حرص مؤسس النظام البائد حافظ الأسد، على الاحتفاظ لنفسه بالعناصر الجوهرية للسلطة، وعلى إكساء نظامه طابعاً مؤسسياً، وإن كان شكلياً وذا طبيعة احتفالية، ليقول، بحسب كاتب سيرته باتريك سيل: “لقد كنت دائماً رجل مؤسسات”، لكنه كما هو معروف كان قد قضى على ما تبقى من المؤسسية، وحين حاول شقيقه رفعت الأسد الانقلاب عليه عام 1983 قال له: “هل تريد إسقاط النظام؟ ها أنا ذا، أنا النظام!”، وهي عبارة تلخص بالفعل ما آل إليه كنظام فرد مطلق.
والحقيقة أن لسوريا تاريخاً طويلاً في عدم احترام الدستور واستعماله عندما يوافق هوى السلطة التنفيذية، فلم يُعامل الدستور لعقود بوصفه المرجعية القانونية العليا، وعُومِلَ غالباً كأداة سيطرة، تُستدعى حين تخدم السلطة وتُهمَّش عندما تقيدها. بدأ هذا المسار مع الانقلابات العسكرية بعد الاستقلال، وبلغ انعطافته الحاسمة مع انقلاب البعث في 8 آذار 1963.
منذ ذلك الوقت فقد الدستور معناه العملي، وصارت كلمة “دستور” مثار سخرية في الشارع، لذلك كانت “اللجنة الدستورية” التي طُرحت خلال مفاوضات القرار 2254 موضع سخرية واسعة بين السوريين، ويتذكر كثيرون من أبناء جيلي العبارة الشهيرة في مسرحية ضيعة تشرين: “الدستور أكله الحمار” للكاتب الساخر محمد الماغوط.
بالتحرير افتتحت سوريا عهداً جديداً يأمل فيه أبناؤها بدولة مؤسسات وترسيخ احترام القانون، إذْ أُنْشِئَ مجلس تشريعي سُمِّي بمجلس الشعب، ومحكمة دستورية سُمِّي أعضاؤها، واستُكمِلَ بذلك الجهاز التشريعي، ومع مباشرة مجلس الشعب أعماله استناداً إلى الإعلان الدستوري، تتقدم هذه الآمال خطوة جديدة، وتدخل البلاد مرحلة تختلف عن الحكم بالمراسيم التشريعية.
إذْ أصبح التشريع محصوراً باختصاص مؤسسة تمثيلية محددة، وبوجود مؤسستين إحداهما تنفيذية والأخرى تشريعية يرفع احتمالات التداخل والاعتراض، ويستدعي وجود مرجعية تفصل في النزاعات الدستورية، وتمنع ما يُعرف بالجمود المؤسسي في المراحل الانتقالية.
يقوم القضاء الدستوري على فكرة “المشرّع السلبي”، أي أنه لا يسن القوانين، وإنما يراقب توافقها مع الدستور ويملك سلطة إبطال المخالف منها.
وتشمل وظائفه في الأنظمة الدستورية: 1- ضمان دستورية القوانين، 2- تفسير النصوص الدستورية، وحسم الغموض والتأويلات القائمة، 3- الفصل في منازعات الاختصاص، المنازعات التي تنشأ بين سلطات الدولة (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية)، 4- حماية الحقوق والحريات الأساسية، والنظر في الطعون والشكاوى الدستورية التي يرفعها الأفراد إذا انتهكت جهة حكومية حقوقهم وحرياتهم الأساسية التي كفلها لهم الدستور، 5- الرقابة على صحة الانتخابات والاستفتاءات الشعبية والفصل في الطعون المتعلقة بصحتها وإعلان نتائجها النهائية، 6- محاكمة كبار المسؤولين، 7- فحص دستورية المعاهدات الدولية التي تبرمها الدولة، وضمان عدم مساسها بسيادة الدولة، 8- البت في شرعية الأحزاب السياسية؛ حظر أو حل الأحزاب والمنظمات السياسية.
أما المرسوم رقم 149 لعام 2026 فقد حدد للمحكمة أربع وظائف فقط، ثلاث منها تتعلق بالرقابة على دستورية القوانين، والرابعة بتفسير الإعلان الدستوري وحسم غموضه. ويمكن فهم اختصاصها الأول على أنه يشمل مراجعة القوانين الصادرة بعد الإعلان، وربما أيضاً القوانين السابقة التي لا تزال نافذة.
تمثل المحكمة الدستورية الضمانة التي تمنع تحول الخلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية إلى أزمة سياسية، إذ يصبح تفسير النصوص الدستورية خاضعاً لحكم قضائي ملزم بدلاً من أن يكون ساحة للصراع السياسي، وهو ما يقتضي أن تصدر أحكامها خلال مدد زمنية قصيرة.
كما تمثل المحكمة مصلحة مباشرة للسلطة التنفيذية؛ فإذا أعاد مجلس الشعب إقرار قانون اعترض عليه رئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين، ولم تزل الرئاسة ترى أنه مخالف للإعلان الدستوري، فإن المحكمة تصبح الطريق القانوني الوحيد للطعن فيه، بما يجنب السلطة التنفيذية اللجوء إلى وسائل سياسية أو إدارية لتعطيله، ويحميها من اتهامات تجاوز الاختصاص، وهي في الوقت نفسه تشكل ضمانة للسلطة التشريعية أيضاً، لأنها تحول دون تعطيل القوانين عبر تفسيرات سياسية أو اعتراضات غير منضبطة، وتوفر حماية إضافية لتشريعات المجلس عند مرحلة التنفيذ.
ولا يقتصر دور المحكمة على تنظيم العلاقة بين السلطات، فهو يمتد إلى حماية الحقوق والحريات من تغول الأغلبية التشريعية نفسها، إذ قد تدفع ظروف المرحلة الانتقالية إلى إصدار قوانين تمس حقوق جماعات دينية أو قومية أو مناطقية بذريعة الضرورات الاستثنائية أو العدالة الانتقالية. عندها تصبح المحكمة حارساً للحقوق الدستورية في مواجهة جميع السلطات.
لذلك يجب الإسراع في استكمال تشكيل المحكمة بإصدار قانون ينظم عملها، فالتأخير يخلق فراغاً دستورياً قد يحول الخلافات القانونية إلى أزمات مؤسسية مفتوحة، ويقود إلى ما تسميه أدبيات الانتقال الديمقراطي بـ”الاستقطاب الصفري”، حيث تتحول النزاعات القانونية إلى صراع وجودي بين المؤسسات. كما يؤدي استمرار الغموض إلى تآكل اليقين القانوني وإضعاف الثقة بسيادة القانون.
في تونس مثلاً أدى الخلاف السياسي حول آلية اختيار الأعضاء إلى تعطيل المحكمة سنوات طويلة، الأمر الذي ترك البلاد دون مرجعية دستورية عند الأزمة السياسية الكبرى عام 2021، حين أطاح قيس سعيّد بالنظام السياسي انطلاقاً من ثغرة دستورية وهي إعلان التدابير الاستثنائية وفق المادة 80 من الدستور التونسي، وانتهى النزاع إلى الحسم عبر موازين القوة السياسية بدل القضاء الدستوري.
صحيح أن الإعلان الدستوري منح رئيس الجمهورية وحده سلطة تسمية أعضاء المحكمة السبعة، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول استقلالها، ولا سيما أن الآلية نفسها كانت معتمدة في النظام السابق، إلا أن نجاح التجربة سيبقى رهناً بكفاءة الأعضاء المعينين وبمدى رغبة السلطة التنفيذية في تعزيز مشروعيتها من خلال احترام استقلال المحكمة.
ففي العراق مثلاً شكلت المحكمة الاتحادية العليا والتي تنهض بمهام القضاء الدستوري، لكنّها تعاني من ضعف الثقة العامة بها، بسبب الجدل المستمر حول مدى استقلالها وآلية تشكيلها وتفسيرها لعدد من النصوص الدستورية المفصلية والذي لاقى اعتراضاً واسعاً، والنظام السياسي العراقي لا يغري أحداً بتكراره البتة.
ويترتب على تأخير عمل المحكمة أيضاً استمرار نفاذ الإرث التشريعي السابق دون مراجعة دستورية، إذ لا تزال قوانين كثيرة صادرة قبل المرحلة الانتقالية تنتج آثارها القانونية، مثل قانون الجرائم الإلكترونية وقوانين الاستملاك، رغم تغير النظام السياسي الذي أوجدها.
وأخيراً، لا يكفي إنشاء المحكمة وتسمية أعضائها، إذ يجب أن يضمن قانونها استقلالاً حقيقياً لها، من خلال حماية أعضائها من العزل التعسفي، ويجب تقييد سلطة إقالتهم بضمانات قانونية واضحة، كما يجب أن يكون قرار العزل موكولاً إلى مجلس الشعب لضمان التوازن مع قرار التسمية الموكل إلى السلطة التنفيذية، فالإعلان الدستوري لم ينظم هذه المسألة، وترك فراغاً قد يفتح الباب أمام التأثير في المحكمة وإضعاف استقلالها.
- الثورة السورية






















