ملخص
نجحت القيادة السورية الجديدة في كسر العزلة الدولية وجذب الدعم الخارجي بسرعة لافتة، لكنها تواجه اختباراً أخطر في الداخل، إذ يهدد احتكار السلطة هشاشة الأمن، وغياب الشمول السياسي بتحويل انتقال ما بعد الأسد إلى استقرار موقت قابل للانفجار.
على امتداد عام واحد، حقق أحمد الشرع، القائد السابق في تنظيم “القاعدة”، ما كان يبدو مستحيلاً، إذ لم يكتف بإسقاط ديكتاتورية حكمت سوريا نصف قرن، بل تمكن أيضاً، فور توليه قيادة البلاد، من إقناع العواصم الغربية برفع معظم العقوبات المفروضة إبان عهد النظام السابق أو تعليقها، وانتزع تعهدات عربية وغربية باستثمارات تقدر بمليارات الدولارات، وانضم حتى إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش“. لقد كانت عملية إعادة التأهيل الدولية التي حققها الشرع – لنفسه ولبلاده – أمراً غير قابل للتصور حين خرج إلى الساحة زعيماً لسوريا من تحت أنقاض نظام بشار الأسد.
ومع ذلك، وعلى رغم الانتصارات الدبلوماسية، يواجه الشرع تحديات داخلية متفاقمة. فالسمات ذاتها التي مكنت “هيئة تحرير الشام“، التنظيم المسلح الذي قاده حتى حله رسمياً خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، من دخول دمشق خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، باتت اليوم تعقد جهود القيادة الجديدة لإعادة بناء الدولة السورية. فالبنى القيادية المحكمة، وتقديم البقاء على النقاء الأيديولوجي، والقدرة القاسية على تحييد الخصوم، كانت ضرورية لصياغة مزيج من الجماعات الجهادية وغيرها من الفصائل المسلحة في قوة قتال فعالة. غير أن مرور عام على مرحلة ما بعد الأسد كشف عن أن هذه السمات أنتجت منظومة حكم تتركز فيها السلطة ضمن دائرة ضيقة من قادة الهيئة السابقين، الذين لم يقدموا بعد رؤية واضحة لمستقبل سوريا السياسي.
وبسبب منعهم من المشاركة الفعالة في المؤسسات السياسية التي أُعيد تشكيلها حديثاً، لا يزال أبناء الأقليات الدينية والعرقية، فضلاً عن أفراد الغالبية السنية المتخوفين من التوجه الأيديولوجي للقيادة الجديدة، غير متأكدين من مكانتهم في سوريا الجديدة. ولم يبلغ هذا التوتر مستوى أشد حدة في أي مكان خلال الآونة الأخيرة أكثر مما وصل إليه في شمال شرقي البلاد، حيث اجتاحت قوات الحكومة السورية المناطق التي كانت تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بقيادة الأكراد لأكثر من عقد من الزمن. إن الاتفاق الذي توصل إليه الأسبوع الماضي بين “قسد” والحكومة التي بدأت عملية دمج المجموعة في مؤسسات الدولة، قد يؤدي إلى تخفيف حدة هذه التوترات، بيد أن الزخم ينبغي أن يتواصل من دون توقف هنا. فإذا تعثرت عملية الانتقال السياسي في سوريا، فقد تنزلق البلاد إلى دوامات جديدة من العنف، مما يعرض التقدم الذي أحرزته الحكومة في حشد الدعم الدولي إلى الخطر.
إن السبيل الوحيد لضمان الاستقرار على المدى الطويل يتمثل في انفتاح الفعلي للنظام السياسي. غير أن الشرع يتردد حتى الآن في القيام بذلك، مع أنه سياسي محنك أثبت قدرته على التكيف العملي بغية تفادي المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. فعلى مدى الأعوام الـ10 الماضية، أبقى حركته بعيدة من تيارات الجهاد العالمي ووجهها نحو تحقيق توافق استراتيجي مع الشركاء الدوليين. وقبل أشهر قليلة من سقوط الأسد، عندما كانت “هيئة تحرير الشام” تسيطر على محافظة إدلب، سمح بإجراء إصلاحات محدودة استجابة للاحتجاجات الشعبية في المنطقة. والآن، للحفاظ على التقدم الذي أحرزه كزعيم لسوريا والبناء عليه، سيحتاج الشرع إلى منح السوريين حصة سياسية حقيقية في مستقبل بلادهم.
الانخراط بعد النبذ
لقد كانت سرعة إعادة انخراط سوريا مع العالم مثيرة للإعجاب. فحين سيطرت “هيئة تحرير الشام” على دمشق، كانت سوريا دولة منبوذة، خاضعة لعقوبات فرضتها غالبية الدول، أساساً بسبب قمع نظام الأسد. وكانت الهيئة نفسها مدرجة على “القائمة الموحدة” للمنظمات المحظورة التابعة لمجلس الأمن، فيما جعلت جذورها الجهادية دول المنطقة مترددة في التعامل معها. وخضع كل من الشرع ووزير الداخلية السوري أنس خطاب لعقوبات أقرها مجلس الأمن لوجود صلات لهما بتنظيم “القاعدة” حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مما يعني أن الدول التي تستضيف أياً منهما توجب عليها أن تؤمن استثناءات من الأمم المتحدة. ومع ذلك، فقد عمدت الحكومة الجديدة خلال الأشهر الأولى من تسلمها السلطة، إلى استعادة العلاقات مع دول أجنبية معادية مثل روسيا، كما حصلت على تعهدات من دول الخليج بتقديم مساعدات إعادة الإعمار، وأقنعت الدول الغربية بالبدء في التراجع عن العقوبات. وخلال نوفمبر 2025، شطب مجلس الأمن الدولي بناءً على طلب واشنطن اسمي الشرع وخطاب من القائمة، على رغم أن اسم “هيئة تحرير الشام” نفسها لا يزال مدرجاً على قائمة العقوبات بهدف تهدئة المخاوف الصينية في شأن مشاركة جماعة مسلحة من الإيغور في الجيش السوري الجديد. وخلال الشهر نفسه، زار الشرع البيت الأبيض وتعهد بأن تتعاون حكومته مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم “داعش”.
لم يأت هذا الانفتاح على العالم صدفة. فقد أدرك قادة سوريا الجدد أن نيل الشرعية في أعين الشركاء الخارجيين، ومعها فتح أبواب الدعم المالي والاستثمارات الحيوية لبلادهم، مرهون بقدرتهم على طمأنة العواصم الغربية بأن الحكومة في دمشق قادرة على معالجة هواجسها الأساس. لذلك أطلقت الحكومة حملة تواصل واسعة، وقدمت التزامات ملموسة في ملفات ذات أولوية: مواجهة تنظيم “داعش”، تفكيك البنية التحتية للأسلحة الكيماوية، منع القوات الموالية لإيران من العمل على الأراضي السورية، ودمج آلاف المقاتلين الأجانب في الجيش الوطني لتقليل أخطار خروجهم من سوريا وتهديدهم الأمن الإقليمي. وقد أسهم الوفاء بهذه التعهدات خلال النصف الأول من عام 2025، إلى جانب جهود دبلوماسية نشطة من قطر والسعودية وتركيا، في تمهيد الطريق أمام تسريع تخفيف العقوبات الأميركية والأوروبية.
ومن المهم بقدر مماثل هو الإدارة الماهرة من جانب الحكومة السورية الجديدة للعلاقات المعقدة. فقد حافظت على التعاون مع روسيا، التي دعمت نظام الأسد على مدى ما يزيد على عقد من الزمن. ونجحت في القضاء على النفوذ الإيراني من خلال تفكيك الميليشيات المتحالفة مع إيران، ووضع حد لوصول الحرس الثوري إلى البنية التحتية الأمنية السورية، وقطع الصلة البرية بين إيران وحليفها “حزب الله” داخل لبنان. وقد تحقق كل ذلك مع تجنب المواجهة المباشرة مع طهران. وعلى رغم أن إسرائيل شنت مئات الغارات الجوية على أهداف سورية كما أرسلت قوات برية لاحتلال أراضٍ أبعد بكثير من مرتفعات الجولان، وهذه منطقة تقع على الحدود الإسرائيلية – السورية تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 وضمتها رسمياً عام 1981، فقد سعت القيادة السورية إلى نزع فتيل الأزمة قبل أن تنفجر، من خلال خطوات منها المحادثات مع إسرائيل التي أجريت بوساطة أميركية، بدلاً من الرد بالقوة العسكرية. وإذ لم تتراجع حدة العداء الإسرائيلي تجاه الحكومة السورية الجديدة، فإن النهج البراغماتي والمتزن الذي تتبعه دمشق في ميدان العلاقات الخارجية قد أتى بثمار مهمة. فهي حالياً لا تواجه أي خصم خارجي يذكر باستثناء إسرائيل، وليس هناك من قوى إقليمية أو دولية تبدي أي ميل لدعم معارضة مسلحة داخل سوريا.
متاعب داخلية
من المؤكد أن التحول السياسي الذي شهدته البلاد كان من الممكن أن يتمخض عن اضطرابات أكبر من تلك التي اشتمل عليها فعلاً. فعلى رغم أن “هيئة تحرير الشام” كانت في حد ذاتها قوة متماسكة للغاية، فإنها لم تكن سوى إحدى القوى ضمن تحالف ظافر ضم عشرات الفصائل المسلحة ذات التاريخ الطويل من الاقتتال الداخلي الدموي. وقد تمكن الشرع من الوصول إلى السلطة من دون تمرد أي واحد من هذه الفصائل، وهو إنجاز ليس بالهين. أقرت الجماعات المسلحة كافة بقيادته، وسمحت بأن يجري حلها رسمياً خلال يناير 2025 ودمجها ضمن جيش وطني جديد. وبذل الشرع قصارى جهده من أجل إبعاد السياسة عن المفاوضات مع هذه الجماعات، فاستطاع أن يستقطب قادة أفراداً من خلال منحهم ترقيات إلى رتب عسكرية عليا، ولم يقدم أي وعود بالحكم الذاتي الإقليمي أو التمثيل السياسي لأي فصيل، مما حرمهم من الوصول إلى الوسائل اللازمة لتحدي القيادة العسكرية الجديدة بصورة فعالة أو السعي إلى الحصول على السلطة السياسية. لم يكتمل بعد تعزيز السيطرة على القوات المسلحة للبلاد. إلا أن دمج الحكومة للمنافسين السابقين في هيكل عسكري واحد من دون إثارة صراع داخلي أو وضع ترتيبات صارمة لتقاسم السلطة من شأنها أن تسبب مشكلات في المستقبل، يعد إنجازاً كبيراً.
وهناك تطور آخر غير متوقع ولكنه واعد وهو أن السلطات الجديدة لم تفرض أجندة إسلامية متشددة على رغم أن أعضاءها كانوا سابقاً جهاديين. وعمدت بدلاً من ذلك إلى التركيز على إعادة بناء مؤسسات الدولة ودفع العملية الدستورية قدماً إلى الأمام. ومع أن الحكومة الموقتة التي تسلمت السلطة أواخر عام 2024 كانت تتألف في غالبيتها الساحقة من قادة “هيئة تحرير الشام” الموالين للشرع، فإن الحكومة الانتقالية التي عُينت خلال مارس (آذار) 2025 كانت متنوعة بصورة تثير الدهشة. فالبرلمان الجديد، الذي اختير عبر عملية شديدة الضبط قادتها لجان يعينها الشرع نفسه، لا يخضع لهيمنة “الهيئة”، بل يضم مهنيين وتقنيين وأفراداً تقليديين وقلة من المرتبطين بفصائل مسلحة (ولا تزال النساء ممثلات تمثيلاً ضئيلاً، إذ لا يتجاوز عددهن ستاً من أصل 119 نائباً.) كذلك فإن مجلس الوزراء المؤلف من 23 عضواً، وهو الهيئة الإدارية الرئيسة في البلاد، لا يخضع لهيمنة “الهيئة” أيضاً. فمع أن الأفراد الأكثر تأثيراً فيه كانوا من المقربين للشرع، يضم المجلس تقنيين وقيادات مجتمع مدني مثل رئيس منظمة “الخوذ البيضاء” رائد الصالح، وأفراداً بارزين من الشتات أبرزهم هند قبوات الناشطة والمرأة المسيحية. وتبدو مشاركة قبوات لافتة خصوصاً، لأن “الهيئة” لم تكن تقبل مشاركة النساء في السياسة خلال حكمها لإدلب قبل سقوط الأسد.
بيد أن هذا الاستيعاب الظاهري لفئات متعددة يخفي حقيقة تدعو إلى القلق، ذلك أنه فيما تجري إعادة بناء المؤسسات السياسية السورية فإن السلطة الحقيقية تتركز في أيدي مجموعة صغيرة منتقاة من القيادة السابقة لـ”هيئة تحرير الشام”. ويبدو أن مدى تأثير أولئك الذين عُينوا ويمثلون دوائر انتخابية أخرى على عملية صنع القرار يعتمد إلى حد كبير على كرم الرئيس ومستشاريه المقربين. علاوة على ذلك، فإن الحكومة قد تجنبت منح الشعب السوري أية فرصة للتمثيل المباشر. وجرى حل الأحزاب السياسية كافة خلال يناير 2025، ولم تصدر أية قوانين أو قرارات تسمح بتأسيس أحزاب جديدة منذ ذلك الحين. في غضون ذلك، يعمل أعضاء “هيئة تحرير الشام” السابقون فعلياً كحزب حاكم غير معترف به. فهم يتولون الرئاسة، ويسيطرون على الأجهزة الأمنية والوزارات الرئيسة، وحتى أولئك الذين لا يشغلون من أعضاء الهيئة مناصب رسمية غالباً ما يعملون كمشرفين فعليين في المؤسسات الجديدة. لذلك، يشعر كثير من السوريين بالخشية لأنهم لا يشهدون انتقالاً إلى حكومة شاملة وتمثيلية، وإنما يرون ترسيخاً لنظام استبدادي جديد.
ومما يزيد من قلق السوريين في شأن طبيعة الدولة الناشئة، أن القوات الموالية للحكومة استجابت لسلسلة من المشكلات الأمنية خلال العام الماضي بإجراءات قمعية، مما أظهر ثغرات في الانضباط والقيادة. لقد أحدثت الحرب الأهلية التي دامت لأكثر من عقد من الزمن صدوعاً طائفية وسياسية عديدة في البلاد، مما أدى إلى اندلاع العنف بصورة دورية. وقد حاولت الحكومة المركزية الجديدة كبح جماح هذا العنف من طريق دمج الجماعات المسلحة المتفرقة في جيش واحد، غير أن هذا الجيش يبقى واحداً بالاسم أكثر منه بالفعل. فالحكومة لا تستطيع أن تسيطر بصورة كاملة على قواتها المسلحة، إذ إن فرض الانضباط في جيش جرى تشكيله حديثاً هو أمر بالغ الصعوبة بطبيعته، كما أن تضاؤل الموارد والانقسامات الطائفية لا يساعدان في حل المشكلة.
يجب أن ينخرط الجمهور في مشروع بناء الدولة
ونتيجة لذلك، عندما نشرت السلطات الجيش لإعادة فرض النظام من جديد، أدى ذلك إلى تفاقم التوتر بدلاً من احتوائه. فخلال مارس 2025، أرسلت القوات الموالية للحكومة من أجل تنفيذ عمليات ضد المتمردين من أنصار الأسد داخل مناطق في الساحل السوري، مما أسفر عن مقتل نحو 1400 مدني علوي. وخلال يوليو (تموز) 2025، أثار تدخل متأخر وسوء إدارة في اشتباكات بين ميليشيات درزية وبدوية داخل السويداء انطباعاً واسعاً بأن الحكومة انحازت إلى البدو على حساب الدروز. أما التقارير الواردة عن الانتهاكات الطائفية التي ارتكبتها القوات الحكومية فقد دفعت بالقادة الدروز، بمن فيهم المعتدلون سابقاً، إلى تبني مواقف متشددة مؤيدة للاستقلال عن سوريا. حتى إن بعضهم ناشد إسرائيل أن توفر لهم الحماية. وبدأت الحكومة المركزية بإجراء محاكمات لبعض الجنود المتورطين في هذه الانتهاكات، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الإجراءات ستؤدي إلى محاسبة حقيقية.
اتخذ القادة السوريون بعض الخطوات التصحيحية، مثل توسيع نطاق التدريب والتجنيد، ونشر الوحدات المتقلبة، التي لا يمكن الرهان على التزامها، داخل مناطق بعيدة من البؤر الحساسة. ويظهر نجاح النظام في السيطرة على المناطق التي كانت خاضعة لـ”قسد” أن هذه الإصلاحات عززت بالفعل قدرة الجيش على فرض النظام دون أن يدفع المدنيون الثمن. ومع ذلك، لا تزال قوات الدولة عاجزة عن توفير الحماية الأساس لكثير من السوريين. وتبقى الشبكات الإجرامية والجماعات المسلحة غير الحكومية ناشطة داخل أجزاء كثيرة من البلاد، حيث تمارس القتل والخطف والابتزاز والنهب وتفلت من العقاب. وتواجه الأقليات أخطاراً أكثر من غيرها مقارنة بعددها أو حجمها، إلا أن الخطر منتشر على نطاق واسع. وخلال الوقت نفسه، تعاني قوات الأمن ضغوطاً شديدة لجهة عدم كفاية الأفراد، وغالباً ما تكون طواقمها مكونة من أشخاص غير ملمين بالمنطقة، مما يجعل من الصعب عليها فرض سلطتها فيها.
وتنعكس الإخفاقات الأمنية مباشرة على الشعور العام بالريبة تجاه شكل الدولة الناشئة. فالمجتمعات في أنحاء البلاد – وليس الأقليات فقط بل شرائح من الغالبية السنية أيضاً – لا تزال تجهل طبيعة النظام السياسي الذي يطلب منها الانضمام إليه. وقد صقلتهم التجارب السابقة، ومن دون رؤية واضحة لكيفية توزيع السلطة في المؤسسات الجديدة، لا شيء يخفف من قلقهم. وكل حادثة عنف أو تصرف متعالٍ من السلطات المركزية، أو شائعة عن المحاباة، تعزز الانطباع بأن الحكومة الجديدة تسعى ببساطة إلى إحكام قبضتها باسم قاعدة ضيقة.
وقد لازم هذا الحذر مناطق شمال شرقي سوريا ذات الغالبية الكردية منذ زمن. فالمحادثات في شأن دمج القوة الكبيرة لـ”قسد” – التي تشمل وحدات نسائية كاملة – ضمن الجيش، وفي شأن توسيع سلطة الحكومة المركزية داخل مناطق “قسد”، لم تحرز أي تقدم يذكر لأكثر من عام. فقد أراد قادة “قسد” الحفاظ على قدر كبير من الحكم الذاتي الإقليمي، وترددوا في الخضوع لنظام سياسي يهيمن عليه فصيل يعدونه معادياً ومفتقراً إلى الضوابط المؤسسية. غير أن الكفة مالت لدمشق خلال الأسابيع الماضية. فبعد سيطرة قواتها على معظم المناطق التي كانت “قسد” تحكمها، توصلت الحكومة الأسبوع الماضي إلى اتفاق مع “قسد” يحدد آليات دمج قواتها في الجيش الوطني وسبل دمج قياداتها ومؤسساتها المحلية في الدولة. ومع اقتران ذلك باعتراف الحكومة بالحقوق الثقافية واللغوية والمدنية للأكراد، تعد هذه خطوات إيجابية ومرحباً بها، إلا أنها لا تزال قاصرة عن معالجة سؤال أكبر: ما طبيعة النظام السياسي الذي سينضم إليه الأكراد وسائر المكونات؟
المرحلة القادمة
إن التحديات التي تواجه دمشق، بما فيها التوترات الطائفية والافتقار إلى الانضباط في القطاع الأمني، ليست مشكلات يمكن معالجتها بمعزل عن بعضها بعضاً، وإنما هي أعراض انتقال سياسي لم يكتمل حتى الآن. وقد صاغت الحكومة الجديدة دستوراً، وأنشأت برلماناً، لكنها لم تقنع السوريين بأن المؤسسات التي أعيد بناؤها حديثاً ستتيح لهم مشاركة فعلية، وتحمي مصالحهم، وتضع قيوداً على ممارسات السلطة واستخدام القوة.
وكانت “هيئة تحرير الشام” قد أظهرت استعداداً لتقديم تنازلات خلال فترة حكمها لإدلب، حيث سمحت بنشاط أوسع للمجتمع المدني، وساعدت جماعات دينية أقل عدداً على استعادة أراضيها ومساكنها، ودرست حتى إنشاء برلمان منتخب – وإن كان محكماً بشدة – بعدما أثارت سلسلة اعتقالات وحوادث تعذيب احتجاجات محلية طالبت بمحاسبة أجهزة الأمن التي تهيمن عليها “الهيئة”. غير أن تلك التنازلات كانت في معظمها تكتيكية، إذ إنها سعت إلى تخفيف الاحتقان مع إبقاء السلطة في قبضة “هيئة تحرير الشام”، ولم يكن هدف هذه التنازلات مشاركة تلك السلطة مع المنافسين السياسيين.
واليوم، يتكرر النمط ذاته: فقد عين الشرع وحلفاؤه أفراداً غير منتمين للهيئة في مناصب بارزة، لكنهم لم يقدموا أية تنازلات جوهرية لقوى سياسية منظمة. فلم يحددوا دوراً للأحزاب، ولم يضعوا خريطة طريق لتوزيع السلطة، ولم يقدموا ضمانات للمجتمعات التي تخشى التهميش أو الانتقام. وتعاملوا مع الانتقال وكأنه تمرين تقني، كما لو أن إعادة بناء دولة لا تتطلب سوى جمع أكثر الخبرات كفاءة. لكن الأبعاد السياسية والاجتماعية لهذه المهمة لا يمكن تجاهلها. فلا بد للجمهور أن ينخرط في مشروع بناء الدولة، ولأجل ذلك يجب أن تدمج آراؤه بجدية في القرارات المتعلقة بصورة الدولة المقبلة.
وتقر القيادة السورية بأن هناك طلباً واسعاً على مشاركة سياسية أوسع. ومن الأفضل لها أن تدعو بقية المجتمع السوري إلى الانخراط الآن وليس لاحقاً. فبعد عام من إدارة الأزمات وتأمين الدعم الخارجي، حان الوقت لجعل الحكومة السورية أكثر شمولاً ورسوخاً مؤسسياً. وهذا يعني توسيع نطاق صنع القرار بحيث لا يقتصر علــى أعضاء الدائرة الضيقة لقادة “هيئة تحرير الشام” السابقين. ويعني أيضاً توضيح الأدوار التي ستؤديها مختلف الجماعات الاجتماعية والأحزاب السياسية وأعضاء “هيئة تحرير الشام” السابقين في النظام السياسي. كما يعني تمكين البرلمان السوري الجديد من خلال إسناد صلاحيات حقيقية له، وتجنب حصر وظيفته فقط في المصادقة الشكلية على قرارات السلطة التنفيذية. ويعني هذا أن استعادة السيطرة على الأراضي التي كانت تديرها “قسد” لا تكفي في حد ذاتها، بل ينبغي دمج المجتمعات الكردية على نحو كامل في المؤسسات السياسية الوطنية على قدم المساواة مع باقي المجتمعات.
وستكون هذه الخطوات صعبة، خصوصاً لقادة أمضوا العقد الماضي في بيئة كان الاعتراض السياسي فيها يتجسد غالباً في العنف المسلح، إذ كان تشديد السيطرة شرطاً أساساً للبقاء، بيد أن التشبث بالسلطة بصورة مفرطة حالياً قد يؤدي إلى فقدان الحكومة المركزية شرعيتها الداخلية، مما من شأنه أن يعرض تالياً الشرعية التي حرصت دمشق على ترسيخها في الخارج إلى الخطر. فمستقبل الاستقرار في سوريا يعتمد على نجاح الدولة في إقناع السوريين، بكل تنوعاتهم، بأن النظام الجديد يمثلهم بالفعل وينتمي إليهم. وسيكشف العام المقبل ما إذا كانت القيادة السورية مستعدة وقادرة على اتخاذ الخطوات التي تجعل هذا الوعد واقعاً. أما البديل، فهو دولة هشة، معترف بها دولياً لكنها موضع شك داخلي، تتخبط من أزمة إلى أخرى، وهو انتقال سياسي ناقص يزرع بذور الصراع المقبل.
جيروم دريفون هو باحث في معهد جنيف للدراسات العليا، وأحد مؤلفي كتاب “إعادة التشكيل الشعبي: صعود هيئة تحرير الشام في سوريا
نانار هواش هو محلل بارز لشؤون سوريا في “مجموعة الأزمات الدولية”، وأحد مؤلفي كتاب “مواجهة الخلافة: المقاومة المدنية في الدول الجهادية الناشئة”.
مترجم عن “فورين افيرز”، الرابع من فبراير (شباط) 2026
- إندبندنت


























