بعد استعادة الدولة السورية للمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة قسد في شرق سوريا، والتي سيطرت عليها الأخيرة بدعم أمريكي مباشر في سياق الحرب على داعش، برزت مشاكل عديدة؛ من بينها مشكلة المتهمين بالانتماء لداعش، ومشكلة عوائلهم في سجون/ مخيمات غويران والهول وروج.
فوفقا لأرقام معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى لعام 2023، كان هناك ما يقرب من 10000 رجل وفتى مراهق في هذه السجون، 8000 منهم يحملون الجنسيتين العراقية والسورية، و2000 منهم من رعايا دول أخرى. فيما يضم مخيم الهول 50 ألف فرد 90٪ منهم من النساء والأطفال، بينهم 25 ألفا من العراقيين، و18 ألفا من السوريين، و7800 من رعايا جنسيات أخرى ينتمون لـ 57 دولة! وتبلغ نسبة من هم دون سن الخامسة من عمرهم 23٪، فيما تبلغ نسبة من هم بين خمسة وثمانية عشر عاما 42٪، أي أن نسبة البالغين في المخيم لا تزيد عن 35٪!
أما سجن روج الواقع أقصى شمال شرق محافظة الحسكة، فيضم 2500 فرد، معظمهم من رعايا دول غير العراق وسوريا، ولا تزيد نسبة العراقيين والسوريين على 16٪ فقط!
ولم يتغير الأمر كثيرا بعد سقوط نظام بشار الأسد، فوفقا لأرقام المركز الدولي لمكافحة الإرهاب ICCT (نشرت في آذار 2025) تحتجز قسد 8500 رجل وفتى مراهق متهمين بالانتماء إلى داعش، 6500 منهم من السوريين، و1600 منهم من العراقيين، و3100 منهم ينتمون إلى دول أخرى. فيما يبلغ عدد المحتجزين من عوائل هؤلاء في سجني/مخيمي الهول وروج 38 ألف معتقل؛ 15 ألفا منهم عراقيون، و8 آلاف سوريون، و8 آلاف من جنسيات أخرى ينتمون لـ 60 دولة. وأن 60٪ من هؤلاء من الأطفال غالبيتهم دون سن 12 سنة.
وكان هناك تواطؤ دولي على الاحتجاز غير القانوني لهؤلاء، خاصة وأن تنظيم قسد فاعل غير دولي، ولا يملك حق الاحتجاز القانوني من الأصل. وإذا كان ذلك يمكن تسويغه بالنسبة للرجال المتهمين بالانتماء لداعش، فإن احتجاز عوائل هؤلاء لا يمكن توصيفه إلى على أنه عقاب جماعي يمارس ضدهم غير قابل للتسويغ تحت أي ظرف، خاصة أن الغالبية العظمى منهم من النساء والأطفال. فقد خلص خبراء الأمم المتحدة وهيئات المعاهدات والمدافعون عن حقوق الإنسان، إلى وجود انتهاكات جسيمة لحقوق المحتجزين قد ترقى الى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
بعد استعادة الدولة السورية للمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة قسد برزت مشاكل عديدة؛ من بينها مشكلة المتهمين بالانتماء لداعش
ويحظر القانون الدولي العقاب الجماعي؛ أي معاقبة أشخاص عن مخالفات لم يرتكبوها، بمعزل عن مكانتهم وتصنيفهم؛ لأن المسؤولية الجنائية لا يمكن نسبتها إلا إلى الأفراد فقط، وهذه إحدى الضمانات الأساسية التي تنص عليها اتفاقية جنيف لسنة 1949 وبروتوكولاها الإضافيان لعام 1977 (المواد 3 و33 و78 من اتفاقية جنيف، و 75/2/د من البروتوكول الأول، و 4/2/ب من البروتوكول الثاني).
في تقرير وجهته وزارة الخارجية الأمريكية إلى الكونغرس نهاية عام 2025، يطلق التقرير على الرجال والمراهقين المحتجزين، وعددهم 8400 وفقا للتقرير، تسمية «جيش داعش المنتظر»، في حال نجح التنظيم في عملية اقتحام هذه السجون، كما حدث عام 2022 عندما اقتُحم مركز احتجاز غويران في مدينة الحسكة!
ويتحدث التقرير عن مخاوف أخرى، من بينها المخاوف الإنسانية المتعلقة بالظروف السيئة والاكتظاظ داخل مخيمات النازحين [اقرأ المعاقبين جماعيا] ومراكز الاحتجاز. وأن الظروف المعيشية السيئة في مخيم الهول، والصدمات النفسية المعقدة، بيئة خصبة لزيادة تطرف الشباب وتجنيدهم!
اليوم وبعد سيطرة الدولة السورية على مخيم الهول، لاتزال الغالبية العظمى من المعتقلين الرجال والمراهقين في سجون خاضعة لسيطرة قسد (4500 في سجن غويران في مدينة الحسكة، و2500 في سجن روج شمال شرق مدينة الحسكة) وهو ما يعطي لقسد ورقة مهمة، تحديدا مع الجانب الأمريكي! وقد أعلن الجيش الأمريكي يوم أمس أنه نقل 150 محتجزا من منشأة احتجاز في الحسكة، دون أن يسميها، إلى موقع آمن في العراق، وأنه ربما يجري في نهاية المطاف نقل ما يصل الى 7000 آلاف محتجز «من سوريا إلى منشآت خاضعة لسيطرة العراق». وفي حال موافقة الحكومة العراقية فعلا على نقل هذا العدد الكبير إلى العراق، فثمة إشكاليات قانونية يثيرها مثل هذا النقل بالنسبة للمعتقلين غير العراقيين الذين يشكلون الغالبية العظمى من هذا الرقم من السوريين والمنتمين إلى دول أخرى (وفقا لأرقام غير مؤكدة لا يتجاوز عدد العراقيين نسبة 17٪ من هؤلاء)!
وكما هو واضح، فإن الأمريكيين مهتمون بالمعتقلين الرجال والمراهقين المتهمين بالانتماء لداعش، ولا يبدو أنهم مهتمون بالدرجة نفسها بالمعاقبين جماعيا في مخيم الهول، والذي يخضع الآن لولاية الدولة السورية.
ويوم أمس الخميس أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق أنه سيباشر باتخاذ الإجراءات القانونية بحق المحتجزين الذين تسلمهم العراق، وأن «جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم الإرهابي، خاضعون لسلطة القضاء العراقي حصرا، وستطبق بحقهم الإجراءات القانونية دون استثناء». وهو ما سيزيد من حجم الانتباه إلى الإشكاليات المرتبطة بالقضاء في العراق، والمتعلقة بعدم الالتزام بأي من معايير الإجراءات الأصولية أو معايير المحاكمات العادلة، والتي وثقتها المنظمات الدولية، من بينها بعثة الأمم المتحدة في العراق التي أكدت مرات عديدة ضرورة الالتزام بالمحاكمات العادلة؛ ففي تقرير صدر عنها في كانون الثاني 2020 بعنوان «المحاكمات بموجب قوانين مكافحة الإرهاب والآثار المترتبة على العدالة والمساءلة والتماسك الاجتماعي في أعقاب مرحلة (داعش)» تحدثت البعثة عن قلقها الشديد «من عدم احترام المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة، وحذرت من أن عدم الامتثال للضمانات الإجرائية ومعايير المحاكمة العادلة، قد يدفع إلى نشوء تظلمات جديدة، سواء كانت حقيقية أو منظورة، وإلى الإبقاء على العوامل المحركة للنزاعات، كالتمييز الهيكلي وغياب العدالة والإفلات من العقاب، الأمر الذي سبق أن جعل بعض الأفراد يختارون خيار العنف ومكّن داعش من إيجاد دعم له في العراق». كما أكد المقررون الخاصون في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقرير صدر في حزيران 2024 أن «عمليات الإعدام المنهجية التي تنفذها الحكومة العراقية ضد السجناء المحكوم عليهم بالإعدام بناءً على اعترافات مشوبة بالتعذيب، وبموجب قانون غامض لمكافحة الإرهاب، ترقى إلى مستوى الحرمان التعسفي من الحياة بموجب القانون الدولي وقد ترقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية». وأضاف التقرير أن ثمة «تجاهلا تاما للمخالفات المبلغ عنها في إدارة العدالة». وأن عمليات الإعدام التعسفية هذه تنطوي «على مسؤولية جنائية لأي مسؤول متورط في مثل هذه الأفعال، سواء بشكل مباشر أو عن طريق الموافقة». ونبه الخبراء الى أن «الاستخدام السياسي المزعوم لأحكام الإعدام، وخاصة ضد الذكور السنة، أمر مثير للقلق العميق»!
على الرغم من أنني شخصيا لا أزال أشك كثيرا بإمكانية أن يقبل العراق نقل 7000 معتقل متهم بالانتماء إلى داعش اليه، إلا أن ما جرى ينبه على الإشكاليات العديدة التي صاحبت الحرب على داعش (بينها تشكيل قسد وإضفاء الشرعية على الميليشيات العراقية) والتواطؤ الجماعي الذي حكم كل الأطراف فيما يتعلق بتلك المواجهة وتبعاتها، والذي لا بد من مراجعته!
كاتب عراقي
- القدس العربي

























