ملخص
تقف إسرائيل وراء استمرار ودعم “قسد”، ليس حباً بالأكراد، لكن دعماً لاستراتيجية عدم الاستقرار السوري من جهة، وكنهج وجودي يعمل على تمزيق محيطها لدويلات طوائف وعرقيات عدة ومتصارعة دوماً، لكن تل أبيب تواجه ضغطاً أميركياً يحثها على التفاهم مع القيادة الجديدة في دمشق.
اتفقت الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مع قائدها مظلوم عبدي على الاندماج في الدولة السورية وإنهاء حالة الانفصال بالشرق السوري في مارس (آذار) 2025، وذلك مقابل مطالب مشروعة بتثبيت حقوق الأكراد ولغتهم وثقافتهم كالتزام دستوري بدولة سوريا الجديدة.
منذ ذلك التاريخ والاندماج لم يتحقق، وتاريخ التنفيذ يتمدد من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول) حتى اندلع الاقتتال بين الطرفين في حلب، ثاني أكبر المدن السورية، قبل أسبوعين، واستمر لعدة أيام خسر فيها الطرفان عشرات القتلى والجرحى وعشرات الآلاف من المهجرين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود بشرق حلب.
حسمت القوات الخاصة التابعة للدولة السورية المعركة خلال ساعات بمساعدة من قوات قبلية كانت بصف الأكراد، لكنها انقلبت عليهم بعدما ضاقت بهم ذرعاً، واستمر تراجع الأكراد إلى جيب صغير اليوم بتفاهمات وتقدم عسكري للقوات الحكومية السورية.
تأسست “قسد” قبل 10 أعوام وكانت شريكاً للولايات المتحدة الأميركية بشرق سوريا في محاربة “داعش”، وسيطرت على ما يقارب ربع مساحة سوريا في أهم مناطقها التي تحوي النفط والغاز (50 ألف كيلومتر مربع من أصل 185 ألف كيلومتر مربع إجمال مساحة سوريا)، لكنها كانت تسيطر على مناطق بشرق سوريا غالبية سكانها من العرب وليسوا من الأكراد الذين لا يشكلون أكثر من 20 في المئة من السكان.
ينحي معظم المراقبين باللائمة على الأكراد في المماطلة بتنفيذ اتفاق الاندماج بالدولة السورية الجديدة، ويرى الأكراد أن الاندماج يعني التنازل عن مكاسب نفطية وغازية تحققت لهم بالشرق السوري، ويعني الاندماج أيضاً نهاية مشروعهم الذي يطمحون بأن يكون شبيهاً بمشروع كردستان العراق التي أصبحت دولة داخل الدولة العراقية: لها علمها وسلامها الوطني ولغتها ومدارسها ونفطها –بل وحتى دخول بقية العراقيين إليها يحتاج إلى تأشيرة! أكراد سوريا منشقون بينهم، فهناك عناصر لا تزال متأثرة بحزب العمال الكردستاني المصنف كتنظيم إرهابي ليس من قبل تركيا وحدها بل من قبل الولايات المتحدة الأميركية نفسها.
وعلى رغم أن حزب العمال الكردستاني قد حل نفسه في مايو (أيار) الماضي، إلا أن طموحات بعض عناصره وكوادره بحلم الدولة الكردية المستقلة وتحقيق ذلك بالعمل المسلح لم تتلاش أو تنته. والمماطلة الكردية تراهن على عامل الوقت وتقلبات الدهر بمنطقة الشرق الأوسط وما أكثرها وأسرعها وأغربها، فقبل عام تقريباً، كان اسم الشرع أبا محمد الجولاني، وكان مطلوباً للولايات المتحدة الأميركية، وكانت جائزة معلومات تؤدي إلى اعتقاله تبلغ 10 ملايين دولار، ثم أصبح حليفاً محتملاً لواشنطن وشريكاً محتملاً للسلام مع إسرائيل.
تقف إسرائيل وراء استمرار ودعم “قسد”، ليس حباً بالأكراد، لكن دعماً لاستراتيجية عدم الاستقرار السوري من جهة، وكنهج وجودي يعمل على تمزيق محيطها لدويلات طوائف وعرقيات عدة ومتصارعة دوماً، لكن تل أبيب تواجه ضغطاً أميركياً يحثها على التفاهم مع القيادة الجديدة في دمشق، ويحث على استقرار سوريا أملاً في تحقيق مصالح واستثمارات ضخمة، ولقطع الطريق على عودة روسيا لسوريا أو دخول صيني مؤثر بها، والولايات المتحدة الأميركية تدرك التمزق الكردي واستحالة التوفيق بين أجنحته، ولا تريد أن تفرط بتحالفها مع تركيا من ناحية، ومع القادمين الجدد بسوريا ما بعد الأسد، وهو ما قاله السفير الأميركي لدى تركيا ومندوبها لسوريا توم باراك علانية، إن دور “قسد” انتهى، وعليها حل نفسها والاندماج بالدولة السورية.
خلاصة القول إن الأكراد ماطلوا وراهنوا على عوامل غير منطقية، وصعبة التحقيق، وليس لهم من حل سوى الاندماج بالدولة السورية الجديدة التي ستحقق لهم مطالبهم وتحفظ لهم حقوقهم كمواطنين سوريين بخصوصية قومية كردية، أما التسويف والمراوغة والمماطلة، فلن تؤتي ثمارها وقد يأتي يوم يندمون فيه على ضياع فرصة تاريخية للاندماج وتحقيق المطالب.
- إندبندنت






















