تشهد السياسة الأميركية تجاه محاربة تنظيم الدولة تحوّلًا لافتًا مع مطلع 2026، يتمثل في الانتقال من الاعتماد على الشركاء الذين لا يتبعون للدولة، إلى تحميل الدولة السورية الجديدة دورًا أكبر في احتواء التنظيم. تناقش هذه المادة، المترجمة عن معهد نيو لاينز، فرص هذا النهج وحدوده، وتسلّط الضوء على إشكالية الشرعية وبناء المؤسسات، وعلى ما إذا كان التركيز على القدرة الأمنية وحدها كفيلًا بمنع عودة تنظيم الدولة، أم أنه قد يعيد إنتاج إخفاقات سابقة شهدتها تجارب أفغانستان والعراق.
يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة ضمن إطار تلمس معالم السياسة الأميركية الجديدة تجاه سوريا، قيادة وبلداً، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لما ورد فيها أو تماهياً مع هذا الموقف.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
في مطلع عام 2026، ظهر تحول كبير على السياسة الأميركية المعنية بمحاربة الجهادية، إذ بعد مرور عقدين ونيف من الاعتماد بشكل رئيسي على الشركاء الذين لا يمثلون دولة لمجابهة الخطر الجهادي، ألمحت واشنطن إلى احتمال قيام تحول باتجاه تبني استراتيجية تعتمد على جهود الدول.
ظهرت سوريا كتجسيد حقيقي لعملية إعادة التقييم هذه، إذ على مدى سنين، اعتمدت الولايات المتحدة على قوات سوريا الديمقراطية، وهو تحالف يقوده الكرد بمشاركة العشائر العربية، فكانت تلك القوة هي الشريك الأساسي للولايات المتحدة في عمليات محاربتها لتنظيم الدولة. وفي كانون الثاني من هذا العام، تقدمت قوات الحكومة السورية نحو المناطق التي كانت تخضع لإدارة قسد في شمال شرقي سوريا. وفي الوقت نفسه، توجهت الرسائل السياسية الأميركية بشكل أكبر نحو منح دمشق مسؤوليات أعظم في مجال احتواء تنظيم الدولة، وقد أفصح المبعوث الأميركي توم براك عن هذا التحول، وذلك عندما قال بإن الدور الأصلي لقسد بوصفها قوة أساسية تعمل على مجابهة تنظيم الدولة قد “انتهت صلاحية معظمه” وبأن مؤسسات الدولة السورية صار بوسعها أن تضطلع بمسؤولية منع هذا التنظيم من إعادة رص صفوفه من جديد.
ولهذا التحول أهمية كبيرة بما أن الخطر الجوهري لتنظيم الدولة في سوريا لم يعد محصوراً بالأرض، بعد أن تركزت استراتيجية دولة الخلافة البائدة التي أقامها هذا التنظيم على شبكات لامركزية تعمل على تحين الفرص فور ظهور أي فراغ في السلطة. ولهذا فإن القضية لا تقتصر على قدرة السلطات السورية في منع نشاط تنظيم الدولة على المدى القصير أم لا، بل بمدى قدرة النهج الأميركي -الذي بات يركز على الدولة بنسبة أكبر والذي تم تطبيقه وسط حالة تقلقل سياسية- على منع ظهور تنظيم الدولة من جديد من دون استنساخ الإخفاقات التي ساعدت على صعود التنظيم بعد عام 2014.
دليل الجهة الوكيلة
منذ هجمات 11 أيلول، اعتمدت السياسة الأميركية لمحاربة الجهادية بشكل مطرد على الشركاء الذين لا يمثلون دولة وذلك لمواجهة خطر المقاتلين، وقد كان لذلك في كثير من الأحيان أثر تكتيكي مباشر، إلا أن ديمومته على الصعيد السياسي بقيت محدودة، ففي أفغانستان مثلاً، عملت واشنطن من خلال (الحلف الشمالي) على تفكيك حكم طالبان، ولكن بعد مرور عقدين على ذلك، عادت طالبان إلى السلطة، ما أكد هشاشة الانتصارات التي بنيت على الإجراءات التي اعتمدت على الميليشيات.
وفي العراق، جربت الولايات المتحدة العديد من الشركاء الذين لا يمثلون الدولة لمجابهة الأخطار الجهادية المتلاحقة. فلعبت الميليشيات الشيعية ومجالس الصحوة السنية أدواراً حاسمة في مجابهة تنظيم القاعدة بالعراق، إلا أن المظالم التي لم ترفع، فمكن تشظي السلطات تنظيم الدولة فيما بعد من السيطرة على مناطق واسعة ذات غالبية سنية في عام 2014. وتكرر النهج نفسه عقب الحملة المناهضة لتنظيم الدولة، إذ أثبتت قوات الميليشيات الشيعية فعاليتها في ساحة القتال، إلا أن عناصر من تلك الميليشيات نفسها تحولت إلى مصدر لزعزعة الاستقرار فيما بعد، فكان من بين الأمور التي نفذتها هجمات استهدفت مواقع أميركية.
إذن، فالدرس المتكرر والمستفاد من كل ذلك هو أنه حتى في حال نجحت القوات الوكيلة على الصعيد العسكري، فإن ذلك نادراً ما يتمخض عنه نتائج سياسية على المدى البعيد، لأن تلك القوات تقمع الأخطار من دون أن تحل مشكلة الفراغ في السلطة وأوجه القصور في الشرعية، أي تلك الأمور التي تستغلها الحركات الجهادية عادة. والآن، يهدد الوضع السوري بقلب هذا النهج رأساً على عقب، ذلك النهج الذي يفترض بأن إناطة المسؤولية بالدولة لا بد أن يتمخض عن نجاح في المواضع التي تعجز النماذج الوكيلة عن تحقيق ذلك.
لماذا الدولة السورية الآن؟
يعود أحد أسباب اعتبار الدولة السورية عنصراً فاعلاً محتملاً في محاربة تنظيم الدولة إلى خلفية وبيئة النخبة الحاكمة الجديدة في سوريا، فقد خرجت جبهة النصرة، التي أصبحت فيما بعد هيئة تحرير الشام (هتش) من رحم البيئة العقائدية لتنظيم القاعدة نفسه والذي خرج تنظيم الدولة من رحمه أيضاً وذلك قبل أن تنقسم الحركة الجهادية إلى تيارات متناحرة، وهذا الانقسام لم يكن مجرد انقسام عقائدي، بل كان انقساماً عنيفاً اتسم بمجابهة مستمرة بين المشاريع الجهادية المتنافسة.
بعد دحر هيئة تحرير الشام من المنطقة الشرقية بسوريا، وترسيخها لسلطتها في محافظة إدلب التي أضحت جيباً لها، عدلت الهيئة من نهجها تجاه تنظيم الدولة، فبدلاً من السعي لتحقيق توسع على الأرض، شنت حملات أمنية علنية إلى جانب حملات استخبارية سرية ضد تنظيم الدولة، شملت عمليات اختراق واعتقال واستهدافاً بالقتل، ومحاولات لشق صف الشبكات الموالية لتنظيم الدولة في الداخل. فتمخض هذا المسار عن ظهور قيادة تستوعب عقيدة تنظيم الدولة بشكل دقيق وكذلك أساليبه في التجنيد وخطوط الصدع الموجودة داخله.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، خرج القائد السابق لهيئة تحرير الشام، أحمد الشرع، ليمثل السلطة المركزية القادرة على حشد شرائح واسعة ومهمة من السنة. وهذه العوامل تساعد في شرح الأسباب التي دفعت لتقييم الدولة السورية اليوم واعتبارها بأنها تمتلك ميزات تساعدها على مجابهة أي شكل لتنظيم الدولة بعد دولة الخلافة، على الرغم من المخاطر السياسية التي ينطوي عليها هذا النهج.
القدرة شيء والشرعية شيء آخر
إن قدرة حكام سوريا الجدد على محاربة تنظيم الدولة من خلال عمليات عسكرية لا تعني بحد ذاتها تمييز نهجهم عن النماذج السابقة التي تعطي الأولوية للجانب الأمني. إذ يمكن للقدرة العسكرية أن تقمع العنف، لكنها لن تخلق استقراراً دائماً بشكل تلقائي، والشرع يستمد سلطته بشكل رئيسي من الدور الذي لعبه في إسقاط نظام الأسد وفي ترسيخ السلطة، وليس من خلال عملية سياسية قائمة على مشاركة الجميع أو عبر إقامة مؤسسات راسخة في هذا البلد، ولهذا فإن القاعدة الأساسية المؤيدة له ماتزال تنحصر بالأوساط السنية المحافظة التي تعرضت لتهميش خلال فترة طويلة من حكم الأسد، إلى جانب الفصائل المسلحة التي تحالفت معه، ما يعبر عن وجود أساس غير سوي بطبيعته لإدارة الحكم على المستوى الوطني.
إن اختلال التوازن هذا يعطي مؤشرات مختلطة، فالمرسوم الذي أصدره الشرع في كانون الثاني لعام 2026 والذي منح بموجبه الكرد السوريين حقوقهم الثقافية واللغوية ووصف بأنه خطوة مهمة، لاقى ترحيباً دولياً بوصفه أساساً لبناء الثقة، على الرغم من عدم وضوح طريقة تطبيقه وما يترتب سياسياً على ذلك. وعندما نقارن ذلك بأحداث أخرى وقعت قبل ذلك، ومنها عجزه عن ضبط المقاتلين التابعين له خلال أحداث العنف في مناطق العلويين والتي اندلعت في آذار من عام 2025، وكذلك حشد قوات العشائر في السويداء في فترة لاحقة من ذلك العام، أكدت التصورات حول وجود مشاركة ولكنها مشاركة انتقائية. وهذه التناقضات تعقّد عملية الإندماج، وتحد من قدرة الدولة على حصد الشرعية على نطاق واسع.
يستغل تنظيم الدولة هذه الثغرات في الشرعية، إذ في الوقت الذي لا يبالي بحقوق الأقليات ولا بالقواعد الديمقراطية، يحرص التنظيم على تدمير الثقة بالسلطات التي يعتبرها منافسة له. ففي افتتاحية نشرت مؤخراً بصحيفة النبأ التي تعتبر لساناً ناطقاً بدعاية تنظيم الدولة، جرى تصوير الشرع على أنه لا يختلف عمن سبقه من “الطغاة”، إذ يحرص هذا الخطاب على تشويه سمعة حكم هذا الرجل واستقطاب الجهاديين الميالين لهذا التفكير والموجودين ضمن صفوف قواته، لأن زعزعة الشرعية مهمة بالنسبة لتنظيم الدولة تماماً كأهمية استغلاله للفوضى.
ولا يعتبر ذلك تكراراً لما حدث عند ظهور تنظيم الدولة في السابق، والذي اعتمد على استغلال إحساس السنة بالإقصاء، لأن الحكم السني في دمشق رفع سقف التحديات أمام تنظيم الدولة، ولهذا صار يحشد السنة من خلال سردية “الإقصاء” نفسها، من دون تخليه عن المسارات الأخرى التي يتبعها. لأن هذا التنظيم لا يبحث عن تأييد سني كاسح لينشط في الوقت الحالي، بل إنه بحاجة لانعدام الاستقرار، ولضعف المؤسسات، ولمساحة عقائدية على الهوامش. ولذلك فإن الاضطرابات التي تتصل بالأقليات لا تعنيه وكذلك الحوادث الطائفية، لأنه يسعى للحصول على الدعم، ولأن التنظيم نفسه يخلق حالة فوضى واضطرابات تزيد من تعقيد الوضع الأمني وأمور الحكم. أما ضمن الأوساط السنية، فيركز تنظيم الدولة على تشويه السمعة بدلاً من استبدال القيادة الجديدة، فيستهدف العناصر المحافظة عبر تصوير الشرع كطاغية وكافر وضعيف. وبالتوازي، تسهم الثغرات الحاصلة في مجال العدالة وإدارة السجون والحكم المحلي بتوفير مداخل عملية أمام هذا التنظيم الجهادي.
نموذج تنظيم الدولة بعد دولة الخلافة: الاعتماد على الشبكات لا الأرض
تعبر استراتيجية تنظيم الدولة بعد دولة الخلافة عن تحول من السيطرة على الأراضي إلى الاعتماد على أفراد وشبكات لامركزية، إذ عقب الهزيمة العسكرية التي مني التنظيم بها في العراق وسوريا، صار ينأى بنفسه عما يفرضه الحكم من تكاليف، واتجه نحو لامركزية التجنيد، والإلهام العقائدي، والعنف الانتقائي. وبدلاً من إعادة بناء الهياكل الهرمية، صار تنظيم الدولة اليوم يستغل المظالم المحلية والتوتر الطائفي والسجون والانقسامات الاجتماعية ليعيد نشر نفوذه من دون الوصول إلى مرحلة المواجهة العسكرية المستمرة.
إن الهجمات التي استلهمت أسلوب تنظيم الدولة والتي حدثت منذ فترة قريبة في كل من مانشستر بإنكلترا وبوندي بيتش بأستراليا وكذلك الهجمات التي نفذت والتي لم تنفذ في سوريا فبقيت ضمن إطار المحاولات، أتى الإعلان عن مسؤولية التنظيم عنها ضعيفاً، أو تُركت هكذا من دون أن تنسب لأي جهة، على الرغم من وضوح الارتباط العقائدي بهذا التنظيم، وهذا الغموض مقصود، لأن تنظيم الدولة صار يضع التحالف ضمن إطار الارتباط بالدين بدلاً من الارتباط بالتنظيم، وهذا ما ساعده على التحول إلى مصدر إلهام في مجال العنف من دون أن يتحمل المسؤولية المباشرة عن ذلك من خلال قيادة العمليات والسيطرة عليها. وهكذا فإن الجماعات التي تعتبر واجهة لهذا التنظيم، والعناصر الفاعلة التي تربطها به علاقة فضفاضة تسهم في خلق مسافة إلى جانب توسيع امتداد هذا التنظيم.
ولهذا فإن قمع تلك الهجمات لا يرقى إلى مستوى تحييد الخطر، إذ طالما بقيت حالات القصور في الشرعية ولم ترفع حالات الظلم، فإن تنظيم الدولة سيحتفظ بقدرته على إعادة ترتيب صفوفه بالسر وبشكل تدريجي وخارج نطاق المعايير التقليدية لمكافحة الإرهاب.
امتحان الشرع
بعيداً عن البنى التحتية للسجون، وخاصة فيما يتصل بإدارة المحتجزين التابعين لتنظيم الدولة والإشراف على السجون، ما تزال التحديات المؤسساتية الكبيرة في سوريا بلا حل، كما ما تزال الهياكل الأمنية والعسكرية فيها في مرحلة الانتقال من منطق الثورة التي نشطت في أحد جيوب الثوار، إلى ذهنية الحكم الأمني على مستوى البلد كله. غير أن عملية الاحتواء الفعالة لتنظيم الدولة بحاجة لتنسيق احترافي في مجال الاستخبارات، وآليات للإشراف، وتعاون بين المؤسسات والأجهزة. وهذه الإمكانيات لا يمكن للشرعية الثورية أو السيطرة الظرفية المؤقتة أن تبتدعها، فهذه ليست ثغرات تقنية، بل سياسية، كونها تعبر عن فشل في تصميم المؤسسات التي ترسم وبشكل مباشر شكل البيئة التي يسعى تنظيم الدولة من خلالها لإعادة بناء شبكاته.
إن الانتقال من حركة مسلحة إلى سلطة حاكمة يمثل امتحاناً حاسماً للقيادة السورية الجديدة، فالسوابق المستوحاة من إدلب التي خضعت لحكم هيئة تحرير الشام قبل إسقاط الأسد، مضللة، لأن الشرع والميليشيا التي تزعمها حكموا في إدلب جيباً صغيراً نسبياً يتمتع بتماسك على الصعيد الاجتماعي، وذلك في ظل ظروف وجود تهديد خارجي مستمر. أما حكم سوريا بأسرها فيمثل تحدياً مختلفاً تمام الاختلاف وذلك على مستوى الجغرافيا، والتنوع الاجتماعي والمظالم السياسية التي لم ترفع.
وعلى المستوى الوطني، فإن عملية محاربة تنظيم الدولة لا تعتمد على الإكراه بقدر ما تعتمد على إدارة التعددية، والتأسيس لمحاسبة المؤسسات، والتعبير عن سلطة يشارك فيها الجميع وتشمل مختلف المناطق المتنازع عليها. وهذه الجوانب لا تعتبر جوانب مكملة للوضع الأمني، لأنها تمثل إطاراً عملياً يمكن من خلاله إما تحييد سرديات تنظيم الدولة أو ترسيخها. فالدولة التي لا تستطيع دمج شرائح متنوعة، أو تنظيم عمل العناصر الفاعلة المسلحة المتحالفة معها، أو مأسسة السلطة، تصبح مهددة بإعادة إنتاج الفراغ في الشرعية الذي يستغله تنظيم الدولة، ويقصد بذلك بأن التحدي الذي تواجهه قيادة الشرع هو تحد يمس هياكل الحكم وليس بتحد شخصي، لأن نجاح هذه العملية الانتقالية أو فشلها هو الذي سيرسم مستقبل تنظيم الدولة في سوريا بشكل أوضح من مسألة التموضع الأيديولوجي والنتائج التي تتمخض عن ساحات المعارك.
ما الذي يجب أن يخضع لمراقبة واشنطن
إن ابتعاد واشنطن بشكل تدريجي عن محاربة الجهادية عبر الاعتماد على كيانات لا تمثل الدولة قد يحمل بعض الميزات، ومنها خلق تصور تجاهها بأنها أصبحت تتمتع بحياد أكبر ضمن مجتمعات خسر الشركاء الذين لا يمثلون الدولة شرعيتهم فيها منذ أمد بعيد، وقد تجلت تلك الدينامية في أجزاء من شمال شرقي سوريا، حيث أضحى السخط على حكم قسد جلياً. ولكن، وبدلاً من تحقيق نتائج أمنية فورية، فإن فاعلية النهج الذي يركز على الدولة لا بد أن يقوم على شروط طويلة الأمد.
والسؤال المهم هنا ليس هل ستحل الدولة محل العناصر الفاعلة التي لا تمثل الدولة، بل هل ستنتهج أساليباً تحد من حالة انعدام الاستقرار التي تفسح المجال أمام الجماعات المتمردة للنمو والتطور؟ وتتضمن المعايير ذات الصلة بهذا المضمار قدرة الدولة على إدارة السجون بشفافية، وقوننة عمل العناصر الفاعلة المتحالفة معها وتنظيمها، والتخفيف من حدة التوتر الطائفي عبر إشراك الأقليات، والعمل على خلق حالة حكم أساسية دائمة في مختلف المناطق التي تتسم بتنوعها. وعلى النقيض من ذلك، فإن تجدد الاشتباكات المحلية، وظهور عنف طائفي، والانقسامات داخل الهياكل الأمنية يجب أن ينظر إليها على أنها مؤشرات تحذر من ظهور حالة فوضى واضطراب، أي تلك الحالة التي يحرص تنظيم الدولة على استغلالها.
سبق لتنظيم الدولة أن عانى من ضعف على المستوى العسكري، لكنه عاد على الرغم من ذلك، ولم يكن الدافع لظهوره من جديد الديناميات التي اتبعها في ساحة المعركة بقدر ما كان الدافع هو غياب المشاركة وعدم وجود حالة حكم تمارس من خلالها الدولة وظائفها ومهامها. لذا فإن ربط مشاركة الولايات المتحدة للسلطات السورية الجديدة فقط بأداء دمشق في مجال محاربة تنظيم الدولة يعتبر تكراراً لهذا النهج، وهذا ما يزيد من قدرة الشبكات التابعة لهذا التنظيم الجهادي على العودة للنشاط من جديد. لأن احتواء التنظيم على المدى البعيد يعتمد على اقتران المكاسب الأمنية بتطوير المؤسسات، ومدى حِرفية القوات، كما يرتبط بالأطر السياسية التي تمثل الجميع وتقيم العدل بصورة منطقية. لأن هذه العوامل هي التي تخلق السردية المضادة التي يحرص تنظيم الدولة على تقويضها. أما بالنسبة لواشنطن، فإن السؤال المحوري لا يتعلق بمن يحارب التنظيم اليوم، بل بالظروف التي ستمنع في حال ترسخها هذا التنظيم من العودة للظهور غداً.
المصدر: The New Lines Institute
- تلفزيون سوريا



























