ملخص
الكذب استراتيجية في تكريس غواية الحياة، يكذب العاشق كي يحمي نور شمعة من أن ينطفئ برياح تهدده من كل الجهات، يكذب ونتعاطف معه لأن قصص الحب هي طاقة سحرية تعين البشر على مواجهة الكراهية والعنصرية وجفاف العلاقات الإنسانية التي تتعرض يوماً بعد آخر للتجفيف، ونسمي هذا الكذب سلاح العاشق لحراسة بستان العشق.
كيف نفكر في ظاهرة الكذب بعيداً من ثنائية التحليل والتحريم؟
فلسفياً، اعتماد الكذب كاعتماد الصدق كلاهما يحتاج إلى ذكاء وعبقرية وإلى شخصية كاريزمية مؤسسة، وفي الحياة ليس هناك صدق مطلق ولا كذب مطلق، كل منهما نسبي، وتتحدد هذه النسبية بحسب زاوية الرؤية التي ينظر بها إلى “المكذوب” أو “الصادق”.
الكذب حال إنسانية وجدت يوم وجد الإنسان على هذه الأرض وهو في وضعية مواجهة مع إنسان آخر في وضع القوة أو الضعف والذكاء أو الغباء والخنوع أو الرضوخ، بل وجد الكذب منذ واجه الإنسان نفسه، إذ يحتاج في كثير من المرات إلى الكذب على نفسه كي يعيش حالاً من الاطمئنان الكاذب حتى وهو في أحلك الظروف وأشدها.
وما نقصده بالكذب هنا هو ذلك السبيل الذي يمثل مدخلاً لحل معضلة ما فردية أو جماعية أو البحث عن طمس كل حل لها، بهذا المعنى فمفهوم الكذب ها هنا مفهوم لا علاقة له بمعنى الأخلاق بمعناها المبسط البيداغوجي أو الديني الذي يقابل مفهوم “الصدق” بمقياس الدين أو السلوك الجمعي، الكذب ها هنا يحمل مفهوماً فلسفياً يرتبط بما هو الأنطولوجي في الإنسان.
والكذب فن قائم بذاته، بلغته من خلال قاموسها الثري ومفاهيمها السياسية والدينية والفنية وبخطابه المركب المستقل وبطريقة عرضه. والكذاب المحترف له كاريزما سلوكية صلبة وعنيدة تارة ومرنة ناعمة تارة أخرى، كما للشجاعة أهلها وللصبر أهله وللصدق أصحابه، فللكذب جنوده أيضاً.
صناعة الكذب بمفهومه الأنطولوجي هي حرفة إنسانية وتاريخية عريقة سياسياً وفنياً ودينياً وعسكرياً، بل هي من أعرق الحرف البشرية التي لم تندثر بل لا تزال تعيش وتعمر وتعطي ثمارها في كثير من الميادين الحاسمة في المجتمعات الراهنة.
أمم كثيرة قامت على “كذبة” تاريخية أو أسطورية أو دينية أو عرقية أو هوياتية، ولا تزال موجودة حتى الآن ومعافاة اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً ولغوياً، وزعماء كبار في التاريخ البشري صنعهم الكذب فتحولوا إلى رموز خالدة تعيش مقدسة في المخيال الجمعي والفردي كما يعيش الأنبياء والرسل، وكم من الحروب الكبيرة اشتعلت نيرانها على قاعدة “كذبة” فأحرقت الأخضر واليابس وصنعت أبطالاً عسكريين لا يزال التاريخ يذكرهم ويبجلهم ويدرسهم في البرامج التعليمية جيلاً بعد جيل، وصنعت هذه الحروب التي قاعدتها كذبة حدوداً جديدة ورفعت حدوداً كانت من قبل، وبنى الكذب علاقات متينة بين شعوب كانت على عداوات وأسقط أخرى بين شعوب أخرى كانت قائمة ومتينة.
وتحتاج السياسة إلى رأسمال الكذب، فالكذب ملح السياسة وطعامها وعسلها المصفى والمقطر.
يكذب السياسي مهما كانت عقيدته الأيديولوجية يسارية أو يمينية أو إسلامية، ويرى الناس في كذبه أمراً عادياً بل ضرورياً في كثير من الأحيان، ويكذب ويصبح الكذب عادة خطابية يومية محمودة عند أتباعه وعند معارضيه الذين هم الآخرون يعتمدون الكذب مركباً للوصول إلى سدة السلطة، ويعلل ذلك بقوله، الكذب استراتيجية السياسة، يكذب السياسي ويقول لا عيب أن تكذب في السياسة، فالسياسة ليست لها أخلاق، بل الكذب هو أخلاقها.
والفن الجميل جداً يقوم على الكذب الأجمل، ففي الفن يتحول الكذب إلى قيمة جمالية أساسية، أما قال الناقد الكلاسيكي ابن طباطبا العلوي (توفي نحو 934) في كتابه “عيار الشعر”، “أعذب الشعر أكذبه”، وكان بمثل هذه المقولة يبحث عن تحرير الشعر من سلطة النزوع التربوي والديني والأيديولوجي المباشرة والعارية، وأعتقد بأن هذه المقولة تعد تحولاً جذرياً في نظرية الشعر والإبداع بصورة عامة في الفكر العربي النقدي والفلسفي، وهي المقولة التي خلقت نقاشات فريدة من نوعها بين مفكري الشعر وممارسيه حول ماهية الشعر وفائدته وضرورته.
ماذا يمكننا القول حين نقرأ قول الشاعر المتنبي “بعيني رأيت الذئب يحلب نملة ويشرب منها رائباً وحليباً”، ألا يحرك فينا مثل هذا الكلام الصادر عن شاعر ملأ الدنيا وشغل الناس سؤالاً عن قيمة “الكذب الجميل والفاتن والفتان”.
كلما تصالح الفن مع “الفانتستيك” والعجائبية بكل انفصالها عن الحقيقة الحرفية دخل في جماليات الكذب، وكلما اقترب من الحقيقة الواقعية الحرفية اليابسة ابتعد من الجمال والفن المدهش، وبهذا المعنى فالكذب كنز الأدباء الذي لا يفنى ولا ينفد.
يكذب الشاعر أو الروائي ونسمي ذلك خيالاً ونحب هذا الكذب ونقرأه بمتعة ونحن ندرك بأن هذا الذي بين أيدينا لا علاقة له بالصدق في مفهومه الأخلاقي الإيتيقي، بل يتعارض معه جملة وتفصيلاً، ولعل الكذب هو الذي يخلد الإبداع لا الحقيقة الموسمية العابرة.
وتلهمنا وتثيرنا تلك الأساطير الدينية المتضمنة في كل الديانات تقريباً وفي نصوص المبدعين الإغريق القدامى ولدى الحكواتيين الأفريقيين، ونحن ندرك الإدراك التاريخي والأخلاقي بأنها نصوص قائمة على قيم الكذب والتوهيم، والآلهة وأنصاف الآلهة والحروب والحيوانات الخرافية، كل ذلك الكذب هو أسمنت الإدهاش والإمتاع الخالد الذي لولاه لما بقيت هذه النصوص تقرأ وتؤثر في مدى قرون وتنتقل من جيل إلى آخر ومن لغة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أخرى من دون أن تفقد سلطتها الجمالية والإدهاشية.
يكذب التاجر ونسمي ذلك من ضرورات “طلب الرزق” أو شروط “لعبة البيع والشراء” أو مسطرة “العرض والطلب”، ويبدو أن الأسواق عامرة بالكذب ومع ذلك يرتادها الجميع ويجدون فيها متعة الاقتناء والمشاركة في لعبة الكذب كل على طريقته.
والحياة ثرية وجميلة بالكذب حتى يبدو وكأنه ملحها وطاقتها التي تجعل منها شيئاً مرغوباً ومشتهى، بل تبدو الحياة من دون الكذب جافة ومملة وتدعو إلى الانتحار.
والكذب استراتيجية في تكريس غواية الحياة، فيكذب العاشق كي يحمي نور شمعة من أن ينطفئ برياح تهدده من كل الجهات، يكذب ونتعاطف معه لأن قصص الحب هي طاقة سحرية تعين البشر على مواجهة الكراهية والعنصرية وجفاف العلاقات الإنسانية التي تتعرض يوماً بعد آخر للتجفيف، ونسمي هذا الكذب “سلاح العاشق لحراسة بستان العشق”.
بعيداً من ثنائية التحريم والتحليل، ظل الكذب عبر التاريخ منجماً لقيم الاستدراج السياسي والافتتان الفني والأدبي وللمغامرة الحياتية الفردية والجماعية.
- إندبندنت



























