فعلتها -الدولة السورية الجديدة- ببدء استئصال “فقاعة الأوهام” في حلب، وقد تضخّمت بمزيد من الخدمات تؤدّيها، والوظائف تقضيها لهذا أو ذاك من المتصارعين في الحلبة السورية، واستمرّت تتأرجح لعقد ونيف، تعتاش على دماء السوريين ومعاناتهم وتضحياتهم، تعلن الدولة – بتسلسل خطوات مسيرها، من حي بني زيد إلى الأشرفية، لتختمها في الشيخ مقصود- أن سورية واحدة لا تقبل القسمة على اثنين أو أكثر، ولا الإقامة في غرف الإنعاش الدولية أو الانتظار.
ليس مجرد إزاحة لخطوط التماس، ما حدث في حلب، بل زلزالٌ أعاد ترتيب الأوراق فوق طاولة التفاوض، فارتفعت السقوف لتلامست عنان السيادة الكاملة، بينما يترجّل اليوم مَن صعد مزهوّاً أعلى الشجرة؛ إذ سقطت المظلات الدولية التي ظنّ البعض أنها ستحمي مشاريع ” الإدارات الذاتية والانفصال وتقرير المصير والمناطق العازلة “!
حلب كانت دائماً بوصلة الاقتصاد السوري وقلبه النابض، وعودتها اليوم، تعني أن موازين القوى تغيّرت، لتقول الوقائع: إن “الدولة الموحّدة”، لا ترضى بغير الموارد الوطنية الكاملة ثمناً لاستقرارها، وأثبتت أن سلاحها الأمضى لتحقيق أحلام شعبها، وحبرها الأوضح الذي تكتب به رسالتها الأقسى لـ”قسد” المترنّح خلف أوهام الدعم الخارجي الدائم- ولم تقرأ كِبراً قبل جهلاً- التوجّهات الأمريكية والدولية؛ فحين تنهض حلب، تهتز الأرض بمشاريع الانفصال في الشرق، وتنكشف الرؤوس التي استظلّت طويلاً بحماية الخارج، عراة أمام حقيقة معروفة: أن العباءة الأمريكية رقيقة، لا تقي برد التحوّلات الكبرى، وأن التفاهمات الإقليمية الجديدة، لن ترحم من جعل من نفسه أداة لتمزيق نسيج الوطن.
عملية حلب “الجراحية” –كما يقال- “سيّلت” الجمود السياسي؛ فحين تعود حلب بكامل “مشمشها” وثقلها التاريخي والجيوسياسي، يرتفع سقف الدولة إلى “فرض السيادة على الحقول” لا “المساومة على المعابر”، واستعادة “الرحم المنتج” في الجزيرة السورية ليلتحم برئة حلب الصناعية، لا الحديث عن النفط المغشوش، أو ما تمنّ به “قسد” على السوريين من بقايا القمح! وبذلك يتحقّق القول: إن البلد لا يعمر بالهبات والعطايا، ولا ينهض بالوكلاء، بل حين تُفقأ فقاعة “قسد” الوظيفية حارساً لمصالح الغير، وهي تستنزف خيرات السوريين وأموالهم ودماءهم، تروم تحقيق أوهام.
إن بداية سقوط فقاعة “قسد”، سقوطٌ حتمي لقطع الدومينو التي صُممت في مختبرات التفتيت االإسرائيلية؛ فبانتهاء هذا المشروع، تتهاوى تلقائياً كل “المظلات” غير المرئية التي حاولت استنساخ نماذج الانفصال في السويداء والساحل. ببداية فقْء الفقاعة، يتبلور مشروع تجفيف منابع الوهم المُغوية بالخروج على الدولة.
ولقطع الطريق على طموح خلق كيانات مجهرية ممزّقة، تُبقي سورية نازفة باقتتالها لاحقاً، لا بدّ من تشاركية ينظمها عقد اجتماعي، يكرّس دولة المواطنة، يرسم ملامحه السوريون بطوائفهم وإثنياتهم وأديانهم. وبذلك يفرض زخم حلب صورة سورية المشتهاة، بتفعيل العدالة الانتقالية أولاً، والمؤسسات التشريعية، فلا تترك مكاناً للمشاريع المائعة، ولا جذوراً للارتهان في الجزيرة، وتُؤمّن حصانة الجنوب، وتصون هوية الساحل، لتغدو سورية جسماً واحداً منيعاً، عامرةً بفيض خيراتها ووحدة مصير أبنائها من جبل العرب إلى ضفاف الفرات، ومن جبال الساحل إلى البادية.
أخيراً.. بعد كلّ ما فعلته وستفعله، سيكتشف العالم دور “قسد” في خراب البلد!
- رئيس التحرير





















