في سوريا، ما قبل سقوط الأسد بجثته السياسية الثقيلة، كان سلوك السلطة يرسم مفاهيم مشوهة وشاذة للدولة عن المفاهيم السياسية والقانونية والتقليدية المتعارف عليها عالميا. فـ(دولة الأسد) هي نظام حكم أمني يتنفس عبر أجهزة الاستخبارات ويمارس الإجرام العسكري والاقتصادي بحق الشعب السوري تحت عناوين رنانة كهيبة الدولة وأمن الوطن، وتديره من الخلف “الدولة العميقة” التي بقيت في ظل (الأسدين) ترسخ حكم الاستبداد والقمع، وتخرج هي أيضا بإدارتها المتوحشة عن المعنى المألوف للدولة العميقة في قاموس السياسات الدولية، لأنها لم تكن بتعريفها التقليدي مجموعة من الخبراء السياسيين والعسكريين والاقتصاديين الذين يضعون الخطط للبلاد، بل كانت عصابة معقدة من الأجهزة الأمنية كالمخابرات الجوية والأمن العسكري أحكمت قبضتها على البلاد وجثمت عقودا على صدور السوريين، وكانت الأذرع الطويلة للنظام والقادرة على أن تصل لكل مفاصل الدولة، حيث حولت المؤسسات الحكومية إلى أدوات تنفيذية لأجندات النظام، وأنشأت اقتصاد الظل في سوريا، واتبعت سياسة الإذلال للمواطنين، وكانت عرابة السجون وغرف التعذيب لتضمن بقاء النظام.
فهذه العصابة هي (الدولة العميقة للنظام السابق) التي أنشأها حافظ الأسد منذ وصوله إلى السلطة في السبعينات، وعملت أيضا ليصل ابنه بشار إلى الحكم، حيث ضربت عرض الحائط بالدستور وغيرت بنوده في عدة دقائق دون استفتاء شعبي. فلم تكن هذه العصابة مجرد مجموعة من المسؤولين المحيطين بالحاكم، بل هي شبكة استخبارات وفساد اقتصادي متغلغلة في جذور الدولة، تقودها الحاشية العسكرية لنظام الأسد المخلوع ورجال الأعمال الموالون له، والذين سيطروا على المشهد السياسي والاقتصادي، فبنوا وهم “(القائد الخالد)” وقلاعا يصعب تفكيكها من الفساد الإداري والاقتصادي وحتى الاجتماعي.
واليوم، بعد انتصار الثورة، تواجه سوريا الجديدة معضلة تفكيك ما تبقى من إرث هذه الدولة العميقة، وهي مهمة صعبة وشاقة تتطلب إصلاحات حقيقية وإرادة سياسية وإجراءات طويلة وحذرة، فالألغام العميقة حول جثة النظام الساقط غير مرئية ولها فتيل خارجي أيضا.
ما هي الدولة العميقة وكيف ظهرت في سوريا؟
يختلف تعريف الدولة العميقة في سوريا ما قبل الثورة عن معناها وتعريفها الكلاسيكي في نسخة مشوهة من تجارب الدول العميقة، خاصة في الغرب، التي يرتبط عادة فيها هذا المصطلح بجهاز إداري وبيروقراطي راسخ يتفاعل مع القوى السياسية فيؤثر في القرارات بما يتجاوز التوجهات الآنية للأحزاب أو الفرقاء، كما في الولايات المتحدة أو فرنسا أو ألمانيا. أما في عهد النظام المخلوع فقد كانت دولته العميقة نظاما أمنيا مرتبطا بشبكات الفساد الاقتصادي.
يعود تاريخ ظهور النواة الأولى للدولة العميقة إلى زمن الانتداب الفرنسي على سوريا، حيث أدار الضباط الفرنسيون عبر عملاء محليين أجهزة الدولة السورية ومؤسساتها من الخلف، وكان القرار الحقيقي في إدارة شؤون البلاد بيدهم، وهذا شكل أول تجربة لقيام كيان خفي يتحكم بالقرار السياسي والاقتصادي لسوريا. ولم يتغير حالها كثيرا بعد الاستقلال، حيث ظهر مرض الأجهزة الأمنية ليجلس على كرسي الدولة العميقة ويخطف أماكن النخب السياسية والاقتصادية في اتخاذ قرار البلاد.
ومع سيطرة نظام الأسد على السلطة في السبعينات، أعاد حافظ الأسد تشكيل الدولة العميقة بما يضمن استمرار حكمه وبطشه، فكانت مزيجا من الأجهزة الأمنية والجيش المرتبطة بمصالح اقتصادية وسياسية مغلقة. تدير المؤسسات الرسمية وتملي عليها قراراتها وتوجه الرأي العام، وتؤدلج الأجيال عبر أصابعها التي امتدت إلى التعليم والأحزاب السياسية لتعتقل تطور الفكر السياسي السوري ضمن (نظرية الحزب الواحد والقائد الخالد).
وبقيت الدولة العميقة تدير المشهد السوري حتى تغولت أكثر في عهد بشار الأسد المخلوع، واستأثرت الأجهزة الأمنية في إدارة المشهد السياسي والمجتمعي والاقتصادي، وبات السوريون تحت سياط الأفرع الأمنية التي تتدخل في أبسط تفاصيل حياتهم مقابل ما تدعي أنه بسط الأمان وتأمين رغيف الخبز في سوريا المتنوعة بالثروات.
ومع اندلاع الثورة السورية لم تعد الدولة العميقة خفية، لأنها انتقلت من العمق إلى الواجهة، وبات مفهومها أكثر تشويها، ولم يعد هناك مسافة بين الدولة العميقة والدولة الأساسية، حيث تولت أجهزة المخابرات مفاصل الحكم والتحكم، وبات حتى التوظيف أو استئجار منزل يتطلب موافقة أمنية.
ورغم كل المقاصل الأمنية التي نصبت للشعب السوري الثائر، إلا أن الثورة كشفت هشاشة الدولة العميقة التي هزت المظاهرات والاحتجاج أركان أساسها الأمني، وسرعان ما استنجدت بالقوى الخارجية، وهنا كان مقتلها، إذ تداخل قرار الدول الداعمة لها مع قرارها الذي تم ابتلاعه في نهاية المطاف من الروسي والإيراني والميليشيات المسلحة على الأرض. فلم تعد الدولة العميقة كيانا واحدا، بل كانتونات للنفوذ المتعدد ومرجعيات لا تستطيع دولة الأسد العميقة الخروج عن طاعتها، مما زاد المشهد السوري تعقيدا لدرجة أن الأسد المخلوع لم يكن يستطيع اتخاذ قرار واحد في سوريا سوى اعتقال المواطنين وتعذيبهم.
أما اليوم فتواجه الدولة السورية الجديدة تحديات كبرى لتفكيك مخلفات دولة استخبارات الأسد المخلوع، فكيف يمكن تفكيك هذه “الدولة العميقة” التي تهدد بما رسخته من فساد بتقويض أي عملية إصلاح حقيقية، خاصة في المجال الاقتصادي والاستخباراتي؟ في الواقع نرى توجها للدولة السورية الجديدة نحو إصلاح الأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية واقتلاع اقتصاد الظل، حيث تعتبر هذه الخطوات الكبرى من أهم عوامل تفكيك ما يسمى الدولة العميقة لنظام الأسد المخلوع.
تفكيك “الألغام”
من أصعب التحديات التي تواجهها الحكومة السورية الجديدة اليوم هو تخليص المؤسسات الحكومية من أصابع التلاعب الأمني والاستخباراتي التي لا تزال عالقة بفعل تخفي الفلول الأمنية والعملاء فيها تحت ستار مدني وعمالي أو حتى محايد، فالأجهزة الأمنية لنظام الأسد كانت شبكة واسعة مزروعة في كل زاوية ضمن مؤسسات الدولة. وربما انهار جزء كبير منها مع سقوط النظام، إلا أن ما تبقى منها له ارتباطات خارجية ويعمل في الخفاء، وتحاول الحكومة السورية تنظيف المؤسسات والوزارات السورية منه، وهذا يتطلب بالضرورة بناء أجهزة أمنية وشرطية محترفة.
وعلى الرغم من سعي الحكومة السورية الجديدة إلى تأسيس جهاز جديد للشرطة بدماء جديدة وخبرات قديمة، إلا أن النظام الشرطي كله في سوريا يحتاج إلى إعادة هيكلة واعتبار أيضا، فالدور المهيمن للأجهزة الأمنية في نظام الأسد المخلوع، خصوصا المخابرات الجوية والأمن العسكري، جعل من الشرطة المحلية تابعة لها تنفذ تعليماتها لدرجة أن مفهوم الشرطة المدنية في سوريا سقط بشكل كامل، واقتصر على تسهيل حركة المرور والجنح الصغيرة، وباتت المخافر تعمل بإيعاز من قوى الأمن والاستخبارات، مما سمح بانتشار ظواهر التشبيح حتى على جهاز الشرطة.
واليوم تبذل وزارة الداخلية السورية جهودا لتطوير قوى الشرطة المدنية بهدف كسر هيمنة الأجهزة الأمنية على الحياة اليومية، وتدريب الشرطة على التعامل مع القضايا الجنائية من دون التدخل الأمني المباشر. هذا التحول يستدعي بناء ثقافة شرطة مهنية تعمل على تطبيق القانون وتوفير الأمان للمواطنين.
كما أن إعادة هيكلة مجلس الأمن القومي من قبل الدولة السورية الجديدة يساهم إلى حد كبير في تفكيك الدولة العميقة للنظام الساقط، حيث يعمل منذ تأسيسه بوصفه محورا للتنسيق بين عمل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المختلفة للدولة الجديدة وتوجيهها نحو هدف واحد: إعادة بناء النظام الأمني بشكل لا يكرر نفس الممارسات القمعية السابقة.
الإصلاح القضائي والخطوة الكبرى
يعتبر الفساد في سوريا من أكبر الشبكات التي تتغذى عليها الدولة العميقة للنظام، بل هو أداتها الأولى للاستمرارية، خاصة مع تلاقي مصالح الأجهزة العسكرية والاستخباراتية مع مصالح الاقتصاديين والتجار، وهو ما نتج عنه فساد شوه النظام الاقتصادي وحول المؤسسات الحكومية إلى آلات تنتج القوانين والقرارات لصالح التجار الفاسدين في الدولة العميقة، والذين احتكروا المشهد الاقتصادي وضربوا على معدة المواطن، واستثمروا حتى في “قانون قيصر” والعقوبات، حيث استغلوا المقاطعة الاقتصادية للبلاد ليجلسوا على رصيف المرحلة بتجارتهم، يحتكرون السلع ليبيعوها أضعافا للمواطنين السوريين. كما أن غياب القانون وسع شبكات الفساد التي ابتلعت كل مظاهر دولة القانون، وباتت سوريا شبكة كبيرة من الفساد في زمن الأسد المخلوع بعد أن كانت منارة الشرق في الحضارة والقانون.
واليوم تبدأ مكافحة الفساد بإصلاح القضاء، حيث تعتبر المؤسسة القضائية في سوريا من أكثر المؤسسات التي تحتاج إلى إصلاح جذري يخرجها من خانة التبعية التامة للسلطة التنفيذية التي كان يعاني منها الجهاز القضائي في ظل النظام الساقط. وقد بدأت الدولة السورية الجديدة بإصلاح القضاء من خلال عملية إعادة الهيكلة التي تهدف إلى تعزيز استقلالية القضاء وتطهيره من القضاة الذين كانوا متورطين في شبكات فساد مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو المصالح الاقتصادية المرتبطة بالنظام المخلوع، وتثبيت استقلالية السلطة القضائية وفق دستور 2025.
كما تم إلغاء الملاحقات، حيث صدرت قرارات بإلغاء الملاحقات القضائية التعسفية السابقة، مما أعاد الحقوق المدنية لآلاف السوريين وساهم في ترميم الثقة بالمؤسسات القانونية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن محاكمة الرموز الكبرى للنظام المخلوع تعتبر جزءا أساسيا في تطبيق العدالة الانتقالية ومحو آثار الفساد والانتهاكات التي استمرت لعقود. حيث أعلنت وزارة العدل في تشرين الثاني 2025 عن اعتقال نحو 100 شخص من كبار المسؤولين في النظام الساقط، من بينهم شخصيات أمنية وعسكرية كبيرة. هذا الإعلان يمثل خطوة نحو محاسبة المجرمين وتفكيك شبكات الفساد التي استنزفت سوريا على مدى سنوات.
اقتلاع اقتصاد الظل وشبكات أمراء الحرب
في الواقع، إن الأنظمة الديكتاتورية والأنظمة الفاسدة والأنظمة الشمولية والأنظمة ذات الأيديولوجيا الخاصة بها، وأيضا الأنظمة التي يطول أمد وجودها في السلطة، تشكل أدواتها وتشكل دويلاتها الخاصة، سواء في الاقتصاد أو في الأمن أو في التجارة أو في الثروة أو في البنية التحتية أو في النقد أو في الصادرات أو الواردات أو الاستثمارات، وكلها شكل من أشكال اقتصاد الظل، لأنها خارج السياق القانوني للدولة وخارج القواعد التنظيمية وخارج المساءلة، لأنها اقتصاديات الأشخاص النافذين الذين يقيمون لهم خلايا هنا وهناك تعمل بعيدا عن المساءلة أو المحاسبة أو الالتزام بالأنظمة والقوانين والتعليمات، وتنشئ نوعا من الجيوش الاقتصادية الخاصة لها في قطاعات مختلفة، سواء كانت تقليدية أو جديدة، وبالتالي تعيد أو تشكل المشهد الاقتصادي على غير حقيقته، وتحمل الدولة والمجتمع والناس تكاليف وأعباء هذا الاقتصاد غير الرسمي المنظم على شكل اقتصاديات خاصة لهذا الطرف أو لهذه المجموعة أو لهذا المسؤول.
وفي الحالة السورية تشكلت خلال 14 عاما شبكات من أمراء الحرب في اقتصاد الظل وتجذرت ضمن المشهد الاقتصادي السوري لدرجة بات صعبا على الحكومة السورية الجديدة تفكيكها واقتلاعها بسهولة، بحسب ما يقول الباحث الاقتصادي والاستراتيجي، الدكتور حسام عايش، في لقائه مع صحيفة “الثورة السورية”، الذي يرى أن اقتصاد الظل في الدول يتناسب طرديا مع الفساد ومع الشمولية ومع غياب سلطة القانون، فكلما زاد غياب سلطة القانون زاد وتعمق اقتصاد الظل والاقتصاد غير الرسمي. وهذا الاقتصاد قد يتضمن أيضا أشكالا مختلفة من الاقتصاد الأسود والاتجار بالبشر والاتجار بالرقيق والاتجار بالسلاح والاتجار بالمخدرات وغيرها من الأشكال المختلفة للاتجار بالآثار وبالثروات الخاصة بالبلاد.
وعلى هذا الأساس، فإن أي منظومة اقتصادية جديدة لا بد لها أن تعمل على تفكيك اقتصاد الظل أو الاقتصاد غير الرسمي أو الاقتصاد الأسود في مجتمعها، حتى يمكن تحرير هذا الجزء الكبير من الاقتصاد من إدارة الأشخاص ومن الفساد ومن عدم الاندماج في الاقتصاد الرسمي، بما يؤدي إلى نشاط اقتصادي أكبر وإلى فعالية اقتصادية أوسع وإلى عائد اقتصادي على مستوى مجتمعي عام وعلى مستوى إيرادات الدولة التي تنفق هذا العائد من دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، ومن أيضا منع الاقتصاد الأسود من أن يكون أحد أشكال الاقتصاد حتى لو كان رسميا، بمعنى أن يكون جزءا من المنظومة الاقتصادية.
كيف تفكك سوريا اقتصاد (النظام الأسود)؟
يؤكد الباحث الاقتصادي الدكتور حسام عايش، أن تفكيك اقتصاد الظل الموروث من الدولة العميقة للنظام السابق يبدأ أولا بالتعرف على حجم هذا الاقتصاد إن أمكن ذلك، فكلما كانت الدول أو المجتمعات أقل في معايير القانون والقضاء والشفافية والمحاسبة، وأكثر في معايير الاستبداد وفي غياب سلطة القانون، كان الاقتصاد غير الرسمي فيها أو غير المنظم أكبر وأوسع نسبة إلى إجمالي الناتج المحلي في هذه الدولة.
فمثلا يمكن أن نقدر في دولة مثل الأردن حجم الاقتصاد غير الرسمي بحوالي 25%، حيث يتراوح بين 24% و26%، والبعض يقدره بـ15%، وجهات أخرى تقدره بحوالي 30% و35%، لكن في الحصيلة يشكل المعدل حوالي 25% وهو ربع الاقتصاد المجمل، مع العلم أن الاقتصاد الأردني اقتصاد مبني على قواعد المنافسة وعلى العرض والطلب، وهو اقتصاد رأسمالي ليبرالي حر يخضع لقانون ونظام مستقر وراسخ، ومع ذلك يوجد اقتصاد غير رسمي. فما بالك في دولة مثل سوريا غابت عنها وفيها كل قواعد النظام والقانون خلال 14 سنة ماضية وتحول معظم الاقتصاد السوري إلى اقتصاد غير رسمي.
فعندما يكون مثلا قطاع الاقتصادات في سوريا تابعا لفرد واحد، فهذا يعني أن هناك استئثارا بكعكة هذا الاقتصاد لصالح أشخاص أو أفراد بعينهم. فالشكل كأنه علني، لكن في العمق هو اقتصاد غير رسمي. وعلى هذا الأساس لا بد أن نعرف حجم الاقتصاد غير الرسمي من الناتج المحلي الإجمالي، وأتوقع أنه أكبر من 50% في سوريا لأسباب مختلفة، منها الحرب وضياع إمكانية المحاسبة والمسائلة، وأيضا لتمويل العمليات العسكرية هنا وهناك، وبالتالي ضاعت طاسة الاقتصاد العام في طاسة الاقتصاد غير الرسمي، هذا أولا.
أما ثانيا، فيضيف عايش، لا بد أن نتحرى عن القطاعات الاقتصادية الأكثر تأثرا بالاقتصاد غير الرسمي فيها، وباعتقادي أن كل القطاعات الاقتصادية في سوريا بنسب متفاوتة بأشكال من الاقتصاد غير الرسمي أو الاقتصاد غير المنظم فيها، إذ نحن نتحدث عن منظومة شاملة.
أما الأمر الثالث فيتعلق بالكيفية التي يعمل بها هذا الاقتصاد غير الرسمي، وما هي أدواته ووسائله وتقنياته، وهذا ما يفترض أن يتم العمل عليه بشكل عام وبشكل قطاعي.
أما رابعا، فيجب معرفة الأشخاص الفاعلين في هذا الاقتصاد غير الرسمي من أجل أن يتم إما تحييدهم أو مساءلتهم أو تحرير الاقتصاد من براثنهم. كما أن تفكيك اقتصاد الظل له علاقة بالقواعد التنظيمية المنظمة للعملية الاقتصادية التي تجسر العلاقة بين الاقتصاد غير الرسمي والاقتصاد الرسمي وتيسر هذا التجسير، وتسمح بتحول جزء مهم من العمليات الاقتصادية التي تتم في الخفاء إلى أن تكون علنية عبر إدماجها بأشكال مختلفة في الاقتصاد الرسمي، وبالذات عندما نتحدث عن الأعباء الضريبية التي يمكن أن تفرض عليها، والتي يفترض أن تكون مخففة في أول سنوات الاندماج، ثم ترتفع رويدا رويدا إلى مستويات أخرى كلما زاد حجم اندماج غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي.
ويؤكد الباحث الاستراتيجي أيضا أنه لا بد من أن يكون هناك مساءلة ومحاسبة فيما يتعلق بسؤال “من أين لك هذا؟”، وهذا أمر في غاية الأهمية على صعيد التعرف على عمق الاقتصاد الرسمي من عدمه. كما لا بد من أن نكون على بينة من الطريقة التي يفترض أن يعمل بها الاقتصاد الجديد: هل سيعمل بطريقة مركزية؟ هل سيكون عبر طريق المبادرة الفردية؟ هل سيكون القطاع الخاص هو اللاعب الرئيسي؟ لأن كل شكل من أشكال التنظيم الاقتصادي تفرض أدواته وسياساته فيما يتعلق بالاقتصاد غير الرسمي المصاحب لها أو الذي يعمل من خلالها.
بالإضافة إلى أنه لا بد من أن يكون لدينا معرفة أشمل بالمناحي أو الفرص أو الحوافز التي يمكن تقديمها لدمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي. ويجب أيضا أن نتعرف على العاملين في أنواع الاقتصادات غير الرسمية أو غير المنظمة: هل هم من الشباب؟ هل هم من الذكور؟ هل هم من الإناث؟ هل هم من الغالبية لفئة معينة من الفئات أكثر من غيرها؟ وذلك للتوجه إليها بشكل أفضل وفق برنامج وربما حزم تحفيزية مختلفة تؤثر على نوعية الشريحة الأكثر سيادة أو حضورا في هذا الشكل من الاقتصاد.
كما لا بد أيضا من أن نتعرف على المناطق الجغرافية التي يعمل فيها الاقتصاد غير الرسمي بشكل أكبر من المناطق الأخرى، بحيث تكون هناك خطط وبرامج للتعامل مع كل منطقة وفق مطالبات الحاجة الاقتصادية والفنية والإدارية والتسويقية والترويجية والقانونية. كما لا بد من مراقبة المنافذ الحدودية بشكل أكبر، وهذا يستدعي أن يكون هناك أشخاص مؤهلون ومدربون وقادرون على تتبع حركة ونشاط العاملين في الاقتصاد غير الرسمي.
وأيضا كلما تحسن الوضع الاقتصادي للناس وكلما تحسن معدل الدخل، كانت عواقب الاندماج في الاقتصاد الرسمي أقل من عواقب العمل في الاقتصاد غير الرسمي، وكلما أدى ذلك إلى مزيد من تفكيك هذا الاقتصاد غير الرسمي، وبالتالي اندماجه أكثر في الاقتصاد الرسمي.
عفو اقتصادي وخطط زمنية للدمج
يشير الباحث الاقتصادي حسام عايش إلى أنه لا بد أن يكون لدينا خطة زمنية ثلاث سنوات أو خمس سنوات من أجل إدماج ما يمكن إدماجه من الاقتصاد غير المنظم ضمن الاقتصاد الرسمي. كما يجب أن تكون لدى الوزارات والجهات المعنية، بما فيها سلطة إنفاذ القانون، المعرفة بكيفية إدارة العلاقة التنظيمية والإدارية والقانونية والإجرائية مع الفاعلين في الاقتصاد غير الرسمي من أجل تفكيك العلاقات الشبكية فيما بينهم، وهذا أمر في غاية الأهمية.
وأيضا لا بد من أن تكون هناك بداية اقتصادية جديدة، بحيث يتاح المجال لكل العاملين في الاقتصاد غير الرسمي لأن يصبحوا جزءا من التنظيم الاقتصادي العام العلني، بمعنى أن هناك ربما فترة سماح أو عفوا اقتصاديا عن العاملين في الاقتصاد غير الرسمي لأن يكونوا جزءا من المنظومة الاقتصادية القانونية، وبالتالي نعيد دمجهم في العملية الاقتصادية على مستوى الأفراد أو على مستوى القطاعات العاملة في الاقتصاد غير الرسمي أو الاقتصاد غير المنظم.
وفي جميع الأحوال، من مطالبات إدماج هذا الاقتصاد غير الرسمي وتفكيك شبكاته الحقيقة هو الاستقرار الأمني، ومن ثم الاستقرار الاقتصادي، ومن ثم بدء عملية التنمية الاقتصادية، وأيضا الإعلان عن أن المشاركين في هذه العملية يفترض أن يكونوا نظاميين مرخصين خاضعين للقانون وملتزمين بأداء واجباتهم المالية والمختلفة.
وأيضا لا بد من أن تكون هناك مؤسسات كمؤسسات الضمان الاجتماعي ومؤسسات أخرى مماثلة تدمج العاملين في القطاعات المختلفة ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، ما يعني أن كثيرين سيفضلون الانفكاك عن شبكات الاقتصاد غير المنظم للاستفادة من عائد حماية قانونية واجتماعية وصحية يوفرها العمل في الاقتصاد الرسمي العام الخاضع للنظام والقانون والمتابعة والمساءلة، والذي يقوم بأداء واجباته فيما يتعلق بالضرائب والرسوم المختلفة، وبالتالي يكونون أكثر أمنا في مواجهة القانون وفي القيام بالأنشطة المختلفة دون مخاوف ودون مطاردة ودون إضاعة للوقت والجهد.
الحكومة (حكم اقتصادي) وليست شريكا
كما يشدد الدكتور عايش على ضرورة توعية الناس بأهمية الانتقال من مرحلة الظل إلى مرحلة العلن، ومن مرحلة الاستبداد الاقتصادي إلى مرحلة الحرية الاقتصادية، ومن مرحلة الإخفاء والاختفاء ضمن منظومات غير معلنة إلى مرحلة العلنية والعمل تحت شعة الشمس، وتبديد المخاوف. فهناك من يعمل بالطرق غير الرسمية خوفا من بطش الجهات الرسمية أو من استيلائها على مقدراته، سواء كان شخصا أو مؤسسة.
وبالتالي، يجب أن تكون الحكومة حكما في الاقتصاد لا مشاركة فيه، وأن تكون منظمة للإجراءات والسياسات لا محتكرة للنشاط الاقتصادي، وأن تكون لاعبا ييسر العملية الاقتصادية لا مشاركا مضاربا فيها. وهذا كله، لا شك، سيعزز من إمكانيات تفكيك الشبكات الاقتصادية غير الرسمية، ويؤدي في النهاية إلى شكل من أشكال الدمج بين هذا الاقتصاد والاقتصاد العام.
ومن الصعب مكان القول إن بالإمكان أن يكون هناك حل ناجع ونهائي لمشكلة الاقتصاد غير الرسمي أو غير المنظم، لكن يمكن القول إنه كلما تحسنت الأوضاع الاقتصادية والقانونية والتشريعية والإجراءات التنظيمية، وكلما قل حجم الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاديات المختلفة، وكلما كانت البيئة التشريعية والقانونية والاستثمارية العامة أكثر وضوحا وأكثر قربا من العمل الاقتصادي ومن الناس، أدى ذلك إلى انخفاض الحاجة للاقتصاد غير الرسمي.
وكلما كان دور الحكومات أكثر رقابة وأكثر حرصا على منع الاحتكار، وأكثر دافعية نحو قوانين المنافسة، كان ذلك أدعى لانخفاض الحاجة للانخراط في الاقتصاد غير الرسمي. ونحن هنا نميز بين الاقتصاد غير الرسمي أو غير المنظم الذي هو اقتصاد بمجمله شرعي لكنه لا يعمل وفق القانون والنظام، وبين الاقتصاد الأسود الذي لا يمكن تشريعه في أي مجتمع أو أي دولة من طراز اقتصاد أسود في المخدرات أو في الاتجار بالبشر أو بالسلاح أو بالرقيق أو غيرها من أنواع الاقتصاديات الأخرى.
ويختم الباحث الاقتصادي حسام عايش، بأن سوريا أمام فرصة لأن تصفر العداد الاقتصادي وأن تبدأ على بياض، وبالتالي أن يكون هناك إمكانية لطمس الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي. وهذا يستدعي تفكيك كل المنظومات الفاسدة، أو أحيانا الإجرامية، المتحكمة بأشكال مختلفة من القطاعات والفعاليات الاقتصادية، وعلى قاعدة القانون وعلى قاعدة البداية الجديدة وعلى قاعدة أن الاقتصاد يعمل من أجل الناس وليس من أجل نفسه فقط.
التحول من نظام القمع إلى خدمة المواطن
على الرغم من نجاح الثورة السورية في إسقاط العديد من جوانب النظام، إلا أن هذه “الدولة العميقة” التي ربطت بين الأجهزة الأمنية والاقتصاد غير الرسمي ما زالت قادرة على التأثير في الواقع السوري، وعرقلة تطور أي مسار حقيقي للإصلاح. ولذا أصبح تفكيك هذه الدولة العميقة جزءا أساسيا من كل محاولات الإصلاح التي تقوم بها الدولة السورية الجديدة، وأهمها التخلص من الإرث القمعي للنظام المخلوع، خاصة في السلوك الاستخباراتي والأمني للدولة الجديدة وتوظيفه لخدمة المواطن.
وهذا يتطلب تفعِيلا لدور الإدارات المحلية في المحافظات، والتنسيق بين كل الأجهزة والمؤسسات في البلاد عبر وضوح المهمات وعدم تطاول أو تسلط أجهزة الاستخبارات والأمن على مؤسسات الدولة، وإسقاط مفهوم الدولة الأمنية الذي اختطف لعقود سوريا صاحبة أقدم شرائع حقوق الإنسان في العالم.
- الثورة السورية


























