يزهو التاريخ مختالاً بمجد سورية ووحدة أرضها، في الذكرى الـ15 للثورة السورية 2011، أهمّ منعطفات تكوينها وسموّ مطالبها. فهذه المناسبة ليست رقماً، إنما تذكير بأن الشعوب لا تنسى حقّها في الحرّية والكرامة والعدالة، وقد أضحت القضية في سورية أنموذج معركة وجود بين آلة الموت والقهر، وإرادة الحياة والحبّ. إنها العِبرة للشعوب المضطهدة في مواجهة الاستبداد وتوحّشه في ظروف متقلّبة وصراعات داخلية وتدخّلات خارجية وحروب تتوالد ولا تنتهي، نالت وتنال سورية من تداعياتها، وتزيد معاناة شعبها.
لقد كسرت الثورة جدار الخوف والقمع، وسارت بالوعي السياسي صوب خلق مجتمع سوري مدنيّ، مرتكزه المواطنة والقانون ومحاسبة الانتهاك والجريمة والفساد.
وعلى الرغم من التضحيات الجِسام، اجتمعت في الثورة السورية كلّ أجندات الاستثمار الخارجي؛ إذ لم تتمكّن من بناء مظلّة وطنية تمنع التشرذم والارتهان، وتمكُّن النظام البائد من دفعها للعسكرة بعد سلميّتها، فشوّه صورتها النبيلة.
نهض السوريون وصبروا وضحّوا لتحقيق أهدافهم، بعد معاناة طغيان “مملكة الصمت” الأسدية أكثر من نصف قرن، ولا ريب أن الظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي عرقلت انتصارهم، خدمت أخيراً مسيرة ثورتهم الطويلة المريرة، فأحسنوا اقتناص اللحظة التاريخية السانحة.
ولا بدّ أن يعي السوريّون أن المرحلة الانتقالية التي تعيشها سورية اليوم، إعادة بناء وطن ممّا قبل الصفر. وعلى الرغم من وعورة الطريق وعراقيله، وكثرة الأخطاء والانتهاكات، فهي جسر عبور من الاستبداد إلى دولة المواطنة والديمقراطية، وهذا لن يتجسّد واقعاً بلا حوار وطني وعدالة انتقالية ومحاسبة للمجرمين وكشف لمصير المغيّبين، وإصلاح مؤسّسي وعقد اجتماعي ضامن لحقوق كلّ السوريين بلا استثناء أو إقصاء.
إن سورية الجديدة التي تنأى اليوم بنفسها عن الاصطفافات والصراعات والحروب في المنطقة؛ لِتحفظ ما حقّقته من إنجازات بعد إسقاط نظام الأسد، فلا عقوبات ولا ارتهانات، وسعي لصيانة أرضها والنهوض بقدرات شعبها، لن تتقدّم وتنضج وتقوى إلا بمشروع وطني جامع، تتكامل فيه رؤى مكوّناتها، وتنتصر فيه على مشاريع تفتيتها وإركاعها.
يدرك السوريون أن انتصار الثورة، لا يعني سقوط رأس النظام البائد وحسب، بل يبدأ في اليوم التالي لسقوطه، وهو ما يستدعي حضور البديل الوطني الذي يعتمد الكفاءة والولاء للمؤسّسات لا الأشخاص، السيّد على موارد الوطن، الملبّي لاحتياجات شعبه في حياتهم ومعاشهم، لا المسلّع المستثمر بها، الخادم لمواطنيه لا المتوحّش المستغلّ لمعاناتهم وتعطّشهم لتحقيق كرامتهم، المحتكر للقوة لا ليضطهد أو يقصي، بل ليحمي ويوحّد الوطن، ويفضح دعاة الانفصال، وفلول الطغمة البائدة، والحالمين بأوطان وهميّة على حساب وطن الجميع، وهم أدوات وظيفيّة، تنتهي صلاحيّتهم بتحقّق أهداف مشغّليهم، ثمّ يرمون في مزابل التاريخ رمزاً للكريه وصورة للبغيض.
سورية كغيرها من الدول، في المراحل الانتقالية، تعاني من هشاشة الاقتصاد والأمن، وتعثّر إعادة الإعمار والاستثمار في ظلّ تعقيدات إقليمية وصراعات دولية وحروب تزيد مخاطر تداعياتها، وتعبث بالاستقرار، وتؤخّر إنجاز أساسيّات بناء الدولة الجديدة، وهي الحال إبان ثورات الشعوب، ولكن لا يحقّ للدولة الجديدة، تحت أي ظرف، الاستقالة من مهامها وأدوارها، ناظماً لحياة الشعب، لا سالباً أو معتدياً على الحرّيات الشخصية أو اختيارات واعتقادات الجماعات، ومزاجية القرارات والتوجّهات، ولا مهيمناً يزيد معاناة الشعب وعوزه بسياط الغلاء الفاحش، مقابل الاحتفالات والكرنفالات والاستعراضات وبهرجة المواكب، وجامعاً في مواجهة أوهام مشاريع التشتيت بعقد اجتماعي، يتشارك بصوغه جميع السوريين، بما يتوافق عليه الجميع ولمصلحة الجميع، مهما تباعدت الشقّة بينهم، فسورية للجميع، ولا يمكن لأيّ من مكوّناتها أن ينفرد بها أو عنها، وليس ذلك بمعجزة على شعب أسقط أبشع نماذج الاستبداد طغياناً، ويندفع أبناؤه في مسيرة العدالة والإعمار والغد الواعد.
- رئيس التحرير


























