لم يكن ما شهدته مدينة حلب خلال الأيام الماضية مجرّد جولة اشتباك محدودة، ولا يمكن اختزاله بخروج “قسد” من بضعة أحياء شمالي المدينة. ما جرى، وانتهى يوم السبت 10 كانون الثاني/يناير 2026 بخروجها الكامل من هذه الأحياء، يُمثّل أول نصر عسكري صريح للدولة السورية الجديدة، بكل ما يحمله ذلك من دلالات داخلية وإقليمية تتجاوز الجغرافيا الحلبية نفسها.
أهمية هذا التطور لا تكمن في نتيجته فحسب، بل في طبيعته. فقد جرى الحسم بتكاليف بشرية منخفضة جداً، وضمن قواعد اشتباك واضحة، من دون دمار واسع أو فوضى أمنية، وهو ما يكشف تطوراً ملموساً في تنظيم وأداء الجيش السوري الجديد، وقدرته على إدارة عمليات داخل مدينة كبرى بحجم حلب. هذا “النصر النظيف” يختلف جذرياً عن نماذج الحسم التي عرفتها سوريا خلال سنوات الحرب، ويبعث برسالة داخلية مفادها أن الدولة الجديدة تحاول بناء شرعيتها بالسلوك قبل الخطاب.
لكن المواجهة لم تكن معركة أحياء بقدر ما كانت اختباراً مصغّراً لإرادة الدولة وقدرتها على فرض قرارها السيادي. اختبار نجح فيه الرئيس أحمد الشرع في إدارة التوازن بين السياسة والقوة، واختيار توقيت التدخل وحدوده، بحيث يصبح العمل العسكري أداة لتعزيز المسار السياسي لا عبئاً عليه. في المقابل، فشلت قوات سوريا الديموقراطية في أول مواجهة جدّية مع الدولة، وهو فشل لا تُقاس خطورته بخسارة الأرض فقط، بل بانكسار الهيبة التي بنتها طوال سنوات من دون أن تُختبر فعلياً.
الانتكاسة الحقيقية لـ”قسد” لا تكمن في خروجها من أحياء حلب، بل في ما سيترتب على ذلك لاحقاً. فالجزيرة السورية، حيث ثقلها الرئيسي، تراقب ما جرى بدقة. أول مواجهة مباشرة انتهت بخسارة سريعة ومنضبطة، وهو ما سيترك أثره على المعنويات، وعلى شبكات الولاء، وعلى حسابات القوى المحلية المرتبطة بها. هذا النوع من الهزائم لا يبقى محصوراً في الميدان، بل يتسرّب تدريجياً إلى البنية السياسية والعسكرية للمشروع بأكمله.
سياسياً، تُعدّ “قسد” أخطر مشاريع التقسيم التي واجهتها سوريا، ليس فقط لأنها مشروع انفصالي بحد ذاته، بل لأنها تحوّلت إلى رافعة لمشاريع تفكيك أخرى، وتغذّت منها في الوقت نفسه. بدء تآكل هذا المشروع لا يعني سقوطه فوراً، لكنه يضعف الرهانات الدولية والإقليمية عليه، ويُربك شبكات المصالح التي استثمرت فيه كأداة ضغط أو كورقة تفاوض طويلة الأمد.
في هذا السياق، كان الموقف الأميركي لافتاً. بخلاف محطات سابقة، لم تُسارع واشنطن إلى احتواء التصعيد فور اندلاعه، بل انتظرت فرض الدولة السورية واقع “لا قسد في مدينة حلب”، ثم أعلنت دعمها لتهدئة تُكرّس هذا الواقع. هذا السلوك يعكس تحوّلاً في المقاربة الأميركية، مرتبطاً بإعادة ترتيب الأولويات وتقليص الانخراط العسكري المباشر، أكثر مما هو تعبير عن دعم غير مشروط لأي طرف.
هذا النهج مرشّح للتكرار. استراتيجية “الضرب التدريجي تحت الحزام” التي يعتمدها الرئيس أحمد الشرع – أي إنهاك الخصم عبر خطوات محدودة، محسوبة، ومنخفضة الكلفة – قد تكون أكثر إيلاماً لقوات سوريا الديموقراطية وحزب العمال الكردستاني من مواجهة شاملة. فهي تستنزف القوة، وتفكك النفوذ، وتكشف مكامن الضعف، من دون أن تمنح الخصم فرصة لاستدرار تعاطف دولي واسع أو فرض وقائع مضادة.
غير أن ما جرى في حلب يتجاوز قسد بوصفها طرفاً عسكرياً. في هذه المدينة، يُرسم مستقبل الصراع بين سوريا الموحَّدة ومشروع تمزيقها. صراع فُرض على الدولة السورية الجديدة كعقاب مباشر على تحررها من نظام الأسد، لا كخيار سياسي اختارته بإرادتها. فالدولة التي أطاحت بالنظام السابق وجدت نفسها أمام اختبار مفصلي: إمّا القبول بسوريا مجزأة تُدار بالوكالة، أو خوض معركة تثبيت السيادة خطوة خطوة.
ولا يتوقف أثر ما جرى في حلب عند حدود الجغرافيا السورية. فمشروع “قسد” لم يكن معزولاً عن محيطه، بل شكّل خلال السنوات الماضية مرجعاً عملياً ونظرياً لكل أطروحات التفكيك التي طُرحت في الإقليم تحت عناوين مختلفة. في لبنان تحديداً، جرى في أكثر من محطة استحضار النموذج السوري، سواء في النقاشات غير المعلنة حول الفدرلة، أو في أطروحات الأمن الذاتي، أو في تبرير بقاء السلاح خارج الدولة بوصفه “حاجة خاصة” لمكوّنات بعينها. بدء انهيار مشروع “قسد” يوجّه ضربة مباشرة لهذه المقاربات، لأنه يسحب منها النموذج والذريعة في آنٍ واحد.
من هنا، فإن تآكل المشروع لا يعني فقط تضييق هامش التقسيم داخل سوريا، بل يُسهم في تحصين الكيان اللبناني نفسه من مسارات مماثلة كانت تجد في التجربة السورية مظلّة سياسية أو أمنية. المسار الذي انطلق من حلب يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة المركزية القادرة، ويُضعف رهانات الهروب إلى الكيانات الهشّة أو الصيغ الانتقالية المفتوحة.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن انعكاساته الإقليمية الأوسع. فالولايات المتحدة لا تبدو في موقع يسمح لها بالدخول في مواجهة مباشرة مع دمشق داخل مدينة بحجم حلب، في ظل أولويات إعادة الانتشار. أما إسرائيل، فتنظر إلى الملف من زاوية أمنية بحتة، مع تركيزها على الجنوب السوري، واستخدام بعض الملفات الداخلية كورقة ضغط غير مباشرة في مفاوضاتها مع واشنطن ودمشق. في هذا الإطار، يبدو أن الإبقاء الشكلي على بعض التفاهمات يخدم توازنات مرحلية، من دون تمكين “قسد” أو غيرها من فرض وقائع جديدة داخل المدن.
الخلاصة أن ما جرى في حلب ليس محطة عابرة ولا حدثاً معزولاً. سوريا، بقيادتها الجديدة، تختبر نفسها وتنجح في أولى اختبارات السيادة. الجيش يُظهر احترافية متنامية، والقرار السياسي يُدار بعقل بارد، والدولة تراكم نقاطاً لمصلحتها داخلياً وخارجياً. من يراهن على الزمن لعكس هذا المسار قد يكون مخطئاً، لأن لعبة الوقت – على غير ما اعتاد كثيرون – بدأت تميل لمصلحة الدول، لا لمصلحة مشاريع التفكيك.
- الثورة السورية
























