هل تستحق النخبة السياسية السورية الراهنة، بسجل أدائها طوال عقد ونصف، أن تُمنح اليوم مفاتيح حياة حزبية كاملة؟
حين تُعامَل دعوةٌ محدودة من إعلاميَّين معروفين إلى ضبط النفس وكأنها اعتداء على الديمقراطية، فهذا لا يكشف خللاً في الدعوة بقدر كونه يكشف مرضاً في جسم النخبة السياسية السورية نفسها. فما جرى مع جميل الحسن وهادي العبد الله، حين طالبا أعضاء مجلس الشعب السوري الجديد بالابتعاد عن الحزبية، لم يكن حادثاً عابراً، وإنما استفزازاً كاشفاً لسؤال أكبر بكثير: هل تستحق هذه النخبة، بسجلها الراهن، أن تُمنح مفاتيح الحياة الحزبية الكاملة؟
لنكن واضحين منذ السطر الأول: إن نداء الإعلاميين لم يكون هجوماً على التعددية، وإنما جاء مطلباً محدداً وواحداً لا غير: أن يمثّل نواب مجلس الشعب أهلهم ومدنهم، لا أجندات أحزابهم وتياراتهم. وهذا خطاب موجَّه، بلا تسمية صريحة، إلى من يُعتقد أنهم من جماعة الإخوان المسلمين أو قريبون منها داخل المجلس. ومع ذلك، أنتجت القصة مشهداً يصح التعاملُ معه وفق مقولة «ربّ ضارة نافعة».. ذلك أنه كشف، مرةً أخرى، بعض الخيبات المتجددة في الفكر السياسي للنخبة التي تتصدر ذلك المشهد، وتتربع بامتياز على عرش وسائل التواصل الاجتماعي. المفارقة الأولى هنا أن من رمى الإعلاميين بصيحات الاتهام والاستنكار والتنديد لم يكن الطرف المخاطَب أصلاً، وإنما جوقة من نخب متعددة الخلفيات، قفزت من نقاش ضيق إلى منبر شعارات فضفاضة عن «حق التحزّب»، وكأن أحداً طالب بإلغاء الحق المذكور! وهذه القفزة نفسها، من سؤال محدد إلى صراخ عام، هي الدليل الأول على ما يستحق أن يُقال بصراحة: نخبة سياسية لم تتعلّم بعد أن تختلف دون أن تتقاتل.
فلنطرح السؤال الحقيقي إذن، بدلاً من السؤال المريح التالي: «هل يحق للسوريين التنظم سياسياً؟» لأن هذا الحق لا يُناقَش، وبالتالي، فالسؤال الواجب هنا هو: «هل تستحق النخبة السياسية السورية الراهنة، بسجل أدائها طوال عقد ونصف، أن تُمنح اليوم مفاتيح حياة حزبية كاملة»؟ الجواب الصريح: لا، ليس بعد، وليس بهذا الشكل الفالت من كل ضابط.
مما ينبغي تأكيده هنا، بدايةً، أنه لا يجوز التعامل مع هذا الملف من مدخل الشعارات النظرية والتمنيات الشخصية، مهما بلغت نوايا أصحابها الحسنة. فالكلام العاطفي عن الحياة الحزبية لا يكفي وحده منطلقاً لقضية بهذا الحجم، حين تكون النسبة الأعظم من ممارسات وتصريحات النخب الداعية اليوم بإلحاح إلى الحزبية، خلال الثورة، ثم خلال عام ونصف بعد التحرير، وفي معظم القضايا المصيرية التي شهدتها سوريا، ممارسات تثير القلق العميق وتبرر الحذر ألف مرة. واستخدام عبارة «الشعب السوري ليس قاصراً» كسيفٍ لترهيب أي دعوة إلى دراسة جادة، ليس حجة وإنما تهرّبٌ من السؤال.
والحقيقة أن أدبيات علوم السياسة المقارنة والانتقال السياسي تقول كلاماً واضحاً لا يحتمل التأويل في هذا المقام. فهي تؤكد أنه حين يسبق التنافسُ الحزبي نضجَ المؤسسات — قضاء مستقل، جيش موحّد، دستور متوافَق عليه — فالنتيجة ليست ديمقراطية ناشئة وإنما انقسام متجدد وانفجارٌ شبه مؤكد. هذا ما أسماه هنتنغتون «التحلل السياسي»، وما وثّقه مانسفيلد وسنايدر في دول فتحت التنافس الحزبي قبل أوانه فتحوّل إلى مزايدة هوياتية، من يوغوسلافيا إلى رواندا. وحتى في الإطار الخلدوني الأقرب إلى سياقنا، فإن العصبية — لا البرنامج — هي ما يملأ الفراغ حين تُفتح الساحة قبل أن تتأسس الدولة المجردة عن الولاءات الأولية. وعليه، فإن ما تحتاجه سوريا، كما أظهرت تجارب إسبانيا وجنوب أفريقيا، ليس التعجيل بصندوق الاقتراع، وإنما ميثاق توافقي بين النخب يسبق فتح باب التنافس الكامل.
والأخطر من كل نظرية هو السجل التاريخي السياسي نفسه للنخب المذكورة. فنحن هنا بإزاء عقد كامل من الاعتراف الدولي والدعم المالي، لم تُنتج المعارضة السياسية فيه سوى فشل متكرر: مئتا مليون دولار أُديرت بلا نظام مالي واضح، وعشرة رؤساء تعاقبوا على الائتلاف في عقد واحد، ولجنة دستورية بجنيف تعطّلت لأن وفد المعارضة نفسه كان مشرذماً قبل أن يكون النظام مماطلاً. وحين سارعت الدول لتعويم الأسد حتى عام 2023، لزمت هذه المؤسسات صمتاً مطبقاً!
وبعد التحرير؟ النمط نفسه يتكرر بحذافيره. فالائتلاف يحاول الالتفاف على شرعية الإدارة الجديدة.. ثم يتراجع أمام غضب الشارع. وفي مؤتمر الحوار الوطني، تُفضِّلُ النخب السياسية المقاطعة والاشتراط الحزبي المسبق على الجلوس فعلياً إلى طاولة جمعت أكثر من ستمئة سوري خلال أقل من أسبوعين، وهو إنجازٌ يستحق التقدير لدولة خرجت للتو من الرماد، لا فشلاً يُشمَت به.
ثم يأتي المثالان الأقوى: قسد والسويداء. فهنا تَظهر مواقف نخبة بأكملها احتفت بـ»الإدارة الذاتية» كنموذج تقدمي، حتى كشف اتفاق الدمج آلاف حالات الاختفاء القسري وتجنيد الأطفال وفصل مئات المعلمين. وصفّقت لحكمت الهجري بوصفه رمز «الحراك المدني» الحداثي، حتى صرّح هو بنفسه أن إسرائيل «الضامن الوحيد» لمشروعه. وفي الحالتين: صفر مراجعة، صفر اعتذار. هذا هو فخّ «الشبه الثقافي» بعينه: نحبّ من يتكلم لغتنا، لا من يلتزم بدولة القانون. المفارقة الأعمق هنا لا تتعلق بالأحزاب، وإنما بمن يطالبون بها. فحين يتحول أي تحفّظ نظري إلى تهمة خيانة، وأي مقالة نقدية إلى موجة حظر وتخوين رقمي، فإن من يفعل ذلك إنما يستنسخ، بوعي أو بغيره، عقلية الحزب الواحد التي يزعم أنه يقاتل ضدها — فقط بأدوات جديدة وشاشات أصغر. فالتعددية، في جوهرها، ليست نصاً قانونياً يُصدَّق عليه في جلسة تشريعية، وإنما هي ثقافة يومية تتمثل في القدرة على أن تخسر جولة سياسية دون أن تعتبرها نهاية العالم، وأن تختلف مع خصمك دون أن تُلغيه من الوجود. ومن لم يتقن هذا الدرس بعد في تعامله مع زميل أو منافس على منصة تواصل، لن يتقنه فجأة داخل قبة البرلمان.
وثمة خطر في موضوع التحزب المبكر لا يقل خطورة، يتمثل في أن دمج الفصائل المسلحة السابقة في جيش وطني موحّد لا يزال عملية نفسية وسياسية تحتاج سنوات — كما احتاجتها كل تجربة مشابهة من جنوب أفريقيا إلى إندونيسيا. وفتح باب الحزبية الآن قد يمنح شبكات النفوذ العسكري القائمة أصلاً غطاءً سياسياً جديداً، بصرف النظر عن خلفيتها.
هذا، ختاماً، ليس دعوة لإلغاء التعددية، وإنما لهندستها بتدرج: تيارات قبل أحزاب، قانون بشروط متساوية على الجميع بمن فيهم من في السلطة اليوم، تنافس محلي قبل مركزي، وقضاء مستقل يسبق صندوق الاقتراع لا يلحقه. وحين نُحاسب هذه النخبة، فالمعيار الوحيد هو الأداء القابل للتحقق، لا الهوية ولا الخلفية.
ويوم يتغيّر هذا السجل فعلاً، لا شعاراتياً، ستكون أول من يستحق الثقة كاملة!
٭ كاتب سوري
- القدس العربي





















