حين يُعاد فتح قناة رسمية ثلاثية بين سورية والولايات المتحدة وإسرائيل تحت مسمّى آلية تنسيق مُشتركة، فالمسألة ليست في كسر صمتٍ تاريخي منذ 1973، بل في محاولة بناء ترتيب سياسي- أمني داخل بيئة اجتماعية تعتبر الطرف المقابل أصلاً جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل. ليست المشكلة في أنّ السوريين متصلّبون، بل في أنّ الاتفاق يُولّد فوق أرضية من انعدام الثقة؛ فالمؤشّر العربي عن اتجاهات الرأي العام السوري الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات في أغسطس/ آب 2025 يقول بوضوح إنّ 74% من السوريين يرفضون الاعتراف بإسرائيل، وهو رفض لا يتأسّس على موقف رمزي أو شعار قومي قابل للتبخّر، بل على تعريف مركّب لإسرائيل دولة استعمار واستيطان واحتلال في فلسطين، واحتلال للجولان، وقوّة توسّعية تسعى إلى الهيمنة وتفتيت المجتمعات العربية. هذه ليست مجرّد حجج أخلاقية؛ بل طريقة لفهم الأمن نفسه؛ إذ عندما يُنظر إلى المجتمع فاعلاً بنيوياً في إنتاج عدم الاستقرار، تصبح أي صيغة تفصل الأمن عن السيادة صيغة مشبوهة سلفاً، لأنّ الأمن لا يُقرأ بوصفه خفض تصعيد على الحدود فقط، بل بما هو حماية وحدة المجال الوطني ومنع إعادة تدوير الانقسامات.
لذلك، الغموض الذي يغلّف الاتفاق، على اعتبار أنّه ليس سلاماً مُعلناً ولا مجرّد ترتيب مؤقّت، ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو محاولة للهروب من حقيقة بسيطة مفادها أنّه لا توجد قاعدة قبول اجتماعي تسمح بتسمية ما يحدث باسمه، لذا يُصاغ بما هو منطقة رمادية تُراهن على الزمن وعلى إنهاك المجتمع أكثر مما تُراهن على الإقناع.
تفاوضٌ مع التهديد نفسه
ليس الأهم في هذه الحالة نسبة الرفض السياسي فحسب، بل طبيعة إدراك السوريين مصدر الخطر الناجم عن هذا الاتفاق الأمني مع تل أبيب؛ وبرعاية فرنسية وأميركية؛ على اعتبار أنّ 88% من السوريين يعتقدون أن إسرائيل تعمل على تهديد الأمن والاستقرار في سورية، مقابل 4% فقط يرون أنها لا تهدّد الاستقرار، و8% لا يعرفون أو يرفضون الإجابة بحسب المؤشّر العربي. ولا يقول هذا الرقم فقط أن إسرائيل خصم واضح البنية والشكل، بل يقول إنّ إسرائيل، في وعي الجمهور، جهة فاعلة في زعزعة الداخل السوري نفسه بعدّة أدوات وبعدّة أساليب تتراوح بين القصف المباشر والاغتيالات وتغذية النزعات الانفصالية، أي أنّ تهديدها ليس حدودياً فقط، بل تهديد استقراري بمعنى الدولة والمجتمع.
هنا بالضبط تنقلب وظيفة آلية التنسيق؛ فبدلًا أن تكون مساراً لتقليل المخاطر، تصبح في نظر الجمهور شكلاً من التعايش مع مصدر التهديد عبر تحويله إلى شريك أمني؛ أي أنّ الاتفاق لا يغيّر صورة إسرائيل في المجتمع، بل يطلب من المجتمع أن يتعامل مع قرار الدولة، كما لو أنه منفصلٌ عن هذه الصورة. ومن هنا يصبح الأمن في الاتفاق أمناً مُعاداً تعريفه بمعنى أنّه ليس أمنًا سيادياً يقيس الأمور بمعيار الأرض والانسحاب، بل أمن إجرائيّ يقيسها بمعيار عدد الضربات، سقف الاحتكاك، إدارة الحوادث و مخاطر التوغلات والمداهمات والاعتقالات سيما في المنطقة الجنوبية الغربية (ريف دمشق والقنيطرة ودرعا)، وهي معايير قد تُرضي المنطقين الدولي والأميركي، لكنها لا تُنتج شرعية داخلية، لأنها لا تجيب عن سؤال السوريين المركزي، وهو كيف نتعاون أمنيّاً، مع طرف نعتقد بأغلبية كاسحة أنّه يعمل ضدّ استقرارنا!
نحو 50% من السوريين يصنّفون سياسات واشنطن أنّها مهدِّدة لأمن المنطقة واستقرارها
تُظهر الأرقام الخاصة بآراء السوريين حول إسرائيل والولايات المتحدة عمق التناقض بين المسار الرسمي للاتفاقات الأمنية وتطلّعات السوريين، وتكشف أنّ القرار لم يأتِ في منطقة رمادية أو مُتردّدة، بل في مواجهة مباشرة مع الإدراك العام. فحين يرى نحو 78% من السوريين أنّ سياسات إسرائيل تهدّد أمن المنطقة واستقرارها (60% “نعم بالتأكيد” و18% “نعم إلى حد ما”)، فإنّ إسرائيل لا تُصنَّف في الوعي السوري طرفاً يمكن تحييده عبر ترتيبات تقنية، بل بوصفها مصدر التهديد الأوّل دائماً وأبداً. لا ينفصل هذا الإدراك عن رفض واسع للاعتراف بإسرائيل أصلاً، وعن ربطٍ عضوي بين احتلال الجولان ومعنى الأمن والسيادة. لذلك، المضي في اتفاقات أمنية مع تل أبيب لا يُقرأ شعبيّاً بما هو خطوة نحو الاستقرار، بل بوصفه إعادة تعريف قسرية للأمن تُخرج سؤال الأرض من المعادلة، وتحوّل الصراع من قضية احتلال مفتوحة إلى ملف ضبطٍ أمني مُغلق.
ويزداد هذا التناقض حدّة حين تُضاف الولايات المتحدة إلى المشهد بوصفها الراعي الأساسي للاتفاق؛ فـنحو 50% من السوريين يصنّفون سياسات واشنطن أنّها مهدِّدة لأمن المنطقة واستقرارها (17% “نعم بالتأكيد” و33% “نعم إلى حد ما”). هذه النسبة لا تسمح بقراءة الدور الأميركي بوصفه وساطة مُحايدة تُنتج توازناً أو شرعية داخلية؛ بل تضعه في خانة الفاعل الذي يُنظر إليه جزءاً من اختلال ميزان القوّة. وعليه، الرعاية الأميركية لا تُترجم إلى طمأنة اجتماعية، بل إلى مظلّة دولية تُتيح تمرير الاتفاق رغم غياب القبول الشعبي، تحت عنوان الضرورة الأمنية وخفض التصعيد، والاستثمارات الاقتصادية، والتبادلات التجارية، وغيرها. هنا يتضح سبب إدخال مفردات الاقتصاد والتجارة إلى نصّ أمني؛ إذ إنّه ليس الهدف تغيير القناعات العميقة تجاه إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل تعليقها عبر إيجاد مصالح قصيرة الأمد، عبر خفض الضربات، وفتح نافذة اقتصادية، وتقليص الضغط الدولي، على أمل أن تُعوِّض المكاسب الإجرائية عن غياب التسوية السيادية.
مبادئ الاتفاق الثلاثي
تطرح الخطة المتداولة إنشاء منطقة اقتصادية- أمنية مشتركة تمتدّ على طول الشريط منزوع السلاح في جنوب سورية، بما يتجاوز منطق الترتيبات العسكرية التقليدية إلى إعادة توظيف المنطقة العازلة اقتصاديّاً ضمن إطار أمني صارم. تشمل المنطقة مشاريع طاقة الرياح (هذا المشروع تمّ طرحه عام 2020 لوضع توربينات لتوليد الكهرباء عددها 32 على مساحة 3800 دونم في الجولان المحتل ويوجد الآن 14 توربيناً بالقرب من خط ألفا مقابل قرى القحطانية ورويحينة في ريف القنيطرة الغربي)، وخطّ أنابيب لنقل النفط الخام، ومراكز بيانات، وصناعات دوائية، إضافة إلى أنشطة سياحية، مع التأكيد على بقائها منزوعة السلاح بالكامل. تُسوَّق الخطّة لسورية على أساس مكاسب اقتصادية تقديرية تشمل زيادة بنحو أربعة مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي (قرابة 20%)، إضافة 800 ميغاواط للقدرة الكهربائية، وإيجاد 15 ألف وظيفة، وتقليص الاعتماد على الأدوية المستوردة بنسبة 40%؛ بينما تحصل إسرائيل على خفض مخاطر حدودها الشمالية وتقليص الإنفاق العسكري عبر تحويل المنطقة العازلة إلى ممرّ اقتصادي مستقر.
حين يتحوّل السلام إلى صفقة استقرار، لا إلى تسوية سياسية، تصبح أي مكاسب اقتصادية أو سياحية ثمناً لتعليق سؤال الأرض لا لحلّه
أمنيّاً، تقترح الولايات المتحدة إنشاء غرفة إدارة مشتركة مقرّها عمّان تضم قوة مهام أميركية– إسرائيلية–سورية تشرف على الوضع الأمني في جنوب سورية (ربما هي امتداد لغرفة “موك” التي أُنشئت لدعم فصائل المعارضة السورية المسلحة بين 2013 و2024) وتُعدّ الإطار المرجعي لمباحثات نزع السلاح من الجنوب والانسحاب المرحلي للقوّات الإسرائيلية من المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق. ينصّ المقترح على تعليق جميع الأنشطة العسكرية عند خطوط الانتشار الحالية إلى حين الاتفاق على التفاصيل، وعلى إرسال ممثلين عن الأطراف الثلاثة إلى قيادة مُشتركة تدير المسارات الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية والتجارية، مع بقاء الولايات المتحدة وسيطاً وضامناً دائماً.
سياسيّاً، لا تشترط المسودات اتفاق سلام رسميّاً أو الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام ( اتفاقيات التطبيع) لبدء التنفيذ، بل تتعامل مع السلام بما هو احتمال لاحق، ما يعكس انتقالاً من منطق التسوية السيادية إلى إدارة الاستقرار عبر ترتيبات أمنية- اقتصادية. ورغم ما تحمله الخطة من وعود بخفض التصعيد وفتح آفاق اقتصادية، فإنها تُجمّد قضايا الأرض والسيادة داخل إطار وظيفي، ما يجعل استدامتها مرهونة بالضمانات الدولية وبقاء توازن المصالح، لا بحسم سياسي شامل.
تكشف هذه المراهنة على هذا الوضع مفارقة بنيوية خطِرة؛ حين يتحوّل السلام إلى صفقة استقرار، لا إلى تسوية سياسية، تصبح أي مكاسب اقتصادية أو سياحية ثمناً لتعليق سؤال الأرض لا لحلّه، وهو ما يدفع المجتمع إلى قراءة الاقتصاد بديلاً عن السياسة لا امتداداً لها. بهذا المعنى، قرار الاتفاق بوصفه قراراً أمنيّاً من أعلى، جاء مُناقضاً لتطلّعات السوريين وآرائهم التي تربط الاستقرار بالسيادة والانسحاب والضمانات المُلزمة، لا بإدارة المخاطر. لا يعكس الواقع وأرقام المؤشّر العربي تحوّلا في المزاج الشعبي، بل اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع؛ فهناك اتفاقٌ يُوقَّع مع الطرف الذي يراه السوريون التهديد الأوّل، وبرعاية قوّة يصنّفها نصفهم تقريباً ضمن دائرة التهديد، في لحظة كان يُفترض فيها أن تُستعاد السياسة بوصفها أداة تمثيل للإرادة العامة، لا أن تُستبدل بإدارة أمنية تُراكم هشاشة الداخل، حتى وهي تُخفّف الاحتكاك على المدى القصير.
شراء الوقت وشرعنة البقاء
إذا كان المجتمع بهذا المستوى من الرفض والشك تجاه الاحتلال الإسرائيلي، فربما تمضي الحكومة السورية الجديدة بالاتفاق لأنّ حساباتها ليست حسابات إقناع، بل حسابات بقاء داخل لحظة انتقالية بلا توازن ردع وبلا اقتصاد وبلا احتكار كامل للعنف. تدرك الإدارة الجديدة في دمشق أنّ استمرار الضربات الإسرائيلية واستمرار احتمالات الاحتكاك يمكن أن يقوّض مشروعها الداخلي بسرعة، وأنّ الدولة الخارجة من حرب طويلة تبحث عن تجميد الجبهات لا فتحها؛ لذلك تميل إلى نموذج إدارة الصراع عبر قنواتٍ أمنية، لا إلى نموذج حلّ الصراع عبر تفاوض سيادي طويل ومُكلف أو حرب واسعة، لا سيما وأنّ القدرة العسكرية السرّية صفرية أمام ماكينة تل أبيب العسكرية بقدرتها وتفوّقها ومعدّاتها الضخمة. وفي الوقت نفسه، تبحث السلطة عن مظلّة دولية عبر قناة مع واشنطن قد تُترجم إلى تخفيف ضغوط، أو فتح مسارات تمويل وإغاثة، أو إعادة إدماج تدريجي في النظام الدولي؛ وهنا يصبح الاتفاق أداة سياسية خارجية أكثر من كونه خياراً وطنيّاً مُكتمل الشروط. وهناك دافع ثالث أكثر حساسية؛ على اعتبار أنّ السلطة الحالية قد تراهن على أنّ المجتمع المُنهك والمُجزّأ لا يملك أدوات الاعتراض المؤسّسي، وأنه يمكن تمرير ترتيبات رمادية بلا إعلان صريح، على أمل أن يتحوّل التنسيق إلى اعتياد، وأن يتحوّل الاعتياد لاحقاً إلى قبول أو إلى لامبالاة.
ليست حسابات السلطة السورية حسابات إقناع، بل حسابات بقاء داخل لحظة انتقالية بلا توازن ردع وبلا اقتصاد وبلا احتكار كامل للعنف
لكن هذا رهان محفوف بالخطر؛ لأنّ أرقام “المؤشّر” تقول إنّ الرفض ليس مجرّد موقف سياسي، بل تعريف للتهديد، وتعريف للتهديد لا يذوب بمجرّد انخفاض وتيرة الضربات، بل قد يزداد حدة إذا شعر المجتمع أنّ السيادة تُدار بما هي ملف تقني، وأنّ الجولان يُدفع إلى الهامش لصالح اقتصاد أو استقرار تحت سقف أميركي.
قد يضبط الاتفاق الاشتباك؛ لكنه يراكم هشاشة الداخل لأنّه يبني استقراراً بلا سيادة وبلا قبول شعبي بالنهاية (وإنْ هناك قبول فهو بحكم الأمر الواقع)، وبهذه القراءة، تصبح آلية التنسيق محاولة لتوليد استقرار إداري داخل دولةٍ لم تستعد شروط الدولة بعد؛ والمُتمحورة حول احتكار العنف، وشرعية القرار، ووحدة المجال الوطني والسيادة الوطنية على كامل الأراضي السورية. لكنها تولّد، في المقابل، هشاشة سياسية، لأنّ أساسها ليس تسوية عادلة ولا انسحاباً ولا ضمانات سيادية، بل إدارة توتّر مع الطرف الذي يراه السوريون التهديد الأوّل. ولهذا، فإنّ نجاحها المُحتمل على المدى القصير (خفض ضربات، وضبط احتكاك، وفتح قناة خارجية) لا يعني أنّها مسار قابل للاستدامة. لا تقول الأرقام والإحصائيات إنّ السوريين ضدّ السلام من حيث المبدأ، بل تقول إنهم ضدّ تحويل السلام إلى غموض دائم، وضدّ أن يُستبدل سؤال الأرض بسؤال الهدوء، وسؤال السيادة بسؤال الممرّات الاقتصادية، وسؤال العدالة بسؤال خفض التصعيد. وفي بلد خرج للتوّ من انهيار، أي سياسة تُراهن على الزمن وحده، لا على الحسم السيادي، قد تشتري وقتاً، لكنها لا تشتري شرعية.
- العربي الجديد


























