من بين القضايا التي تجسّد بوضوح كيفيّة اعتماد النظام على اتّهامات عشوائيّة، واعترافات انتُزعت تحت التعذيب، وشبكات مخبرين غذّت منظومة صناعيّة من الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسريّ والموت، تبرز قضيّة عبدو خروف، وهو خطيب مسلم معتدل يبلغ من العمر 60 عاماً، من أحد أحياء دمشق الفقيرة.
بحسب وثيقة نشرها تحقيق “وول ستريت جورنال”، تعود إلى تمّوز 2020، استدعى ضابط استخبارات سوريّ خروف بحجّة المساعدة في حلّ نزاع عائليّ. لكن بدلاً من ذلك، جرى اعتقاله ونقله إلى سجن سرّيّ في قبو مجمّع أمنيّ بوسط دمشق، حيث خضع للاستجواب وتوفّي لاحقاً. لم تُسلَّم جثّته لعائلته. على مدى سنوات، لم تعرف العائلة سبب استهداف خروف، على الرغم من أنّه كان قد انسحب من العمل السياسيّ وأصبح يلقي خطباً دينيّة معتمَدة من الدولة.
وشاية قريب له
تغيّر ذلك بعد اطّلاعهم على جزء من ملفّه الأمنيّ الذي كُشف عقب سقوط النظام. تُظهر الوثائق أنّ التحقيق مع خروف استند جزئيّاً إلى شهادة منسوبة إلى قريب بعيد له، هو محمود خروف، مقاتل سابق في صفوف المعارضة، كان قد اعتُقل واستُجوب في السجن نفسه. وفقاً للملفّ، اتّهم محمود الإمام بمساعدة فصائل معارضة، وهو اتّهام تنفيه العائلة.
بينما تعد الحكومة السوريّة الجديدة بالتحقيق في جرائم عهد الأسد، يجعل حجم الانتهاكات هذه المهمّة هائلة
بحسب تحقيق الصحيفة، يُنكر محمود خروف أنّه ذكر اسم قريبه، مؤكّداً أنّه تعرّض للتعذيب وأُجبر على توقيع اعترافات لم يُسمح له بقراءتها. مع ذلك، تعتقد عائلة عبدو خروف بصحّة الوثائق، وقطعت صلتها بمحمود، مقتنعة بأنّ شهادته أدّت إلى مقتل الإمام. بالنسبة لهم، جلبت هذه الملفّات شكلاً مؤلماً من “الإغلاق”، دليلاً على أنّ عبدو خروف لم يرتكب أيّ جرم، وأنّ اعتقاله كان نتيجة منظومة تقوم على انتزاع الاتّهامات بأيّ ثمن.

تمثّل قضيّة خروف واحدة من مئات الحالات التي وثّقها صحافيّون اطّلعوا على أكثر من ألف صفحة من وثائق الاستخبارات العسكريّة السوريّة، عُثر على بعضها مهجوراً في المكاتب، فيما أُخفي بعضها الآخر خلف جدران داخل مجمّع كفرسوسة الأمنيّ قرب ساحة الأمويّين في دمشق. بحسب “وول ستريت جورنال”، تكشف هذه الوثائق أنّ الأجهزة الاستخباريّة الأربعة الرئيسة في عهد الأسد شكّلت جهاز مراقبة شاملاً، يشبه بطبيعته جهاز “شتازي” في ألمانيا الشرقيّة أو أجهزة الشرطة السرّية في عهد ستالين. هي منظومة لم تكتفِ بمراقبة المعارضين، بل اخترقت الحياة اليوميّة للسوريّين، وحوّلت الخوف إلى أداة حكم فعّالة.
وشت به زوجته
تُظهر الملفّات أيضاً أنّ دولة المراقبة لم تقتصر على المعارضين. راقبت أجهزة الاستخبارات موظّفي الأمم المتّحدة، والدبلوماسيّين الأجانب، حتّى أجهزة أمنيّة سوريّة أخرى. أشار أحد التقارير إلى تتبّع دقيق لوفد من المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين في حلب، مع ذكر أسماء أفراده وأرقام هويّاتهم وفنادقهم وسيّاراتهم، وهو ما يؤكّد الشكوك الطويلة الأمد لدى العاملين الدوليّين في خضوعهم للمراقبة المستمرّة.

اعتُبرت أفعال بسيطة، مثل حيازة دولارات أو استخدام شرائح هاتف غير مسجّلة أو النشر على وسائل التواصل الاجتماعيّ أو انتقاد الدولة في جلسة خاصّة “جرائم” تستدعي التحقيق. كان الضبّاط يدوّنون ملاحظات على مكالمات هاتفيّة جرى التنصّت عليها، ويجمعون تقارير من شبكة مخبرين داخل سوريا وخارجها. امتلأت الملفّات الأمنيّة بنصوص مكالمات جرى التنصّت عليها وملاحظات مكتوبة بخطّ اليد وتقارير مخبرين. انتُزع كثير من “الاعترافات” تحت التعذيب، وهو ما أكّده ناجون وعدد من الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الوثائق، بحسب التحقيق.
من بين أبرز القضايا، حالة الممثّل السوري فراس الفقير، الذي دعم الاحتجاجات في بداياتها قبل أن يتراجع ويواصل العمل في التلفزيون الرسميّ. داخل منزله، كان يعبّر عن غضبه من النظام أمام زوجته هالة ديب. لكن في عام 2020، قامت الزوجة بتسجيل هذه الأحاديث سرّاً، وهدّدته بتسليمها إلى المخابرات ما لم يدفع لها المال.
تُظهر الوثائق أنّ هالة سلّمت بالفعل تسجيلاً واحداً على الأقلّ، ففتحت الاستخبارات العسكريّة إلى ملفّاً بحقّ الفقير. بل إنّ الاستخبارات طلبت من أحد مصادرها إقناعها بتأجيل الطلاق لجمع مزيد من المعلومات. خضع الفقير للاستجواب عدّة مرّات، وعاش في خوف دائم من الاعتقال، فلازم شقّته لفترات طويلة. على الرغم من أنّه تجنّب السجن في النهاية، تركت الخيانة جروحاً عميقة. عندما قرأ ملفّه الأمنيّ بعد سقوط النظام، قال: “أصعب شيء أن تُطعَن من أقرب الناس إليك”. انتقلت هالة لاحقاً إلى دبي ورفضت التعليق.
اختفاء 160 ألف شخص
أمّا الأساس العنيف لهذا النظام فيظهر بوضوح في شهادات متعلّقة بـ”الفرع 215″، أحد فروع الاستخبارات العسكريّة ذي السمعة الأكثر سوءاً. تشير شهادات معتقلين ومسؤولين سابقين، وردت في تحقيق “وول ستريت جورنال”، إلى أنّ هذا الفرع كان مركزاً للتعذيب الممنهج يضمّ سجوناً تحت الأرض وزنازين بلا نوافذ وأماكن حبس انفراديّ ضيّقة.
قال مسؤول سابق في الطبّ الشرعيّ العسكريّ إنّ وحدته كانت توثّق ما بين ثلاث إلى عشر جثث يوميّاً تأتي من الفرع خلال ذروة الحرب، معظمها تحمل آثار تعذيب واضحة. وفقاً للشبكة السوريّة لحقوق الإنسان، تعرّض أكثر من 160 ألف شخص للإخفاء القسريّ منذ عام 2011، فيما تشير تحقيقات دوليّة وحقوقيّة إلى أنّ آلاف المعتقلين قُتلوا داخل السجون ودُفنوا في مقابر جماعيّة.
تكشف هذه الوثائق أنّ الأجهزة الاستخباريّة الأربعة الرئيسة في عهد الأسد شكّلت جهاز مراقبة شاملاً، يشبه بطبيعته جهاز شتازي
تكشف الملفّات أنّ ضحايا المراقبة لم يكونوا بالضرورة شخصيّات معروفة. شملت الحالات عنصراً في “الخوذ البيض” أمضى سنوات في سجن صيدنايا، ومسؤولاً محلّيّاً سابقاً أُبلغ عنه فقط لأنّه نشر مكالمة فيديو مع أقارب في الخارج. ورصدت الاستخبارات تحرّكات وفود الأمم المتّحدة بدقّة شديدة، بما في ذلك أسماء الموظّفين وأماكن إقامتهم.
في حالة أخرى أوردها التحقيق، توضح الوثائق كيف يمكن للاعترافات القسريّة أن تمزّق المجتمع حتّى بعد سنوات. اعتُقل محمود حمّاني وهو في السابعة عشرة من عمره عام 2014، وتعرّض للتعذيب حتّى وقّع اعترافاً بانضمامه إلى مجموعة متمرّدة. يخدم حمّاني اليوم في قوّات الأمن التابعة للحكومة الجديدة، لكنّه لا يزال يواجه اتّهامات بالخيانة من قبل قادة معارضين وردت أسماؤهم في ملفّه الأمنيّ.
بحسب الصحيفة، تكشف هذه القصص مجتمعة عن منظومة قامت على الخوف والإكراه وانعدام الثقة. دُفع السوريّون إلى تبليغ بعضهم عن بعض للبقاء على قيد الحياة أو لتصفية حسابات شخصيّة أو للهروب من التعذيب. لم تكن النتيجة السجن والموت على نطاق واسع فقط، بل نشأ نتيجة ذلك مجتمع مصدوم لا يزال يتشكّك في من يمكن الوثوق به.
بينما تعد الحكومة السوريّة الجديدة بالتحقيق في جرائم عهد الأسد، يجعل حجم الانتهاكات هذه المهمّة هائلة. وبالنسبة لعائلات مثل عائلة خروف، وفّرت الملفّات الأمنيّة حقيقة قاسية وإحساساً متأخّراً بالإنصاف. أمّا بالنسبة للمجتمع السوريّ ككلّ، فتبقى هذه الملفّات شاهداً على نظام لم يكتفِ بالقمع، بل أعاد تشكيل المجتمع على أساس الخوف والوشاية، وهو إرث ثقيل ما يزال السوريّون يحاولون الخروج من ظلّه.
- أساس ميديا
























