تبرير الاعتداءات الإسرائيلية الجديدة هشّ جدّاً، ولا سيّما أنّها جاءت بعد نحو شهرَين من تجميد عمليات القصف الإسرائيلية التي بدأت منذ اليوم الأول لسقوط نظام بشّار الأسد (الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024). وهناك سؤال وجيه يطرح نفسَه عن سبب هذه الحميّة الإسرائيلية المفاجئة تجاه السويداء، رغم أنّ تل أبيب وافقت على تشكيل آلية اتصال مع دمشق في السادس من يناير/ كانون الثاني الماضي، بإشراف أميركي، تتكفّل تنسيق وتبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري في الجنوب، و”الانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية”. وقد جاء ذلك نتيجة تدخّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في لقائه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير منتجع مارآلاغو بولاية فلوريدا (29 ديسمبر) التي تلتها جولة مباحثات سورية إسرائيلية في باريس رعتها واشنطن، وانتهت إلى صدور بيان ثلاثي مشترك أعلنه الجانب الأميركي، وصف فيه محادثات باريس بأنّها “بنّاءة تمحورت حول احترام سيادة سورية واستقرارها، وأمن إسرائيل، وتحقيق الازدهار لكلا البلدَين”.
ليست السويداء أكثر من حجّة تستخدمها إسرائيل أداةَ ضغط على الجانب السوري لدفعه إلى تقديم تنازلات في ملفّات ثنائية، والتذرّع بالشأن الإنساني كذبة كبيرة. والدليل أنّه في اليوم نفسه الذي ادّعت فيه أنّها قصفت القوات السورية للدفاع عن مواطني السويداء، كانت القنابل المسيّلة للدموع والرصاص الحيّ تُطلق على المواطنين الفلسطينيين الذين قصدوا المسجد الأقصى لأداء صلاة عيد الفطر، وسط استنفار للمستوطنين الصهاينة للاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية، في وقت ترتفع فيه الأصوات من داخل حكومة نتنياهو لاستغلال فرصة الحرب على إيران من أجل ترحيل أكبر عدد من الفلسطينيين، وهم بذلك يريدون استغلال انشغال العالم لتحقيق أحلامهم التوسّعية، وفي الوقت نفسه، كانت القوات الإسرائيلية تتوغّل في جنوب لبنان بعد أن شرّدت نحو مليون لبناني من ديارهم، وقتلت ألفين، ووضعت لبنان بأكمله في موقفٍ صعب جدّاً، يهدّد بانهياره بلداً أمام أزمة نزوح لا تمتلك الدولة اللبنانية الإمكانات الكافية لإدارتها، ما يجعلها قابلةً للانفجار في أيّ لحظة، حتى لو توقّفت الحرب قريباً.
وتكشف الاعتداءات الإسرائيلية وتوغّلاتها المستمرّة في جنوب سورية أن المفاوضات مع إسرائيل تجربة ليست ناجحة، حتى برعاية الولايات المتحدة، والسبب الفعلي أنّ هدف تل أبيب الحصول على تنازلات من السلطات السورية غير القادرة على القيام بها، ومنها، في الوقت الراهن، المشاركة في الحرب بما يخدم المخطّط الإسرائيلي لضرب حزب الله. ورغم أنّ الحكم السوري لا يكنّ أيَّ مودّة تجاه الحزب، فإنه يدرك أخطار خطوة من هذا القبيل، ولهذا على السلطات السورية التفكير جدّياً لبلورة استراتيجية دفاعية تبدأ بتعزيز صمود السكّان السوريين في محافظات الجنوب التي تتعرّض للتوغّلات والقصف والاستحكامات العسكرية على أراضيها. وفي الوقت نفسه، العمل من أجل حشد موقف عربي ودولي مساند لسيادة سورية في المحافل الدولية، وللضغط على إسرائيل.
- العربي الجديد
























