خلال عام ونيف من الزمن ما بعد الأسدي، ساد التفكير في سوريا بوصفها بلداً مكوناً من جماعات مختلفة، قد تسمى “مكونات”، يجمعها أنها وراثية، يلد المرء فيها ولا يختارها. السوريون عرب وكرد، وربما يضاف: وتركمان وسريان وأرمن وغيرهم؛ ومسلمون ومسيحيون، وقد يضاف إيزيديون، وربما يهود؛ ثم سنيون وعلويون ودروز، وإسماعيليون وشيعة. هل هذا كل ما في الأمر؟ أليس هناك سوريون منفلتون من الجماعات الموروثة، ولا يقبلون أن يُعرفوا بها؟ أليس هناك “لا جماعات” سورية، روابط طوعية في صورة أحزاب أو منظمات أو جمعيات، يختار الانتساب إليها أعضاؤها، ويولون ارتباطهم بها مكانة تعلو على الجماعات الموروثة؟ بلى، والواقع أنهم لم يكونوا قلة يوماً. لكن الاجتماع السياسي السوري سار بعد الثورة والحرب، والدم الغزير الذي سال ويسيل إلى اليوم، باتجاه إضعاف اللاجماعات، وتقوية الجماعات حيال الأفراد المنحدرين منها أو إضعاف الأفراد حيال الجماعات. تاريخ سوريا خلال 15 عاماً، بل خلال نصف قرن وأكثر يفيد بأن سفك الدماء يقوي روابط الدم، ويدفع الجماعات غير الدموية لأن تطور لنفسها جسداً له دم واحد أو يكاد، تصير كل واحدة منها أسرة ممتدة أو ما يقاربها. القول إن الطوائف جماعات متخيلة في كل حال، مثلها في ذلك مثل الأمم، يغفل الديناميكيات الاجتماعية السياسية الجارية التي قد تسير نحو رص أجساد الجماعات في شروط الخطر والاستهداف التمييزي، على نحو يضعف العنصر الفكري والخيالي والرمزي في تكوينها، ويعزز العنصر العضوي والجسدي والبيولوجي، فيجعل منها جماعات “أهلية” أقرب على التجانس. أو بالعكس، ربما تدفع ديناميكيات معاكسة المنحدرين من جماعات مختلفة إلى الخروج منها (وليس عليها بالضرورة)، والتشارك مع غيرهم في مجموعات أو لاجماعات. هذا متصور الحدوث في شروط الأمان العام وغياب الاستهدافات التمييزية. العلاقة بين الدم والخيالي علاقة عكسية، والطوائف أقرب إلى الدم منها إلى الخيال.
في سوريا غلب أن كانت العلاقة بين الجماعات واللاجماعات هشة، والمسارب مفتوحة للعودة نحو الأهل أو نحو الجماعة أكثر من العكس. ليس هناك لغز في ذلك. تراوح الاجتماع السياسي السوري في الحقبة الأسدية بين قاس ووحشي، وهو ما يضعف الأفراد والمجموعات الطوعية أكثر بكثير مما يضعف الجماعات التي، بالعكس، صار أغلبها إطار الحماية والضمان الوحيد لأفراد منكشفين. حين يقع المرء في مشكلة أمنية أو يعتقل أو يفصل من العمل أو يمنع من السفر… الواسطة الأهلية هي من تستدركه، فتحل المشكلة أو تحاول حلها. لم يكن هناك بديل قانوني أو مؤسسي، لا أهلي، عن ذلك. وعلى هذا النحو صار الفرد المستقل والحزب والمنظمة والجمعية والمتحدات المستقلة بعامة أضعف بكثير، وتواتر أن اخترقتها العلاقات الجماعاتية هي ذاتها، كما زال غير قليل منها. واقترن ذلك عبر السنين يتراجع التعدد ضمن الجماعات وميلها إلى تصلب مانع لاستقلال الأفراد عنها. يمكن تقدير أنه كلما كانت الجماعات أكثر تعدداً داخلياً، تسنّى لنسبة أعلى من الأفراد أن يستقلوا عنها، ويدخلوا في متحدات طوعية مع غيرهم من خارجها.
تغطي ثنائية المجتمع الأهلي والمجتمع المدني المتداولة بعض الشيء في التآليف العربية واقع الجماعات واللاجماعات الذي نحاول وصفه هنا. لكن الوضع النظري لهذه الثنائية سكوني مثلما هو وضع مفهومي الأقلية والأكثرية، يغيب عنهما معاً البعد الديناميكي. نقول عادة إن العشائر والطوائف والإثنيات تكوينات أهلية أو تندرج ضمن المجتمع الأهلي، بينما الأحزاب والجمعيات والنقابات والاتحادات الطلابية والنسوية والمهنية وغيرها تكوينات مدنية وتشكل بمجموعها المجتمع المدني. لكن هذا لا يقول لنا شيئاً عما إذا كانت عمليات الأهلنة تتقدم أم تتراجع، وهل الروابط الموروثة تقوى أم تضعف اليوم؟ ولا يقول بالمثل شيئاً عما إذا كانت هناك عملية تمدين تتوسع بأثرها الروابط الطوعية، وتتطور في المجتمع الكلي تضامنات جديدة غير أهلية وغير دموية. ولا هي تقول كذلك شيئاً عن اختراقات محتملة لما هو أهلي نطاقات ما هو مدني أو العكس.
ومثل ذلك يقال بخصوص تصوري الأقلية والأكثرية، اللذين يتعين التفكير فيهما في صلة مع ديناميكيات تقليل أو تكثير، متصلة هي ذاتها بعلاقات السيطرة والهيمنة في المجتمع المعني. القول مثلاً إن السنيين العرب أكثرية السوريين يغفل أنهم كانوا أقرب إلى أقلية سياسية في الحقبة الأسدية، وغير قليل من توترات اليوم متصل بانقلاب هذا الشرط. هياكل السيطرة القائمة اليوم تقلل العلويين أكثر مما هم أقلية فعلاً، على نحو وجد تكثيفه في قول القائل أثناء مجازر الساحل إنهم كانوا أقلية، واليوم يصيرون نوادر!
والقول إن النساء نصف المجتمع يغفل كذلك ديناميكية تقليل سياسية ودينية واجتماعية، كانت ظاهرة على الدوام، لكنها نراها اليوم بوضوح أكبر.
الواقع السوري لا يتميز حصراً بقوة الجماعات على حساب اللاجماعات، أو الأهلي على حساب المدني، وإنما أكثر من ذلك بتفوق ديناميكية الأهلنة على حساب ديناميكية التمدين. هذا أثر عملية تطييف وأهلنة مديدة في الحقبة الأسدية، لكنه كذلك أثر منظورات الفريق الحاكم اليوم الذي يفكر في المجتمع السوري حصراً بوصفه مجموع جماعات وراثية. ظاهر اليوم أن أطر الفعل السياسي هي “المكونات” أو الجماعات، وهذا يناسب الحكم الحالي لأنه يُطبِّعه، وفي الوقت يتيح له انتحال الدولة العامة وتشريع نفسه بالكيانية السورية. وليس بالأمر المكتوم أن السلطة اليوم تحاول إضعاف التعدد الداخلي في الإطار العربي السني كي تضمن لنفسها قاعدة اجتماعية صلبة. والأرجح أن يسير ذلك مع الميل إلى إدخال مزيد من التعدد إلى هذه الجماعات الأخرى من أجل إضعافها وتعظيم قوة السلطة حيالها.
الواقع السوري لا يتميز حصراً بقوة الجماعات على حساب اللاجماعات، أو الأهلي على حساب المدني، وإنما أكثر من ذلك بتفوق ديناميكية الأهلنة على حساب ديناميكية التمدين
ما العمل في مثل هذا الشرط السوري الراهن؟ سياسة المكونات تهزم ذاتها، لأسباب داخلية، ديمغرافية وجغرافية وتاريخية، ثم لأسباب خارجية تتصل بالنظام الدولي. هذا الأخير يريد قوة تضمن الاستقرار، وكان على وشك إعادة تأهيل بشار الأسد رغم كل شيء، وهو اليوم يقف إلى جانب الحكم الحالي. لقد خسرت سياسة المكونات التي حدث أن ارتضت لنفسها اسماً من مخزن خردة الحكم الأسدي: تحالف الأقليات، رهانها، ليس حصراً بسبب النظام الدولي، بل أولاً بفعل مقاطعتها للواقع وبؤسها السياسي والفكري والأخلاقي.
وهذا يعيد مسألة الصراع من أجل الهيمنة والفعل السياسي المستقل إلى قلب التفكير والعمل السياسي السوري، في الداخل وفي الشتات. اللاجماعات، الأفراد والمجموعات الأكثر تمرداً واعتناقاً لقضية الحرية، هم المؤهلون لخوض هذا الصراع.
وهم من يقوم الحكم الحالي بعد الحكم الأسدي على إضعافهم بنيوياً، وتركهم هامشيين بلا أثر. لكن هؤلاء هم من تتمثل فيهم سوريا حرة حقاً، لأنهم يخرجون من الجماعات من أجل فضاء سوري أوسع، ولأن زوال هذا الفضاء أو مصادرته يقضي عليهم دون غيرهم. سوريو الجماعات، بالمقابل، يعرضون استعدادات كيانية نشطة، وزوال سوريا ذاتها أقرب إلى أفئدتهم من بقائها.
لكن السياسة الكيانية لن تنجح اليوم أكثر مما نجحت السياسة الطائفية في زمن الأسدين، ولن تقوي هذه السياسة الدولة على مدى أطول إلا بالصورة التي قوت دولة حافظ الأسد ووريثه، أي قوة العنف ووسائله، مع ضمور عنصر الشرعية والهيمنة. هذا لا يستقر ولا يدوم.
اليوم، الأولوية العليا هي إنهاء جولات الحرب المتنقلة ووقف سفك الدم. فمن جديد، جريان الدم يخلق روابط الدم، أي يعزز ما هو أهلي وما هي جماعات، ويضعف ما هو مدني ولا جماعات والرابط الفكرية والبرنامجية والخيالية. ويحوّل نشوء روابط الدم الحرب من حدث عارض إلى نمط متكرر، على نحو يبقي مستقبلنا رهين الأهلي والحرب، والحرب الأهلية. وهو ما يعني أن الحرب الأهلية لا تنتهي بنهاية الحرب وحدها، وإنما بنهاية الأهلي كذلك، ونهاية السياسات الأهلية. سوريا في حرب أهلية لا تهدأ قليلا إلا لتستعر منذ 15 عاماً، وبصورة ما منذ أكثر من نصف قرن، وآن لهذه الحرب ولركائزها الأهلية أن تنتهي.
كاتب سوري
- القدس العربي


























