في لحظات التحول التاريخي الكبرى، وحين تهدأ أصوات المدافع وتبدأ الأمم في تأمل أنقاضها، لا يكون التحدي الحقيقي في إعادة بناء الحجر بقدر ما يكمن في إعادة بناء المعنى. وهنا تحديداً يظهر ما يمكن تسميته بالعقم الخيالي في العقل السياسي بوصفه أخطر أشكال الدمار، لأن الدول لا تنهار فقط حين تُهزم عسكرياً أو اقتصادياً، وإنما حين تفقد قدرتها على تخيّل ذاتها خارج قوالب الماضي.
وفي السياق السوري، حيث تتداخل الانتماءات وتتشظى الهويات وتتصارع الإرادات، يبرز المخيال السياسي لا كترف فكري أو كحلم يوتوبي منفصل عن الواقع، وإنما كقدرةٍ عقلية توليدية تعيد تركيب عناصر الواقع القائم لتنتج نماذج حكم وحياة لم تُجرّب من قبل. وهذا الخيال، بهذا المعنى، هو أعمق أشكال الاشتباك مع الواقع، وليس هروباً منه. ببساطة، لأنه وحده القادر على ملء الفراغ الذي تتركه انهيارات المراحل الانتقالية، حين تسقط الكتالوجات الجاهزة، وتفقد القواعد القديمة صلاحيتها، وتتحول الوصفات المستوردة إلى أسباب إضافية للفشل بدل أن تكون حلولاً له.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تحتاج الدولة إلى موظفين يجيدون تطبيق التعليمات، وإنما إلى مهندسي مخيال يملكون الجرأة على رؤية ما لا يُرى، وصياغة ما لم يوجد بعد، لأن الفرق الجوهري بين من يمتلك هذا المخيال ومن يفتقر إليه هو الفرق بين دولة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، وأخرى تكتفي بإدارة تدهورها.
إن الحالة السورية، بكل تعقيداتها، تضع هذا المفهوم في قلب الضرورة.. فنحن أمام مجتمع لا يمكن اختزاله في ثنائية غالب ومغلوب، ولا يمكن ضبطه عبر توازنات جامدة، لأنه يحتاج إلى إعادة تخيّل عميقة لمفهوم دولة لا تقوم على قهر طرف لآخر، وإنما على هندسة مصالح مشتركة تجعل من التعايش مصلحة حيوية، وليس خياراً أخلاقياً فقط. دولة ترى في التنوع ثروة اقتصادية وثقافية قابلة للاستثمار، وليس قنبلة موقوتة يجب احتواؤها.
وهذا يتطلب مخيالاً قادراً على ابتكار حلول لمسائل شائكة مثل الهوية واللامركزية والعدالة الانتقالية بعيداً عن النماذج المستوردة التي فشلت في بيئات مشابهة، لأن استيراد الحلول دون استيراد سياقاتها لا ينتج إلا مزيداً من التعقيد.
وهنا تحديداً يظهر الفارق الحاسم بين أفق الخيال وفقر الأدوات، فالسياسي الذي يمتلك مخيالاً سياسياً يرى في المشكلة فرصة لإعادة الهيكلة، ويحوّل نقص الموارد إلى حافز لابتكار حلول تشاركية مع المجتمع. أما السياسي الذي يعاني من فقر الخيال، فإنه لا يرى في الأزمة إلا جداراً، فيلجأ إلى المنع أو الشكوى أو انتظار المعونات الخارجية.
وفي صناعة السياسات، يصوغ صاحب الخيال سياسات استباقية تخاطب وجدان الناس وتمنحهم أملاً مدعوماً بمؤشرات ملموسة، بينما تظل سياسات الفقير في خياله مجرد ردود أفعال متأخرة، جافة، تزيد الفجوة بين السلطة والمجتمع. وفي الفترات الانتقالية، تتضاعف خطورة الشخصيات التي تفتقر إلى المخيال السياسي، لأنها تميل بطبيعتها إلى إعادة إنتاج الماضي بوجوه جديدة، خوفاً من المجهول، فتلوذ بالقوالب الأمنية أو البيروقراطية الجامدة، مما يؤدي إلى تكلس المرحلة الانتقالية وتحولها إلى أزمة مستدامة.
وإذا كان المخيال السياسي أداةً للفهم، فإنه أيضاً محركٌ للحلول، إذ يعمل في مسارات متعددة تبدأ من نزع فتيل الصراع عبر ابتكار مساحات مشتركة اقتصادية وثقافية تجعل التعاون ضرورة حيوية للأطراف المتنازعة، بحيث يتحول السلام من ورقة موقعة إلى مصلحة معاشة، ويمتد إلى الإدارة الاقتصادية، حيث لا يمكن في بلد مدمر انتظار الاستثمارات الدولية فقط، وإنما يتطلب الأمر ابتكار نماذج للاقتصاد المحلي، والتمويل الصغير، والشركات التعاونية، وتوظيف المغتربين، ليس كمتبرعين، بل كشركاء في بناء نهضة معرفية وتكنولوجية.
كما يشمل استعادة الثقة، حيث لا تكفي التوضيحات المتكررة، لأنها غالباً ما تكون عرضاً لفقر الخيال، بينما يمتلك صاحب المخيال رؤية واضحة يستطيع من خلالها شرح مسار الدولة بلغة تجمع بين العقل والعاطفة، مما يخلق اصطفافاً وطنياً خلف مشروع مفهوم ومقنع.
والتاريخ يقدم شواهد حاسمة على ذلك، فالنهوض الألماني بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن مجرد إعادة إعمار مادي، بقدر أنه كان نتاج مخيال سياسي ابتكر نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي جمع بين حرية السوق والعدالة الاجتماعية في لحظة انقسامٍ عالمي حاد. كما أن تجربة رواندا لم تعتمد على قواميس الانتقام التقليدية، لأنها أعادت إحياء نظام الجكاكا، وهو نموذج عدالة شعبية تم تحديثه لترميم نسيج اجتماعي بدا مستحيلاً. وهذه النماذج تثبت أن المخيال السياسي قادر على تحويل العجز البنيوي إلى طاقة دفع حضارية.
وفي الحالة السورية، يتمثل التحدي في الانتقال من عقلية إدارة الأزمات اليومية، التي تغرق فيها الشخصيات محدودة الخيال، إلى عقلية صناعة المستقبل. فالقضايا المعقدة، مثل ملكية الأراضي وحقوق النازحين وإعادة بناء الهوية الوطنية، لا يمكن حلها بنصوص قانونية جافة مستنسخة من تجارب مستقرة، لأنها تحتاج إلى عقد اجتماعي متخيّل يطرحه قادة يمتلكون الشجاعة لتجاوز ثارات الماضي.
كما أن بناء دولة حديثة في هذا السياق يتطلب تصور حكومة ذكية تتجاوز البيروقراطية الثقيلة وتعتمد على الرقمنة والشفافية كأدوات لكسر الفساد وتحويل بلد مثقل بالجراح إلى منصة إبداع إقليمية. وهنا تتجلى أهمية المخيال السياسي بوصفه مصدر المرونة الاستراتيجية. فعندما يُغلق باب، يفتح صاحب الخيال أبواباً بديلة، وعندما تشح الموارد التقليدية، يبتكر اقتصاديات جديدة.
أما البديل عن ذلك فهو الاعتماد على شخصيات بيروقراطية تخشى المبادرة وتنتظر التعليمات، وهذه ليست فقط عاجزة عن الحل، لأنها، في الحقيقة، تشكل مقبرة صامتة للدول في المراحل الانتقالية. ذلك أن القيادة التي تفتقر إلى الخيال لا تدير الدولة، وإنما تؤرشف موتها البطيء.
والمؤكد، في النهاية، أن سوريا الجديدة لا تحتاج إلى مزيد من الجداول واللوائح، بقدر ما تحتاج إلى إعادة اكتشاف قدرتها على التخيل.. إلى سياسيين يجمعون بين حس الشاعر ودقة المهندس.. يدركون أن السياسة هي فن الممكن، لكنهم يعرفون أيضاً أن الممكن ليس معطى ثابتاً، وإنما هو مساحة تُصنع وتُوسّع بالخيال، وأن إنقاذ الدول في المنعطفات الكبرى ليس مجرد إدارة للأزمات، وإنما هو فعل خلقٍ حقيقي يبدأ دائماً من القدرة على تخيّل ما لم يوجد بعد.
- الثورة السورية






















