد ما جرى في حلب، تتزايد.
سقف طموحات “قسد” المرتفع، رهاناتها بخصوص ديناميّات الصراع الداخلي السوري، وقراءاتها الخاطئة العامليْن التركي والإسرائيلي، والموقف الأميركي، لعبت دوراً رئيساً في الوصول إلى نقطة الصدام، لكن الإدارة السورية تحتاج أيضاً أن تدرك أن استراتيجية “الإطفائي” التي تعتمدها لا تساعد في حل المشكلات التي تواجهها، فمن أجل أن نغطي على انتهاكات الساحل، وقعنا اتفاقاً يعقد المشكلة مع “قسد”، ومن أجل أن نحتوي مشكلة السويداء، جعلنا إسرائيل شريكا فيها، ومن أجل تحييد إسرائيل نقبل بوصاية تركية، … وهكذا. يجب أن نقر أيضا بأن “قسد” ليست إلا “عرضاً” لأزمة وطنية أعمق في سورية، لا مفرّ، لمعالجتها، من الاعتراف بوجودها. يجب أن تدرك “قسد”، في المقابل، أن دمشق تعلمت من أخطائها؛ وأنها (قسد) لا تملك، أخذًا في الاعتبار الظروف الإقليمية والدولية الراهنة (تفاهمات باريس، أحداث اليمن أخيراً، الوضع المتفجر في إيران، السياسات الأميركية والأوروبية تجاه سورية) أي فرصة للربح في مواجهة شاملة مع دمشق، وأن الوقت، فوق ذلك، لا يسير لمصلحتها.
خلاصة القول، لا تحتاج سورية الدخول في فصل دموي جديد من فصول صراعاتها التي ما فتئت تتوالى تحت عنوان إثني/ قومي هذه المرّة (عرب X كرد). ما نحتاجه لحل العقدة “الكردية”، والعقد الأخرى المواكبة لها، أن ترتقي دمشق، قليلا، فوق الجميع، وتدعوهم بقيادتها إلى حوار وطني شامل، بدلاً من طريقة التعاطي الراهنة التي تعزّز الشعور لديهم بالندّية، وتعطيهم الفرصة للتشكيك في قدرتها على احتواء الجميع، وضمّهم باعتبارها سلطة أبوية أعلى منهم.
- العربي الجديد


























