حاتم علي وجماليات الهزيمة – ما سر هذا القدر من التأثير والانتشار لأعماله؟

نهى سويد

    • احتلَّ المخرج السوري حاتم علي موقعاً متقدّماً في تاريخ الدراما العربية الحديثة بمشروعه الفني، وقامت تجربته على بناء عوالم درامية ذات نسق جمالي وفكري مُحكَم، أعاد من خلالها إنتاج الذاكرة الجماعية عبر سردٍ بصريٍّ واعٍ، يمنح الحدث التاريخي طاقة دلالية وإنسانية عميقة. تنمو شخصياته داخل سياق اجتماعي وأخلاقي كثيف، وتتشكّل ملامحُها من خلال صراعها الضمني مع السلطة ومع ذاتها ومجتمعها، وارتباط أفعالها بعواقبها على المحيط الاجتماعي، ضمن سردٍ درامي يُمنَح فيه الإنسان مركز الثقل.

      في إطار هذه التجربة الفنيّة، برزت عدة عناصر ميّزت أسلوب حاتم من حيث الإخراج واختيار النصوص، تسعى هذه القراءة للوقوف عند أهمها.

      الزمن 

      تكمن خصوصية تجربة حاتم علي في اشتغاله على الزمن داخل البنية الدراميّة، فأسلوبهُ الإخراجي لا يتوقف عند تأطير الحدث وتنظيم تسلسله، بل يلعب الزمن عنده دوراً في تشكيل البنية السرديّة وإنتاج المعنى المُراد توصيله، فتراكُم اللحظات يُكثّف أبعاد الشخصية ويصقل مضامين النص الدرامي. وهو بذلك يتجاوز الإيقاع التلفزيوني السائد الذي يختزل التحوّلات النفسية لصالح الحدث. يعتمد حاتم علي زمناً تأملياً ممتداً، يرفع الصراع من مستوى الحدث إلى مستوى الوعي ويمنح المُشاهد فرصة لمعايشة العمق النفسي وتعقيداته. يُكثِر حاتم من لحظات الصمت في إخراجه، التي تُظهر ما يطرأ على هذه الشخصية من تحوّلات نفسيّة تُسهم في تكوينها ونضجها فنّيّاً.

      في التغريبة الفلسطينية مثلاً نجد مشهد جلوس الشخصيات في العراء قبيل الترحيل القسري دون حوار فعلي، إذ يتعمّد حاتم علي تفريغ الزمن من الوظيفة السردية المباشرة. لا يحدث انتقال مكاني، ولا يُقدَّم حدث جديد، ولا تُدفَع الحبكة إلى الأمام. بدل ذلك، يُبنى المشهد على لقطة متوسطة ثابتة نسبياً، زمنها أطول من الحاجة القصصية، ما يخلق فجوة بين ما يُفترَض أن يحدث وما يحدث فعلياً. هذا الامتداد الزمني غير المبرَّر سردياً هو جوهر المشهد؛ الزمنُ يُراكِم شعور التعلّق، الصمتُ وسيطٌ لإنتاج وعي جمعي بالفقد الآتي. لا تتفاعل الشخصيات فيما بينها، بل تتفاعل مع الزمن نفسه الذي يتحوّل إلى عنصر ضغط نفسي. يفرض المشهد زمناً اختبارياً إضافة لكونه ضمن زمن الحكاية، بحيث ينخرط المشاهد في حالة انتظار يُدركها ويختبرها مباشرة.

      مثال آخر. مشهد إعلان الزير سالم الحرب ثأراً لأخيه كليب، والملفت ليس المشهد ذاته، بل ما سبقه حيث يُفكِّك حاتم علي العلاقة بين القرار والزمن. بدل أن يأتي القرار كذروة المشهد، يُؤجَّل الإعلان عنه عبر سلسلة من اللقطات المفصولة بزمن صامت. الزمن هنا لا يُهيئ للفعل بقدر ما يستنزف الشخصية أخلاقياً. كل اللحظات السابقة لاتخاذ القرار هي تراكم داخلي يحاول فيها «المُهلهِل» التعرّف على ذاته، فالقرار وقع قبل النطق به داخل الزمن المؤجَّل الذي سبق الفعل.

      المخرج الذي لم ينتصر لأحد لكنّه كشفَ الجميع

      تُظهر تجربة حاتم علي الدرامية وعياً دقيقاً بالعلاقة بين الفعل الإنساني وبنيته القيمية داخل السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي. وقد تأسست هذه التجربة على تنظيم الفعل الأخلاقي داخل النص الدرامي، وفقَ شبكة متكاملة من العلاقات بين الشخصيات والزمن والسلطة والخبرة الإنسانية، بما يمنح الأحداث دلالة أعمق ويُبرِزُ التحولات النفسية والاجتماعية لشخصياته، فالدراما عند حاتم لا تُبرّئ طرفاً على حساب آخر، ولا توازن بينهما، إنّما تسعى لموضَعة الذات الدرامية داخل شبكة التعقيد التاريخي والاجتماعي، حيث تقوم على تفكيك الامتياز الأخلاقي الأحادي، عبر توزيع الشرعية القيمية بين الشخصيات وفق منطق سردي تعددي. في مسلسل قلم حمرة للكاتبة يم مشهدي يتشكّل الصراع الاجتماعي عبر شخصيات تحمل أنماطاً مُتباينة من الوعي، والقدرة والتواطؤ والخذلان. المرأة العاملة، المثقف، رجل السلطة، الفرد المهمّش، جميعهم يتحركون داخل بنية سردية تمنح كل مسار ثقله الدلالي دون إقصاء. يكتسب الفعل بُعدَه الأخلاقي من تفاعل هذه المسارات داخل فضاء اجتماعي مشحون بالاختلالات السياسية الطبقية والنفسية، الأمر الذي يُرسِّخ رؤية درامية تقوم على تعدد المرجعيات القيمية، أيّ أن الفعل الأخلاقي يكتسب قيمته من ظرفه وتأثيره على الآخرين.

      تمتد حكائية قلم حمرة لتعكس الأوضاع السياسية والاجتماعية في سوريا بعد الثورة، من خلال طرح مُضمَر لتفاعل الأفراد مع السلطة والمعارضة، ومُساءَلة أشكال التطرف الديني والاجتماعي. هذا البُعد لا يظهر كنقد مباشر أو موقف إيديولوجي، إذ يسمح للمشاهد – أياً كان موقفه – بقراءة العمل ضمن سياق التحولات الاجتماعية والسياسية المُعقدة والمُتغيّرة.

      تكتسب الشخصية الدرامية عند حاتم شرعيتها من علاقتها بالفعل والنتيجة، لا من موقعها داخل السلّم الاجتماعي أو من حمولة رمزية مسبقة. هذا التنظيم يفرض على المتلقي قراءة مُركَّبة للحدث الدرامي، تتجاوز التلقي الانفعالي نحو تأمل بنية الفعل نفسه، واستكشاف التوتر بين القيم الفردية والجماعية في سياق الأزمات والتحولات الاجتماعية والسياسية.

      في مسلسل العرّاب- نادي الشرق للكاتب رافي وهبي والراّحل خالد خليفة تتشكّل السلطة داخل شبكة من العلاقات العائلية والاجتماعية، وتتحرك الشخصيات وفق توازنات دقيقة، بين الطموح والخوف والذاكرة والالتزام. تحملُ الشخصية تاريخاً نفسياً ينعكس مباشرة على خياراتها، فتغدو أفعالُها نتاجاً لتراكم خبرة داخلية مُعقّدة، أكثر من كونها استجابة آلية لمنطق القوة.

      هذا البناء للشخصيات يمنحها عمقها الذي يسمح للمتلقي بقراءة السلوك الإنساني من داخله، عبر تحليل دوافعه ومساراته النفسية، دون اللجوء إلى تصنيفات قيمية جاهزة.

      تحويل الألم الفردي إلى ذاكرة جماعية

      كيف تمكّنَ حاتم علي من إنتاج تجربة مؤثرة كما ظهرت في مسلسل التغريبة الفلسطينية، وكيف صاغ شعور الخسارة المشتركة؟

      تمكّنَ حاتم علي من إنتاج تأثير عاطفي جماعي متدرّج، قائم على هندسة درامية دقيقة تدمج الأبعاد النفسية والثقافية والسردية ضمن بناء متماسك. هذا التأثير يُولِّدُ عند المُشاهد تجربة معرفية عاطفية تراكمية، ترتبط بكل مشهد وبكل شخصية بطريقة متسلسلة ومدروسة.

      يتمثل فن حاتم علي في تَحوُّل الألم الفردي إلى ذاكرة جماعية، حيث يُقدَّم موضوع الوطنية أو القومية في إطار شعوري ضمني يُنظَّم بدقة عبر السرد الدرامي بعيداً عن المباشرة، وهذا ما تجلّى في أعماله الكبرى، مثل التغريبة الفلسطينية، حيث صاغ شعور الخسارة المشتركة بطريقة تسمح للمُشاهد، بغض النظر عن خلفيته الجغرافية أو التجريبية، بالانخراط العاطفي الكامل.

      يُمثّل مسلسل التغريبة الفلسطينية لكاتبه الدكتور وليد سيف نموذجاً واضحاً لهندسة المشاعر الجمعية، إذ سرعان ما تحوّلَ الألم الفردي عند أبطال المسلسل إلى ذاكرة جماعية متكاملة. تتكرر مشاهد الفقد والاغتراب مثل فقدان الوطن والانفصال عن الأحبة على امتداد السرد، مما يُولِّدُ خطاً شعورياً تراكمياً يربط التجربة الفردية للمُشاهد بالشعور الجمعي. وكذلك نتشارك مع الحزن مشاعرَ الفرح، الأمل، المقاومة، والتفكّر، إذ يُتيح البناء الدرامي لكل متلقٍ من خلفيات مختلفة إيجاد موضعه العاطفي ضمن النص.

      إن بناء الشخصيات عند حاتم يعكس التجربة الجمعية، إذ تؤدي شخصياته وظائف شعورية مُحددة، مُوظِّفةً ردود أفعالها وصراعاتها وصمتها لإنتاج تأثير نفسي جماعي.

      حاتم علي وجماليات الهزيمة

      جميع أبطال حاتم علي مهزومون، منفيون، أو يدفعون ثمن وعيهم. حتى النصر عنده مكسور أو ناقص، مُثقَلٌ بتداعيات الخسارة والفقد. الهزيمة لا تُشكل نهاية سردية، بقدر ما هي حالة وجودية تتجلى في كل فعل وكل موقف، وتكشف عن تعقيدات الفرد وضعفه أمام المجتمع والتاريخ.

      المساحة التي تُتيحها الهزيمة عن أعماق الشخصيات وتوتراتها الداخلية، بحيث يحتل الصراع الأخلاقي موقعاً محورياً في التجربة الدرامية. الألم والفقد والتحمل عناصر أساسية للنص، يُشكِّل الانتصار فيها لحظة مشحونة بالغياب والخسارة، تحمل في طياتها ثقل الواقع الإنساني وتعقيداته، وتُبرز هشاشةَ القوة وتناوبَ الأمل واليأس على حياة الشخصيات.

      جماليات الهزيمة في أعماله تظهر من خلال اللحظة الدرامية نفسها: صمتٌ مُمتدٌّ يشي بالحضور، وحركة مُترددة تكشف التوتر الداخلي، وانفعال مُكثف يفتح أمام المشاهد آفاقاً من التأمل النفسي والفكري. مشهدُ الانتصار يضع المُشاهد أمام حقيقة الفقد، ويجعله مُدرِكاً لتقلبات المصير، ويُتيح له مواجهة حدود القوة والإرادة في مواجهة الفقد والعجز، إذ لكل لحظة وزنها الوجودي الخاص. في هذا البناء الدرامي، بأبعاده الفلسفية، نجد أنفسنا أمام دراما تختلف عن تلك التقليدية التي تُعلي قيمة الانتصار المباشر أو القوة المُطلقة.

      المنفى والاغتراب

      لا يتناول حاتم علي مفهوم المنفى كموضوع مستقل في أعماله، لكن لا يمكننا فصله عن تجربته الذاتية للنزوح والاغتراب، فقد نشأ حاتم في عائلة نزحت عن الجولان السوري بعد الاحتلال الإسرائيلي، وعاش جزءاً من طفولته وشبابه ضمن سياقات الهجرة والاغتراب في مخيمات مثل مخيم اليرموك بدمشق. تُظهِرُ هذه الخلفية الذاتية أن تجربة النزوح والمنفى نقطة ارتكاز معرفية يمكن قراءتها داخل البنية الدرامية لأعماله، فبدلَ أن يُقدِّم المنفى كفكرة موضوعية مرئية على الشاشة، يتبدّى أثره في الاغتراب.

      يظهر الاغتراب في أعماله بالعلاقة المُعقدة بين الشخصية والواقع الاجتماعي. بمعناه الظاهر والمعنوي معاً، إذ لا يستحضره حاتم على أنّه فكرة موضوعية مستقلة، بل يُعيد إنتاج الوعي النفسي للشخصيات ضمن بنية السرد. وهذا ما نجده بوضوح في قلم حمرة عبر تركيزه على شخصية ورد، وهي كاتبة نصوص تلفزيونية تدخل زنزانة الاعتقال، وتروي حكايتها الذاتية والاجتماعية في مواجهة الأزمة السورية. تأثر وعي الشخصية الذاتي بفعل تجارب الانفصال عن نسق الحياة المُتعارف عليه، حيث يكشف السرد الدرامي، من خلال استثمار الصمت والزمن الداخلي، عن تحولات معرفية عميقة في إدراك الذات من جهة، وإدراك علاقتها بالمنظومات الاجتماعية من جهة أخرى.

      الانتصار للمرأة

      يُعَدّ حاتم علي من أبرز صانعي الدراما السوريّة الذين انتصروا للمرأة، حيث قدّمَ المرأة في أعماله بعيداً عن التناول السطحي. فالنساء في سرده الدرامي ذوات حضور مؤثر وقوي، يُمكن القول ببساطة إنّه   منحَ المرأة دورها الطبيعي في أعماله، كما أنّه بنى شراكات إبداعية مع كاتبات بارزات مثل دلع الرحبي ويم مشهدي.

      في مسلسل عصي الدمع (2005)، الذي كتبته الرحبي وأخرجه علي، نجد نموذجاً نادراً في الدراما السورية التي تتناول واقع المرأة في سياق اجتماعي وقانوني وديني.

      يُعالج المسلسل تأثير القوانين الوضعيّة والشريعة الإسلامية على حياة النساء السوريات، مُركِّزاً على الصراعات اليومية التي تواجهها المرأة في الأسرة والمجتمع والعمل، بما في ذلك قيود التقليد الاجتماعي والصعوبات القانونية التي تُقيّد حريتها الشخصية والمهنية. كما يُبرِزُ المسلسل تحديات النساء في مواجهة النظام القضائي والمؤسسات القانونية، من خلال شخصيات مثل المحامية رياض العمري، التي تُمثل قدرة المرأة على الصمود والمطالبة بحقوقها ضمن أطر قانونية واجتماعية مُعقدة.

      يفتح المسلسل حواراً ملحوظاً حول تَداخُل القانون الوضعي مع الأعراف الدينية والاجتماعية، وتأثير ذلك على حياة النساء من خلال شخصيات متعددة الخبرات، يتعاملنَ مع نظام قضائي مُعقد يفصل بين النص القانوني وروحه. كما يُبرِزُ العمل القصورَ في مؤسسات العدالة وغيابَ العدل المجتمعي، وتأثير ذلك على وضع المرأة في المجتمع السوري.

      أظهر المسلسل العلاقات الأسرية التقليدية، بما في ذلك هيمنة الذكورة والضغوط الاجتماعية على النساء، وناقش موضوعات حسّاسة بلا تجميل أو مثالية.

      قدّمَ حاتم علي شخصيات نسائية متعددة الأبعاد؛ لسنَ مثاليات ولا ضحايا، بل نساءٌ قادرات على اتخاذ القرارات ومواجهة القيود الاجتماعية والدينية والقانونية.

      أسطرة حاتم علي

      يُثير حضور حاتم علي في المشهد الدرامي العربي سؤال المكانة الفنية وآليات تَشكُّلها داخل الدراما السورية، فالتجربة التي ارتبط اسمه بها تبلورت ضمن سياق درامي كان يشهد في تسعينيات القرن الماضي توسعاً ملحوظاً في الإنتاج التلفزيوني، وجُرأة في طرح الموضوعات، وتحوّلاً في علاقة التلفزيون بالثقافة العامة. من هنا، فإن تَتبُّعَ مسار حاتم علي يفرض العودة إلى شروط نشأته المهنية، وتقييم نتائجها.

      دخلَ حاتم علي الوسط الفني عبر التمثيل، ولم يُحقّق في هذا المجال حضوراً نوعياً مقارنة بعدد من أبناء جيله، فقد أدرك في وقت مبكر محدوديّته في هذا المسار، وانتقلَ نحو الإخراج، المجال الذي بوسعه استيعاب طموحه التعبيري. دفعه شغفه بالإخراج إلى سعيٍ جادٍ للتعلّم والتدرّب العملي، رغم غياب الفرص الأكاديمية الرسمية لدراسة هذا الفن.

      تدرّبَ حاتم علي على يد المخرج السوري هيثم حقي، الذي نقل إليه خبرته السينمائية المتأثرة بدراسته في الاتحاد السوفييتي، وقد لعبَ حقّي دوراً محورياً في صقل الحساسية الإخراجية لدى جيل من المخرجين الشباب، الذين لم تُتَح لهم فرصة دراسة الإخراج أكاديمياً؛ حساسية تقوم على فهم الصورة وبناء المشهد وإدارة الممثل.

      انعكست خبرة هيثم حقي على أسلوبيّة حاتم علي من حيث اختياراته الجمالية الأقرب إلى التصوير السينمائي منه إلى التلفزيوني، ولا سيما ميله إلى اللقطة الطويلة، والإيقاع الهادئ، والتقليل من المونتاج المتسارع، وهي عناصر أسهمت في ترسيخ أسلوب بصري يُميّز أعماله عن السائد التلفزيوني آنذاك.

      جاءت بدايات حاتم الإخراجية في مرحلة كانت الدراما السورية خلالها تُعبّر عن هموم المجتمع ومشاكله، وتُمرر رسائل غير مباشرة لنقد السلطة والعدالة الاجتماعية ضمن صيغ درامية عالية المستوى. هذه المرحلة التي وُصفت بالذهبية، شكّلت بيئة حاضنة لعدد من التجارب الإخراجية، ولم يكن صعود اسم حاتم علي معزولاً عن هذا السياق العام. إذ برز في سوريا كثير من المواهب الإخراجية، غير أن حضوره أخذ بعداً أوسع عقب إخراجه مسلسل الزير سالم للكاتب الكبير ممدوح عدوان فقد اجتمع في العمل كثافة لغوية وفكرية واضحة مع إنتاج ضخم، وأتاح للمخرج اختبار قدرته على ضبط العمل الملحمي.

      حقق المسلسل انتشاراً عربياً واسعاً، وأسهم في تثبيت اسم حاتم علي خارج الإطار المحلي، غير أن هذا النجاح لا ينفصل عن واقع بنيوي شهد تفاوتاً واضحاً في توزيع الفرص داخل الدراما السورية، حيث لم تتح لكثير من المخرجين الإمكانات الإنتاجية التي أتيحت لحاتم علي. وبعد أن ذاع اسم حاتم علي في الوطن العربي، أتى تعاونه مع الدكتور وليد سيف في ثلاثية الأندلس والتغريبة الفلسطينية ومسلسل عمر، وممّا لاشكّ فيه إن هذه النصوص الهامّة تتطلّب وعياً إخراجياً قادراً على قراءة النص درامياً، وإدارته بصرياً، وضبط إيقاعه وأدواته.

      كما أسهمت خيارات حاتم علي المتكررة في اعتماد فريق ممثلين بعينه في بناء ذاكرة بصرية متماسكة داخل أعماله، حتى مع ما تُثيره هذه الخيارات من نقاش حول تكرار الوجوه وحدود التنويع أو اتهامه بالشللية، مع ذلك، حافظت تجربته على اهتمام ثابت بالتاريخ والسلطة والأسئلة الكبرى، ضمن صياغة درامية تراهن على وعي المتلقي، وترفض الحلول السهلة.

      تظافرت عدة عوامل في إغناء تجربة حاتم علي الإخراجية، موهبة فردية استثنائية، وظروف موضوعية متعددة شملت البيئة الإنتاجية والثقافية والفنية. مع الإقرار بالبعد الرمزي لرحيله المبكر وهو في أوجّ عطائه، الذي لعب دوراً في أسطرته جمهوريّاً، إذ شكّل فقدانه صدمة حقيقية لجمهوره، وفي ظرف تاريخي كان السوريون فيه بأمس الحاجة إلى صوته الفني النقي وأخلاقه المهنية. بعيداً عن أي تقديس أسطوري أو تقليل من شأنه، تمكّن حاتم علي من أن يحتل مكانة بارزة بين أبرز مخرجي الدراما السورية والعربيّة، محافظاً على تفرده الأسلوبي، وقدرته على تحويل نصوص قوية إلى أعمال خالدة.

Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

يناير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist