أعملت الحكومة السورية الحل العسكري في ملف «قسد» منذ بداية كانون الثاني/يناير الماضي، بعد أشهر طويلة من المفاوضات بين الجانبين من دون التوصل إلى نتيجة ملموسة بخصوص توحيد الجغرافيا السورية، نظراً لتمسك «قسد» بمطلب الإدارة الذاتية واستقلالية قواتها العسكرية.
ونجحت الحكومة السورية، عبر هذا الخيار، في إزاحة سيطرة «قسد» عن مواقع كانت تسيطر عليها في محافظة حلب، إضافة إلى كامل محافظتي دير الزور والرقة. غير أنّ اقترابها من آخر معاقل «قسد»، أو ما تبقى منها والتي تعمل تحت مسمى «وحدات حماية الشعب» الكردية، دفعها إلى تقليص استخدام الخيار العسكري، والانتقال إلى مقاربة مختلفة تقوم على توظيف «سلاح الشرعية» لإدماج ما تبقى من الجغرافيا ضمن مؤسسات الدولة.
احتواء المكوّن الكردي بدلاً من «قسد»
من الواضح أن الحكومة السورية لم تعد تركز على احتواء «قسد»، وإن كانت قنوات الاتصال بين الجانبين لا تزال مفتوحة، بل اتجهت نحو احتواء المكوّن الكردي، تأكيداً على أن مواجهتها محصورة بقوة عسكرية ترفض الاندماج ضمن مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، أصدرت الرئاسة السورية المرسوم رقم 13 منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، لتؤكد من خلاله أنها حكومة تعترف بحقوق جميع المكوّنات السورية، وبالتالي لا يوجد مبرر لاستخدام السلاح ضد الدولة.
وانتهج قادة الأمن العام التابعون لوزارة الداخلية خطاباً يؤكد على مفهوم المواطنة، عقب دخولهم إلى المعاقل الرئيسية لـ«قسد» في مدينة الحسكة وريفها، وعين العرب (كوباني) في ريف حلب. كما جرى التطرق إلى المظالم التي تعرض لها المكوّن الكردي خلال فترة حكم حزب البعث، مع التشديد على أن الغاية الأساسية تتمثل في دمج القوى الأمنية في هذه المناطق ضمن وزارة الداخلية، وليس الصدام مع المكوّن الكردي، بما يضمن حفظ الاستقرار وتفعيل مؤسسات الدولة لصالح أبناء المنطقة.
وبدا لافتاً تجنّب القوات الأمنية استخدام السلاح، حتى بعد تعرضها لإطلاق نار إثر دخول مدينة الحسكة، إلى جانب استفزازات نفذتها عناصر «قسد» تمثلت باعتقال بعض السكان من المكوّن العربي ونشر صور لهم بشكل متعمد، في خطوة عكست حرص الحكومة على عدم منح «قسد» فرصة استدراج القوات الرسمية إلى اشتباكات داخل مناطق مأهولة بالسكان، يتمركز فيها الأكراد بكثافة.
وفي السياق ذاته، التقت وزارة الخارجية السورية بوفد يمثل المجلس الوطني الكردي السوري فقط، وليس الوفد الكردي المشترك الذي يضم أيضاً ممثلين عن «قسد»، ما أعطى انطباعاً واضحاً بفصل مسار الدمج العسكري عن القضايا السياسية المتعلقة بالمكوّن الكردي، والتي لم يعد النقاش بشأنها مقتصراً على ممثلي «قسد».
أظهرت الحكومة السورية للجانب الأميركي استعدادها وقدرتها على مكافحة عودة تنظيم «داعش»، من خلال التعاون في عمليات حساسة بين الجانبين، ما أسهم في تراجع أحد أبرز دوافع واشنطن لدعم «قسد».
تعزيز الشرعية الدولية
أوقفت الحكومة السورية العمليات العسكرية في توقيت بالغ الدقة، بالتوازي مع حراك داخل الأوساط التشريعية الأميركية لطرح مشروع جديد في الكونغرس تحت شعار «حماية الأكراد في سوريا»، يهدف إلى الدفع نحو إعادة فرض العقوبات على دمشق.
وفي هذا الإطار، أعادت الحكومة السورية التأكيد، عبر توصلها إلى اتفاق جديد مع «قسد» في 29 كانون الثاني/يناير الماضي، أنها لا تتمسك بالحل العسكري، وإنما تسعى إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية، باعتبارها السلطة الشرعية المعترف بها دولياً.
وتشير المؤشرات المتلاحقة إلى أن التوجهات الدولية، ولا سيما الأميركية، تدفع باتجاه تعزيز الاستقرار في سوريا، ضمن إطار حكومة قادرة على احتواء جميع المكوّنات. وتعود هذه التوجهات إلى أسباب متعددة، من بينها السعي إلى منع إعادة إدخال سوريا في صراعات بالوكالة، إلى جانب رغبة متزايدة لدى عدد من الدول الغربية في إعادة اللاجئين السوريين، وهو ما يتطلب بالضرورة استدامة الاستقرار.
وتتعاطى دمشق بإيجابية مع هذه التوجهات، وتعمل على تقديم نفسها كطرف قادر على تحقيق الاستقرار، في مساعٍ مستمرة لكسب مزيد من الشرعية الدولية التي تنعكس بدورها على الوضع الداخلي. وفي هذا السياق، أظهرت الحكومة السورية للجانب الأميركي استعدادها وقدرتها على مكافحة عودة تنظيم «داعش»، من خلال التعاون في عمليات حساسة بين الجانبين، ما أسهم في تراجع أحد أبرز دوافع واشنطن لدعم «قسد».
وكرست «قسد» صورة لها باعتبارها قوة معطلة للاستقرار، بدءاً من قصف أحياء مدينة حلب بشكل متكرر منذ أيلول/سبتمبر 2025، وصولاً إلى رهانها على الاستقواء ببقايا المؤسسة العسكرية التابعة لنظام الأسد، وما ألحقته هذه الخطوة من أضرار بسمعتها داخلياً وخارجياً.
ومع موافقة دمشق على الانخراط في التحالف الدولي، لم تعد الولايات المتحدة مضطرة للتعامل في هذا الملف مع قوات لا تتمتع بشرعية حقيقية.
في المجمل، لم يكن النهج الحكومي العامل الوحيد الذي ساعد دمشق على بسط السيطرة على معظم منطقة الجزيرة السورية، بل تزامن ذلك مع أخطاء جسيمة ارتكبتها «قسد»، التي بدا أنها أخفقت في قراءة التوجهات الدولية، ولا سيما الأميركية، تجاه سوريا.
وكرست «قسد» صورة لها باعتبارها قوة معطلة للاستقرار، بدءاً من قصف أحياء مدينة حلب بشكل متكرر منذ أيلول/سبتمبر 2025، وصولاً إلى رهانها على الاستقواء ببقايا المؤسسة العسكرية التابعة لنظام الأسد، وما ألحقته هذه الخطوة من أضرار بسمعتها داخلياً وخارجياً.
ولا يبدو أن «قسد» استفادت من هذه الدروس، إذ لا تزال تقدم نفسها كقوة مزعزعة للاستقرار، من خلال ممارسات قمعية بحق سكان الحسكة، واستمرار ممانعتها لتنفيذ الاتفاقيات المرعية دولياً مع دمشق، في مقابل خطاب حكومي يتسم بالمسؤولية، ما يدفع إلى الاعتقاد بأن سيناريو حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية قد يتكرر في مدينة الحسكة.
- تلفزيون سوريا


























