ملخص
لم تتصور أوروبا أنه بعدما فاخر به وردده رؤساء الولايات المتحدة منذ فرانكلين روزفلت وحتى ما قبل ترمب، من كون التحالفات الكثيرة التي صنعتها واشنطن هي قوة لأميركا، في حين بقي حلفاء الصين وروسيا قلة، سيأتي إلى البيت الأبيض من يرى أن “التحالفات عبء على أميركا”. لا بل إن ترمب يعلن أن أميركا قادرة على خوض حروبها بنفسها بلا حاجة إلى حلفاء.
مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام بدا في الخطاب الأميركي أقل قسوة على أوروبا من مؤتمر العام الماضي. لكن القارة العجوز التي دفعها الرئيس دونالد ترمب إلى إنهاء ما سميت “إجازة من التاريخ” على حساب أميرکا لا تزال في صراع مع النفس حول العودة إلى التاريخ. فهي خائفة من هيمنة أميركا التي يسميها روبرت كاغان “الهيمنة الخيرة”، وخائفة على المظلة الأميركية في الوقت نفسه. وهي، على رغم دورها الحضاري والثقافي وبناء الديمقراطية السياسية، تتطلع في المرآة فتجد نفسها جائرة حائرة وخائرة.
جائرة حين استعمرت معظم العالم وقادته بالأطماع والصراعات على النفوذ إلى حربين عالميتين حسمت الانتصار فيهما أميركا. وحائرة بين التحالف الأطلسي المهدد بسياسات ترمب والذي ارتاحت إليه على مدى ثمانية عقود وبين الدعوات إلى التوجه شرقاً نحو بحر الصين.
وخائرة في ميدان القوة حيال اندفاع روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين للاستحواذ على الأرض في بلدان أوروبية، في حين أن أوروبا التي عدد سكانها 822 مليون نسمة ودخلها القومي 34 تريليون دولار تواجه روسيا التي عدد سكانها 147 مليون نسمة ودخلها القومي تريليونا دولار.
بعد حرب السويس خلال عام 1956، حين فرض الرئيس أيزنهاور الهزيمة الاستراتيجية على فرنسا وبريطانيا لتأخذ أميرکا مكانهما في الدور والنفوذ طرحت “فايننشال تايمز” البريطانية سؤالاً، ماذا تتعلم الدول من هزيمة؟ كانت الأجوبة أن فرنسا تعلمت ثلاثة دروس “بناء أوروبا موحدة توازن أميركا، وبناء قوة نووية ضاربة للردع، واللاثقة ببريطانيا في أمور تتعلق بمصالحها الحيوية”. وقالت بريطانيا بلسان رئيس وزرائها هارولد ماكميلان إنها تعلمت درساً واحداً، “السويس مزقت أوهام الإمبراطورية والأمن يعتمد الآن على الأميرکيين، ولا دور لبريطانيا في السياسة الخارجية إلا إذا كانت حليفاً للدور الأميركي”.
اليوم لا تزال فرنسا تدعو إلى “استقلال استراتيجي” أوروبي ضمن التحالف الأطلسي من دون أن تستجاب الدعوة. وليس من السهل أن تطمئن أوروبا إلى المظلة النووية في كل من باريس ولندن، بعدها صار التشكيك معلناً بالاطمئنان إلى المظلة النووية الأميركية. أما بريطانيا، فإن الدرس نفسه لا يزال أمامها، ولكن المشكلة من الجانب الأميركي. وأما ألمانيا فتسأل “كيف نستطيع کأوروبیين وکاتحاد أوروبي أن نبقى مستقلين في عالم متعدد الأقطاب؟”. برلين تريد بناء أقوى جيش بري في أوروبا. وعدد من أعضاء “الناتو” رفعوا الإنفاق على التسلح إلى اثنين في المئة وبعضهم إلى خمسة في المئة من الدخل القومي. وفرنسا وبريطانيا تضعان قوتهما النووية في خدمة أوروبا. لكن كل ذلك لا يبعث على الاطمئنان.
ذلك أن أوروبا تأخرت كثيراً في الاستيقاظ من النوم تحت المظلة الأميركية في الحرب الباردة وبعدها. لم تضع في حسابها أن روسيا التي أرادت لها أن تكون جزءاً من أوروبا، “من الأورال إلى الألب”، على حد تعبير الجنرال ديغول ستكون تهديداً للأمن الأوروبي وغازية لجورجيا وأوكرانيا.
ولم تتصور أوروبا أن بعدما فاخر به وردده رؤساء أمیرکا منذ فرانكلين روزفلت وحتى ما قبل ترمب، من كون التحالفات الكثيرة التي صنعتها واشنطن هي قوة لأميركا، في حين بقي حلفاء الصين وروسيا قلة، سيأتي إلى البيت الأبيض من يرى أن “التحالفات عبء على أميركا”. لا بل إن ترمب يعلن أن أميركا قادرة على خوض حروبها بنفسها بلا حاجة إلى حلفاء، من دون أن يصغي لقول المستشار الألماني فریديريتش ميرتس في مؤتمر ميونيخ “إن أميركا لن تكون قوية بما يكفي لكي تعتمد على نفسها حصراً”.
في مقالة تحت عنوان “الحلفاء بعد أميرکا”، يرى فيليب غورون من “بروكنغز” ومارا كارلين أستاذة الممارسة في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة “جونز هوبكنز” أن “حلفاء أميركا لم يفكروا في خطة بديلة قبل مجيء ترمب الذي خرج على 80 سنة من التقليد الأميركي، إذ هو يمثل توجهاً أميركياً مختلفاً نحو السياسة الخارجية بمقدار ما يشكلها”. والتحذير الذي يبعثان به مفاده أن “من يراهن على تغيير ما بعد ترمب ليس حكيماً، وعلى حلفاء أميرکا البحث عن خطة الآن، لأن العالميين ما عادوا موجودين في إدارة ترمب الثانية”.
ومع أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبیو غازل الأوروبين في مؤتمر ميونيخ بالقول إن “أميركا ابنة أوروبا”، إلا أن في سجله قبل المؤتمر كلاماً واضحاً، “النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية ليس مهملاً بل هو الآن سلاح يستخدم ضدنا”. وليس من المفاجآت أن تقول الأكثرية في 24 بلداً أوروبياً ضمن استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “بيو”، إن “لا ثقة في أن يفعل ترمب الشيء الصحيح تجاه قضايا العالم”. والتحدي كبير أمام أوروبا مع ترمب، إما المواجهة الجماعية وإما الاستسلام له. ولا مجال لانتظار معجزة بعد خروجه من البيت الأبيض. فاليمين الشعبوي المتطرف ينمو في أوروبا وأميركا معاً. ولا مهرب من التحالف مع أميركا مهما كان موقفها، ولا مهرب للاتجاه شرقاً لأن العوائق كثيرة أمام الرهان على الصين.
وليس أصعب على أوروبا من الاستمرار في الوضع الحالي سوى التفاهم الجماعي على تغيير جذري. وهناك كما قال أينشتاين “شيئان لا حدود لهما: الكون والحماقة الإنسانية”.
- إندبندنت






















