في تاريخ الصراعات الكبرى، غالباً ما تسبق الهزائم العسكرية هزائمٌ أخلاقية ومعرفية تُصيب النخب التي يُفترض بها أن تكون حارسة القيم وناظمة الوعي الجمعي. ما شهدته الساحة الثقافية السورية في الشهور الأخيرة بعد حدث التحرير السوري، وتحديداً في طريقة تعاطي شرائح واسعة من النخب «الحداثية» مع النزعات الانفصالية في السويداء ومع مشروع «قسد» في شرق الفرات، يمثل ظاهرة سياسية ـ ثقافية تستحق أن تُقرأ بجدية أعلى بكثير مما تناله من الاهتمام. ذلك أن الظاهرة لم تكن مجرد اختلاف في تقدير موقف سياسي بقدر كونها إعلاناً صريحاً عما يمكن تسميته بـ «الفشل الكبير»؛ فشل المثقف في التمييز بين الحداثة كمنظومة قيم عابرة للهويات، وبين الحداثة كـ «ديكور» يُستخدم لتمرير مشاريع تفتيتية.
لقد وقعت شريحة واسعة من النخب السورية في «فخ السيميولوجيا»؛ أي الانبهار بالرموز والعلامات الخارجية. فحين رفعت منظومات مثل «قسد»، ومعها انفصاليو السويداء، شعارات العلمانية، وحقوق المرأة، والتعددية، وتحدثت بلغة «التنوير» التي يطرب لها المثقف الحداثي، حدث نوع من «العمى الاستراتيجي». وأصبحت تلك النخب ترى في هذه المناطق «واحة تنويرية» وسط محيط من الظلامية، ليس لأن الواقع كذلك، وإنما لأن المثقف السوري المأزوم كان يبحث عن «يوتوبيا» يهرب إليها من إحباطاته وفشله في التأثير في المركز. وهكذا، تحركت غريزة «التماهي» فوراً: «هؤلاء يشبهوننا، إذن هم الوجه المضيء من البلاد، وهم مشروع المستقبل».
كان التعاطف مبنياً على «إسقاط نفسي»؛ فالمثقف الذي عجز عن التعامل مع مجتمعه، رأى في «الكانتونات» الانفصالية مختبراً جاهزاً لتحقيق أحلامه الأكاديمية. ولم يدرك أن «العلمانية» التي تُفرض بقوة السلاح فوق جثث الهوية الوطنية، ومن خلال التغيير الديمغرافي القسري، هي في الحقيقة «توتاليتارية» جديدة ترتدي ثوباً عصرياً.
المشكلة الجوهرية هنا أن هذا الميل لم يكن تعاطفاً مع قيم حقيقية بقدر ما كان انحيازاً إلى «صورة». فالحداثة لدى هذه النخب لم تُعامَل بوصفها منظومة مبادئ تنطبق على الجميع (بمن فيهم الخصوم) وإنما بوصفها هويةً اجتماعية واصطفافاً رمزياً ضد «السائد» الشعبي. وهكذا انقلب معيار القراءة: فبدل أن نسأل عن طبيعة النموذج السياسي—هل هو نموذج دولة؟ هل يحترم المواطنة؟ هل يحتمل التعدد؟ صار السؤال الضمني هو: «هل يتكلمون لغتنا؟ هل يقفون ضد خصومنا الثقافيين؟». ومع الزمن، تحولت المبادئ إلى «ديكور»؛ فأي سلطة أمر واقع ترفع لافتة الحداثة تصبح مؤهلة تلقائياً لتُعامل كحليف تنويري، حتى لو كانت في جوهرها بنيةً أمنية أو عصبيةً محلية تتخفى وراء الشعارات.
لكن الأيام، بقسوتها المعهودة، دارت لتفضح هذا الوهم وتكشف أن «التنوير» الذي وقّعت عليه تلك النخب لم يكن سوى بناء هش. فقد ظهرت من رموز «قسد» وممارساتها على الأرض حقائق تصدم أي وعي حداثي حقيقي. ففي تلك المناطق، لم يكن الجوهر مجرد سلاح خارج الدولة، وإنما بنية حكم تميل إلى الأحادية المطلقة؛ بهيمنة أمنية على المجال المدني، وتضييق على الفضاء السياسي الحر، وخطاب يحتكر تمثيل المكوّن الكردي وكأنه «قضية» تُختزل بتنظيم عسكري واحد.
فشل المثقف في التمييز بين الحداثة كمنظومة قيم عابرة للهويات، وبين الحداثة كـ «ديكور» يُستخدم لتمرير مشاريع تفتيتية
لقد رأينا ممارسات من قبيل التجنيد القسري، واختطاف القاصرين، وفرض أتاوات وضرائب غير شفافة، واحتكار للسردية يمنح الكيان مسحةً أخلاقية زائفة تمنع نقده. وأصبح كل من ينتقد هذه الممارسات يُتهم فوراً بأنه ضد «حقوق الأكراد»، وكأن الحقوق ليست شيئاً يُحمى ضمن دولة عادلة، وإنما هو أداة لغوية تُستعمل لتجنيب المشروع المسلح المحاسبة. هذه ليست حداثةً بقدر كونها «واجهة حداثة»، وتتمثل في لغة مدنية رقيقة تغطي بنية سلطوية خشنة.
أما في السويداء، فقد كانت المفارقة أكثر فجاجة، حيث تحولت بعض المسارات من مطلبية مشروعة إلى نزعة عصبية تستدعي هويات ما قبل الدولة، وتُعيد إنتاج الاستقواء بالخارج، بوصفه خياراً سياسياً عادياً، وتبرر اصطفافات تهدد وحدة البلاد وسرديتها الوطنية. إن الحداثة ليست أن تقول «نحن مختلفون»، وإنما أن تقبل الاختلاف داخل قانون جامع، وليست أن تتزين بخطاب مدني ثم تسقط في منطق «الجماعة المغلقة».
أما الأكثر خطورة من هذا الانكشاف الميداني فإنه رد فعل النخب المثقفة، والمتمثل في تجاهلٍ مطبق لهذه الوقائع، بعد انكشاف حقيقتها، وكأن شيئاً لم يكن. فهنا ندخل إلى قلب الأزمة الأخلاقية. لماذا لم نرَ مراجعة حقيقية؟ لماذا لم يعترف المثقفون بأن «مشروع الحداثة» الذي سوّقوا له كان زائفاً؟
يغلبُ أن السبب يعود إلى أن الاعتراف يفرض «كلفة رمزية» ثقيلة جداً. فالاعتراف يعني انهيار سردية كاملة كتبتها هذه النخب عن نفسها وعن البلاد لسنوات. وهو يعني الاعتراف بأنها لم تخطئ في تحليل حدث عابر فقط، وإنما شاركت بوعي أو دون وعي في صناعة تضليل عام. ولأن «الأنا النخبوية» المتضخمة لا تطيق المحاسبة، فقد كان الأسهل هو القفز فوق الواقع، أو تقزيمه، أو الهروب إلى مهاجمة «المجتمع الأكثرية» بدعوى أنه جاهل أو رجعي. وهكذا سقطت النخبة الحداثية في فخ قديم: حين لا يطابق الواقع خيال المثقف، فإنه يُدين الواقع بدل أن يراجع خياله.
والواضح أن هذا السلوك كشف عن خلل منهجي في التصور، يتمثل في الخلط بين «خطاب الأقليات» والحداثة، وبين التمرد على المركز السياسي وبين التنوير. ففي عقل النخبة التي تشكلت تحت وطأة القمع، صارت «الدولة» نفسها قرينة الظلام، وصار أي موقف ضدها يبدو-تلقائياً-أقرب إلى الحرية. وهذه عقدة نفسية تاريخيةٌ كارثية حين تتحول إلى قاعدة تحليل؛ فالدولة قد تكون ظالمة، نعم، لكن الميليشيا ليست بالضرورة حلاً، والمعارضة ليست بالضرورة تنويراً، والانفصال ليس بالضرورة حقاً.
إن تسمية ما جرى بـ «الفشل الكبير» لا تبدو مبالغةً، لأنها قد تكون التشخيص لفشل أخلاقي ـ معرفي فادح، يتمثل في أنه حين تختلط المبادئ بالهويات، ويغدو الشعار بديلاً عن المعيار، وتتحول الحقوق من فكرة تحمي الجميع إلى «لافتة» تمنح حصانة سياسية لكيان بعينه لأنه «يشبهنا ثقافياً»، فإننا نكون بإزاء انتحارٍ فكري للنخبة.
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن «الحداثة» إذا كانت مجرد اصطفاف ضد خصم ثقافي، فإنها قابلةٌ للتحول إلى عملية تواطؤ مع أي سلطة تتكلم اللغة المناسبة مهما كانت ممارساتها. وسوريا الجديدة لا تحتاج إلى نخب تُحب صورتها في المرآة أكثر من حبها لبلدها، ولا تحتاج لمثقفين يصفقون لـ «الديكور» ثم يصمتون حين ينكشف الخراب. إنها تحتاج إلى نخبٍ شجاعة تعود إلى جوهر التنوير الحقيقي.. نقد السلطة أياً كانت، والانحياز للدولة الجامعة لا لكيانات السلاح، والاعتراف بالأخطاء قبل محاضرة الآخرين. فالحداثة ليست زينة لغوية تُمنح للحلفاء، وإنما هي مسؤولية أخلاقية ثقيلة تقتضي الحقيقة أولاً وأخيراً.
كاتب من سوريا
- القدس العربي


























