على عكس ما حصل في حرب أوكرانيا التي لا تزال منذ أربعة أعوام حتى اليوم محصورة في جغرافية أوكرانيا، فإن طهران لجأت من البداية إلى توسيع جغرافية الحرب. والهدف هو توسيع مجال الخسائر والضحايا في دول الخليج للضغط على أميركا من أجل وقف الحرب، ومن ثم وضع العالم في أزمة طاقة كبيرة، لا فقط بإغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق باب المندب، بل أيضاً بتعطيل الإنتاج الخليجي عبر قصف المنشآت النفطية والغازية وسواها.
كان مجرد تصور حرب شاملة تستهدف المنشآت النفطية والغازية فكرة جنونية مخيفة. حرب في خليجٍ جانبه الإيراني يكدس الصواريخ و”يصدّر الثورة” إلى المنطقة، وجانبه العربي يوظف الثروة في صناعة المستقبل. خليج هو القلب الذي يضخ الطاقة إلى العالم عبر شرايين الإمداد في البحار، لكن “ثورة الخميني” عملت منذ البدء لمشروع مستحيل هو “تصحيح التاريخ” فوق الجغرافيا العربية عبر نوع من الحرب الدائمة على طريقة تروتسكي ومشروع “الثورة الدائمة”، وهي اختارت تأسيس فصائل أيديولوجية مذهبية ومدها بالسلاح والمال و”المستشارين” من الحرس الثوري الإيراني لحماية نظامها ومحاربة خصومها بالنيابة عنها في إطار استراتيجية “الدفاع المتقدم”.
وفي البدء نجحت هذه الاستراتيجية في خدمتها من خلال الصراع مع إسرائيل وأميركا والهيمنة على أربع عواصم عربية. غير أن “طوفان الأقصى” على يد “حماس” الذي زلزل إسرائيل، دفعها إلى تغيير استراتيجيتها نحو “الحسم بدل الردع” وقاد إلى حرب غزة على “حماس”، وحرب لبنان على “حزب الله”، وحرب اليمن على”الحوثيين”، وحرب العراق على”الحشد الشعبي”.
وهذه الحروب إضافة إلى سقوط نظام الأسد في سوريا، ثم إلى حرب إيران الأولى، وضعت “الجمهورية الإسلامية” في حال اضطرار إلى مجابهة التحديات والاستعداد لخوض الحرب مباشرة مع أميركا وإسرائيل، لماذا؟ لأن هذه الحروب “كسرت استراتيجية إيران الإقليمية” كما رأت سوزان مالوني من مؤسسة “بروكنغز”، لا بل “إن المتشددين في إيران رأوا أن الهدف الحقيقي وراء إسقاط الأسد هو إنهاء الجمهورية الإسلامية” حسب ولي نصر.
ومع أن الحرب التي قرر موعدها الرئيس دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو قبل شهرين من بدئها خلال المفاوضات الأميركية – الإيرانية بوساطة سلطنة عمان فاجأت طهران، إلا أن مجريات الحرب أكدت أن جمهورية الملالي كانت مستعدة تماماً. والتركيز بدأ على دول الخليج التي بذلت كل الجهود الممكنة للحؤول دون قيام الحرب. فالصواريخ والمسيرات التي جرى توجيهها نحو دول الخليج بلغت أضعاف تلك التي تلقتها إسرائيل. وحجة ضرب القواعد العسكرية الأميركية سقطت أمام الوقائع، حيث تركزت الأهداف على الأعيان المدنية والبنية التحتية والمنشآت النفطية والغازية.
وعلى عكس ما حصل في حرب أوكرانيا التي لا تزال منذ أربعة أعوام حتى اليوم محصورة في جغرافية أوكرانيا، فإن طهران لجأت من البداية إلى توسيع جغرافية الحرب. والهدف هو توسيع مجال الخسائر والضحايا في دول الخليج للضغط على أميركا من أجل وقف الحرب، ومن ثم وضع العالم في أزمة طاقة كبيرة، لا فقط بإغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق باب المندب، بل أيضاً بتعطيل الإنتاج الخليجي عبر قصف المنشآت النفطية والغازية وسواها.
والكلام الرسمي على ألسنة الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وسواهما، على “الجيران الأصدقاء” هو بضاعة كاسدة في السوق السياسية والاجتماعية والثقافية في الخليج وبقية الدول العربية، إذ أقل ما كشفته التجربة هو الثأر من تقدم الخليج ومن إضعاف الأذرع الإيرانية وتكسير بعضها في غزة ولبنان وسوريا، لا بل إن الحرس الثوري استمر بقصف دول الخليج التي يعيش فيها 1.5 مليون إيراني .
ولا بد بعد ما حدث من مراجعة عربية للمرحلة الماضية بكل أبعادها، في وقفة مع الذات، ووقفة مع الصديق، ووقفة مع العدو والخصم المرائي. الموضوع الأول هو الالتزامات أو الضمانات أو القواعد الأمنية والعسكرية الأميركية والأوروبية والتركية والباكستانية، هل هي ضرورية أم مضرة؟ هل هناك بدائل منها أم لا؟ والى أي حد هي رادعة أو جالبة للخطر؟ وهل المسألة هي ضمانات أو لا ضمانات؟ أم أن المشكلة هي المشروع الإقليمي الإيراني؟
والموضوع الثاني هو الحاجة إلى تطوير ما ظهر من قوة لاعتراض الصواريخ وتدميرها في بلدان الخليج، من أجل مزيد من التنسيق بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي وصولاً إلى قوة خليجية موحدة يحسب الطامعون حسابها قبل أي تهور. وهو أيضاً العودة إلى الترابط بين جميع البلدان العربية، بحيث لا تستفرد أية قوة معادية بالخليج ولا بأي دولة عربية. وما أكثر العواصم العربية التي كان السؤال کبيراً حول دورها الضعيف في حرب إيران على الخليج، ومن الصعب الطموح إلى ما كان من قيادة عربية موحدة أيام الحروب مع إسرائيل.
لكن من الخطر أن تبقى كل دولة تضع حساباتها منفردة من دون رؤية المشهد الكامل من حولنا، لا سيما بالنسبة إلى العواصم التي كانت لها أدوار قيادية أساسية. والموضوع الثالث هو “اتفاقات أبراهام” بين إسرائيل ودولتين في الخليج والعلاقات غير المعلنة مع دول أخرى، فهل أدت إلى حماية الأمن أم إلى تعرضه للتهديد؟ وما هو دور هذه الاتفاقات بعد نهاية الحرب إذا استمرت إسرائيل في رفض التفاوض على “حل الدولتين” أو سمح لها ترمب بضم الضفة الغربية؟
ومن المبكر، مهما يكن، تصور نوع العلاقات بين إيران ودول الخليج بعد الحرب، فالقصف الذي قامت به “جمهورية الملالي” ليس من النوع الذي يمكن تجاوزه بما يسمى “تبويس اللحى”. والمسؤولون الذين أمروا به أوحوا أنهم لن يكونوا حاضرين بعد الحرب لإقامة علاقات، ومن ثم فإنهم تصرفوا على طريقة شمشون في تهديم الهيكل “عليّ وعلى أعدائي يا رب”. لكن دول الخليج باقية في مكانها ومعها بقية الدول العربية، وإيران باقية مكانها، من”الإمبراطورية الأخمينية” عام 537 قبل الميلاد إلى إمبراطورية الخميني وخلفائه أو النظام البديل من “الجمهورية الإسلامية”.
ولا مهرب من علاقات تُبنى على الحقائق وطيّ مشاريع “تصدير الثورة” والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان المجاورة. وأميركا ستعود إلى تحالفاتها الماضية بعد ترمب، وإسرائيل لن تختفي من المنطقة، وكل من الصين وروسيا مرشح للحضور بقوة بعد الحرب.
ومن المؤسف أن يصح قول روبرت كابلان “إن اتفاقات الخوف أقوى من اتفاقات الأمل”.
- إندبندنت
























