يقول عبد الله العروي في أحدث كتبه، الفلسفة والتاريخ: «واهمٌ من يأمل تحقيق ثورة سياسية أو تَقدُّم علمي جدي إذا لم ينجز قبل ذلك ثورة ثقافية». المفكر المغربي الكبير لا يُعرِّفُ الثورة الثقافية ولا يوضح كيف يمكن تحقيقها. أسلوبه في الكتاب تلميحي، وليس برهانياً، لكن قراءة الفلسفة والتاريخ ككل، وهو عمل ملهم وغني ويبرهن على سعة اطلاع فريدة، يُقرِّبُ تَصوُّرَ الثورة الثقافية من إصلاح الدين، الإسلام. في موقع آخر من كتابه، يقول المؤلف: «من منهم [الشيوخ الجدد، سلالة محمد عبده الذي تناوله كنموذج للشيخ في أبكر كتبه: الإيديولوجيا العربية المعاصرة] يناقش مبدأ أن كل إصلاح، سياسياً كان أو اجتماعياً أو اقتصادياً، يجب أن يسبقه إصلاح ديني (…)؟». وفي موقع ثالث يتكلم العروي على ثورات ثلاثة: الدينية، السياسية (الديمقراطية)، والاقتصادية (الصناعية)، ويُعرِّفُ الموقف التاريخاني الذي ينحازُ إليه بهذا التعاقب.
نعمل في هذه المقالة على تقليب النظر في فكرة الثورة الثقافية، وننطلق من عمل العروي لأن عمله جدير بالتعليق بمعنى مزدوج للكلمة: هو العمل الأجدر عربياً بأن يُعامَل كمُعلَّقة فذّة تُوضَع في كعبة عقلية، وليس في حداثتنا مُعلَّقات كثيرة، أقل من سبعة بالتأكيد، ثم بدلالة أنه عملٌ يُعلَّق عليه ويُنطلَق منه من أجل تفكير يتجدد. إن كان هناك من أعمال تُعرِّفُ اليوم ما يمكن أن يكون المُعتمَد، الـCanon، عربياً، فعملُ العروي على رأسها. من المُبتذَل القول إن هذا لا يعني بحالٍ وجوبَ الموافقة على كل ما يقوله المؤلف، فليس هناك أعمالٌ لا يختلف معها المرء بحق أو بباطل، لكن ليس أي عمل يُحفز المرء لأن ينطلق منه ويختلف معه ويتفاعل مع قضاياه. عملُ العروي مُنطلَق، لأننا حيال فكر متين، قوي، طوَّرَ شخصية فريدة طوال أكثر من خمسين عاماً مُنتِجة.
يستند عمل العروي إلى تجربة حياتية وسياسية وفكرية تمتد منذ أن كان في الثانوية في مطلع خمسينيات القرن العشرين إلى يومنا هذا، ثلاثة أرباع القرن، ولأن المؤلف الذي تجاوز التسعين من العمر يستند إلى تجربة عريضة ومعرفة نادرة، تجمع بين الفكر والتاريخ الأوربي والغربي الحديث والمعاصر وبين التراث العربي وتياراته، مدعومة بجولات واسعة في بلدان كثيرة، على ما يظهر في مُؤلَّفه خواطر الصباح (أو بالتحديد في المجلدين الثاني والثالث من الخواطر اللذين تسنى لي الاطلاع عليهما). لدينا هنا بالتالي قضية متينة، وليس كلاماً عابراً يحمل ملابسات ظرف محدد قِيلَ فيه.
على طبق من التاريخ
ومثلما ذكرنا، العروي لا يتناول فكرة الثورة الثقافية، ولو بفصل واحد من الفصول القصيرة الأربعين لكتابه (بين ثلاث وخمس صفحات للفصل الواحد)، ولا يشرح سُبُل إنجازها. الأمر مُضمَر في نقاشه ومتروك للتقدير: التاريخانية، العقلانية، الليبرالية، أو النفعية، هي إما سُبُل للثورة الثقافية أو هي مُحصِّلاتها المَرجوة. العروي يتطلع إلى أن يكون الفردُ حديثاً ومُنتِجاً، والمجتمع حديثاً وحراً، والدولة حديثة وتقوم على الكفاءة والقانون، والثقافة حديثة ونقدية، والدين حديثاً أُصلِحَت عباداته وتشريعه (إصلاح الدين ليس مسألة تغيير في العقيدة أو الأخلاق، يوضح). نبقى بعد هذا الشرح المُحتمَل كما قبله حائرين في أمرنا، يغلبُ أن نشارك المؤلف تقديره لوجوب الثورة الثقافية، لكن كيف؟ لا نعرف. وعلى يد من؟ لا نعرف كذلك. وما هي المعايير المُعرِّفة لمفهوم الثورة الثقافية؟ لا ندري. ليس هناك إشارات إلى أن الثورة الثقافية تتحقق على أيدي مثقفين ومفكرين وفلاسفة، أو على أيدي مُصلحين دينيين (وهُم مسلمون مؤمنون بالضرورة)، أو على يد الدولة، أو على يد حزب ثوري حاكم مثلما فعل ماو تسي تونغ في الصين، وتَسبَّبَ في معاناة هائلة. لكن الصين حققت في العقود الأخيرة قفزات تكنولوجية واقتصادية مهمة، ويبدو أن الصينيين اليوم أكثر شعوب العالم تفاؤلاً. فهل هناك استمرارية؟ هل تحققت هذه القفزات بفضل ثورة ماو الثقافية، أم بالرغم منها، وكان يمكن أن يكون وضع الصين أفضل لولاها؟
في زمن أَبكَر، 1974، كان العروي صاغ دعوته إلى الثورة الثقافية بعبارة تعبوية نزقة: «ما أبعد الثورة الثقافية؟ هل يجب أن نتخلّى عنها لنَجري وراء مكسب سياسي عابر؟» (خواطر الصباح، يوميات 1974-1981، المسيرة الخضراء: ما قبلها وما بعدها). لا نعلم ما كان المكسب السياسي العابر الذي في بال العروي. لكننا بفضله نعرف جانباً من السياق: زيارة إلى بيروت أعقبت زيارة لأبو ظبي، وأعقبتها زيارة لدمشق برفقة ياسين الحافظ، وهذا السياق يقطع بأن النحن المُتكلِّمة والمُخاطَبة هنا هي العرب، مثقفوهم ونخبهم بصورة خاصة. والمُضمَر في هذه الطرح تَصوُّرٌ للتاريخ كمراحل، واستفراغ الجهد لتحقيق مهمة مُلحّة اليوم، لا يُحاد عنها لمكاسب عارضة.
قبل جيل، في تسعينيات القرن الماضي، راجت الفكرة التي تقول إن فكرة حرق المراحل التي راجت قبل جيلين تؤدي إلى نتائج عكسية، مجتمعات مرضوضة، أميل إلى المحافظة والانكفاء، يعود فيها قوياً المكبوتُ الديني الذي قُمِعَ لعقود. اليوم، نميل إلى التشكُّكِ في فكرة المراحل ذاتها، فإما أن التاريخ لا يتحرك ولا يقطع مراحل، أو أنه يتحرك حركة عشوائية في كل اتجاه مثل مَخمور، أو ربما يكون قد جُنَّ ولم ننتبه بعد أن كان عاقلاً من قبل (متى؟). وفي كل حال، يبدو تَصوُّر الثورة الثقافية، مُقدَّماً على طبق تاريخي، مثلما يفعل العروي، آتياً من غير عالمنا المعاصر وما يحدث فيه. حضور فكرة التاريخ في النقاش المعاصر صار أقل بكثير اليوم، مقابل التفكير، مثلاً، في المكان ومواقعه وتحولاته ومساحاته النوعية (المنفى، السجن، براري الخروج أو مناطق «السيبة» الجديدة…)، وبما في ذلك بالطبع الحدود والمعابر؛ أو الجسد والعنف والموت وصورهما الفردية والجمعية، أو في زمن أبكر اللغة وأنظمتها وبنياتها، وغير ذلك كثير ومُتكاثر. فهل تَصوُّر التاريخ الذي يصدر عنه العروي ابنُ مرحلة بعينها، هي أوروبا، وفرنسا بخاصة، بعد الحرب العالمية الثانية ولبضعة العقود التي بلغ العروي فيها أشدّه؟ تاريخ وصل نفسه بالماركسية والتنوير والنهضة والإصلاح الديني؟ هل يتعلق الأمر بفلتة بين الأزمنة، لا تسمح بالكلام على قوانين تاريخ ومنطق تاريخ وتاريخانية، واستخلاص قواعد عامة تقبل التعميم، منها ضرورة الثورة الثقافية والإصلاح الديني من أجل الثورتين السياسية والاقتصادية أو الصناعية؟ أم أننا حيال ضرورة موضوعية، قائمة على اتجاه مَعلومٍ للتاريخ لا مَحيدَ عنه، يُوجِبُ الماركسية الموضوعية إيديولوجية عقلنة وتَقدُّم، مثلما طرح العروي أول مرة في الإيديولوجيا العربية المعاصرة، وعاد إلى الطرح نفسه في الفلسفة والتاريخ؟
أولوية التجربة
يمكن اقتراحُ تَصوُّر آخر للثورة الثقافية، ليس تاريخانياً، يتصل بتحويل تجاربنا إلى أفكار، عنائنا إلى معانٍ، انفعالاتنا إلى معقولات. المُنطلَق هنا هو شيء صلب نختبره بيُسر: أجسادنا وانفعالاتنا وعناؤنا، التجارب التي قد نَصِفُها بأنها حية أو معاشة هي انفعالٌ بالعالم حولنا، يشيع أن يكون انفعالاً قاسياً أو مؤلماً أو مُحبِطاً، وهو يبقى في أنفسنا، يحفر فيها، بقدر يتناسب مع شدته. الانفعال استجابة غير عقلانية أو تحت عقلانية لمُثيرات خارجية قاسية، لكن لأنه متكررٌ وراضٌّ فإنه يدعو للعقلنة، لتطوير أفكار ومعانٍ ربما تساعد في تجنب المزيد من القسوة، وإلا تساعد في شرحها، وتُسعِفُ في التغلُّب عليها.
ونعطي أهمية كبيرة للانفعالات لأنها واسعة النطاق، تشمل معظم العرب المعاصرين اليوم، وإن كان نصيبُ المشرق الشامي العراقي هو الأكبر، إلا أن الحال هو الحال في اليمن والسودان وليبيا، وليس بعيداً عنه في مصر، وربما الخليج اليوم. نحن نعيش في العالم منفعلين، غاضبين كارهين خجلين متوترين، وهذا لأننا مُنتهَكون (مُعرَّضون لعنف متنوع) مُعوزون (إلى حدّ المجاعة) مُقيدون (النساء وعموم غير النمطيين من الناس)، والثلاثية هذه سياسيةٌ بالمعنى الأوسع للكلمة، الذي يشمل العلاقة بالعالم والعلاقة بالروح، أي بالمجالين الدولي والديني، فضلاً عن الدولتي؛ ثم إننا، العرب، كجماعة بشرية في وضع مُنفعِل تاريخياً، نتلقى من العالم حولنا السلع والأفكار والأسلحة والحرب. وهو ما يتيح لأي أطراف ثالثة لأن تستغل الوضع، فتُعمِّقَ الشرط الانفعالي. أو بلغة أخرى، شرط الأزمة المديدة التي جعلت من العرب أكثر الجماعات العالمية تشاؤماً وقتامةَ آفاق، لا يستقرون على حال، يهجرون بلدانهم إلى الغرب أو الغيب أو السلطان (يصيرون قوى لفرض الطاعة، هراوات).
هناك نقاش ممكن، وواجب، حول ما إذا كان تحويل التجارب إلى أفكار يقتصر على عقلنة الانفعالات، أو يتجاوزها. يتجاوزها فيما نَتصوَّر. من جهة لدينا تحويل التجارب إلى أفكار، وهو ما نسميه التعبير، ومن جهة أخرى لدينا فاعليةُ تشكيل، تعطي لأفكارنا شكلاً بالاستناد إلى التراث، المشاع الفكري والفني العالمي، أو ما يسميه العروي في خواطر الصباح، حجرة في العنق، يوميات 1982-1999: «الأعم المُتاح للجميع». مزجُ التعبير بالتشكيل يُنتِجُ تفكيراً مطابقاً، وعياً مطابقاً إن شاء مُعلِّمنا. وقبل كل شيء ينتج الذات التي إذ تُعبِّر وتُشكِّل، تصير ذاتاً متكلمة، تقول كلاماً ذا معنى. وهو ما ينقل المسألة إلى ما نسميه الأفعال الثقافية، وإلى عمليات التعبير والتشكيل وصُنع المعاني، أي إلى تَكوُّنِ الذات والتمكُّنِ من الكلام. مشكلتنا اليوم هي أن أكثريات كبيرة في مجتمعاتنا لا تقول كلاماً ذا معنى. إما تبقى على مستوى الانفعال، أي دون العقل، أو لا تجد بتصرُّفها غير كليشيهات نضبَ منها المعنى، ومصدرُها الغالب هو الدين أو الثقافة الشعبية. أي جدوى من ثورة العروي الثقافية إن لم يمتلك أكثريةُ الناس الكلام الدالّ؟
الذات
سؤال الذات وكيف تتكون لم يُطرَح في النقاش العربي المعاصر، ونراه في قلب الثورة الثقافية، بل تَكوُّنُ الذات هو الثورة الثقافية. في نقاشنا المعاصر، الذات هوياتية، مأخوذة خاماً من اللغة العربية أو من الإسلام كعنوان حضاري. في فكر العروي، الذات عربية، لكن هذا لم يكن قط موضوع تَفكُّر ونقاش في عمله. كان الأمرُ يستحق. الكلام على تجاربنا وانفعالاتنا، على التعبير والتشكيل، على التفكير وتَعلُّم الكلام، هو كلامٌ على ذاتٍ تأخذ زمام المبادرة من الهوية وتعيد تشكيلها، فتُشكِّلُ نفسها عبر ذلك.
الذات ليست بديلاً عن الهوية، هي أقربُ إلى أن تكون شَكلَها الفاعل، الحر، البادئ، المُسائِل. لدينا هوية بلا ذات هي الإسلاميون، وبصورةٍ ما العروبيون الإثنيون، أما الذات بلا هوية فهي الواحد منا كفاعل بادئ مُسائِل، وإن جرى ذلك من موقع معين وعلى أرضية معينة، أي أننا دوماً ذاتٌ بهوية هي ما نُسائِل ونَستشكِل.
العروي آخرُ من قد يُؤخَذ عليه أنه هويةٌ بلا ذات (إسلامي أو عروبي خام)، أو ذاتٌ بلا هوية، لكن أستاذنا لم يخصص شيئاً من عمله لتَصوُّر الذات. ألَّفَ خمسة كتب عظيمة الأهمية في المفاهيم: مفهوم الإيديولوجية، مفهوم الحرية، مفهوم الدولة، مفهوم التاريخ، ثم مفهوم العقل، ألمحَ إليها في الفلسفة والتاريخ بأنها مبادئ نيو- اعتزال، «يمكن قراءتها من أي جهة. ينطلق القارئ من أحد المفاهيم فتنبعثُ الأخرى توّاً في مخيلته». معلومٌ أن مبادئ الاعتزال الأصلي في التاريخ الديني السياسي الإسلامي هي التوحيد (ومن هنا خَلقُ القرآن) والعدل (وبالتالي حرية الإرادة) والوعد والوعيد (الجزاء الإلهي حتمي) والمنزلة بين المنزلتين (لمرتكب الكبيرة المسلم الذي قتل مسلماً ولم يَتُب) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الفرق المهم بين الاعتزال والنيو-اعتزال أنه يمكن تأويل الأول كمدخل إلى ذاتية إسلامية كانت حديثةَ الظهور وقتها، لكن تُواجهها تحديات مُمزِّقة. كان يستحق الأمر كتاباً من العروي حول الذات وتَوسُّعاً أكبر حول فكرة النيو-اعتزال التي وردت في هامش، ودون أي شرح. الحداثة الأوروبية بدأت بالمقابل فلسفياً بالكوجيتو الديكارتي، أي بالذات. وقد يمكن التفكير في تاريخ الفلسفة الأوروبية الحديثة حتى القرن التاسع عشر بأنه تاريخ تَكوُّنِ الذات ووعيها بذاتها.
ثورة في الأفعال الثقافية
ننطلق من التجارب والانفعالات لأننا نتصور الثورة الثقافية ثورةً في الأفعال المُنتِجة للثقافة، وهو ما يضع عبء هذه الثورة على المُنتجين الثقافيين، أهل الفكر والأدب (والعروي ينتمي للدائرتين معاً)، المدعوين بصورة خاصة لأن يُثوِّروا حقلَ أو حقول عملهم، ويخلقوا مساحة تفاعل مُحتمَلة معهم، ربما تُحرِّضُ تثوير حقول أوسع، بما فيها الحقل الديني. قد يحدث ذلك أو لا يحدث، المسألة هي أن نعمل على ما في أيدينا وما لا يحول دونه غير قصورنا (نحاكي تعبيراً لكانط عن التنوير). التعويل على الثورة الثقافية كغاية، ربما تبدأ بإصلاح الدين، يبدو غير مُثمِر أو تعويلاً على المقادير. مُصلِحو الدين المُحتمَلون قد يوجدون يوماً، وقد لا يوجدون، أو لعلَّهم وجدوا سلفاً ولن يعلم بذلك إلا من يأتون بعدنا. المقياس التاريخي الضمني في طرح العروي طويل الأمد وماكر في آن، طُوله لا يسمح لجيلنا بأن يحكم في الأمر، ومَكره ربما يُلبِّسُ الأمرَ علينا، فلا نراه حين نراه، أي لا نعقلهُ وقتَ وقوعه.
وبينما لا يُختزَلُ شرطنا التاريخي المُنفعِل إلى انفعالاتنا كأفراد ومجموعات، ولو كنا بعشرات الملايين أو أكثر، فإن أقربَ شيء إلى تمثيل الشرط التاريخي- العالمي المُنفعِل هو الانكباب على انفعالاتنا المتصلة بهذا الشرط التاريخي. وهذا لأن الانفعال المستقر، الذي صارَ طبيعة ثانية، وقد نكون فريدين بين البشر في ذلك (ربما يشاركنا الأفارقة في ذلك)، هو مصدرٌ للإعاقة التاريخية بفعل صفته دونَ العقلية، ثم لأن مُولِّدات الانفعال مستمرة. تُكتَب هذه الكلمات في اليوم الأخير من شباط (فبراير) 2026، أول يوم في حرب أميركية إسرائيلية على إيران، وقصف إيراني على بلدان الخليج، وبعد خمسة عشر عاماً من معاناة هائلة لجميع السوريين، نحو 25 مليوناً، تنقلت صفحاتها النشطة بين جماعاتهم فلم تكد تترك واحدةً منها بسلام، وبعد عامين ونيف من معاناة رهيبة وإبادة فاجرة في غزة، وتحطيم منهجي لحياة الفلسطينيين وحقهم في الأمل، وكارثة تتجدد في لبنان، وتستمر في السودان واليمن وليبيا. من هنا نبدأ في تصوري. أعني من تجارب وخبرات الملايين المتصلة بالحياة والموت، بالتعذيب والاغتصاب، بالجوع والحبس وتدمير بيئات الحياة، باليأس المُطبِق.
هل يحتاج هذا الشرطُ إلى أن يُسمَّى بالتخلف أو التأخر، أو بالهزيمة، أو بالاستبداد (وهذه سردياتنا الثلاث الأساسية عن شرطنا التاريخي)، حتى يَستحقَّ برنامجاً تاريخياً كبيراً هو ما يسميه العروي مرة الثورة الثقافية، ومرة التاريخانية؟ العروي مفكر نهضوي وتحرري، يفكر بأمة، بثقافة، بمصير تاريخي. لكنه يفكر من فوق، من معرفة لا تعرفُ اتجاه التاريخ وأولويات العمل فيه إلّا لأنها تعلوه، لا تقعُ داخله. يقترحُ الحلَّ أكثرَ مما ينكبُّ على المشكلة. التصوُّر المُقترَح هنا هو تفكير من تحت، يبدأ من المشكلة. لا موجب لزجِّ التصوُّرين في علاقة استبعاد، فنحن في عالم واحد مع غيرنا، وتجارب الأمم تُعين في التوجه، ومفهوم التراث عالميٌ مثلما أشرنا فوق. لكن ظاهرٌ أن التصوُّرَ الذي نُزكّيه هنا نعرف من أين نبدأ فيه لكن لا نعرف إلى أين سنصل، بينما يحدد لنا العروي محطة الوصول ولا يَدلُّنا على محطة الانطلاق.
الأُمّية أو اللّاكتابية الجديدة
ربما نُنتِجُ عبر الاشتباك مع انفعالاتنا، عبر تمثيلها، تفكيراً وثقافة «مُطابِقين» لحياتنا، ربما أكثرَ من الوعي المطابق الذي دعا إليه عبد الله العروي وياسين الحافظ. الوعي المطابق يستجيب لحاجات الأمة العربية في التحرر والعقلانية، تحفزه بالتالي اعتبارات إيديولوجية غير متصلة بما يَخبَرُهُ ويعيشه سياسياً «الأميون العرب» الذين يُراد تنويرهم وتحريرهم، أو تثوير ثقافتهم.
تلعب عبارة الأميين العرب على ازدواج مُحتمَل لدلالة التعبير: النسبة إلى «الأمة العربية»، ثم كذلك على الشرط اللّاكتابي، ففي عالم اليوم نحن لا كتابيون أو نَكاد، ليس لأن كثيرين بيننا أُمّيون، ولكن لأننا أقلُّ إنتاجاً للكتب والأفكار والمعاني ممّا يجدر بمن دخلوا التاريخ ككتابيين، قبل أن يخرجوا منه مجدداً إلى أُمّية نسبية ومطلقة. ودعوى الثورة الثقافية وثيقةُ الصلة بشرطنا اللّاكتابي، والشعورِ بالحاجة لتجاوزه. كان الإسلام ثورة ثقافية، أدرجَ العرب في الأفق الإبراهيمي، أفق الكونية والحداثة مثلما أخذت تظهر لعرب الحجاز في القرن السابع. نحن اليوم في شرط محمدي، يمثله العروي بالدعوة إلى ثورة ثقافية. تبدو الثورة الثقافية في طرح المفكر العربي مسحة تَقاطُع مُحتَّمة بين الانطلاقة الإسلامية المؤسسة، تستعيدها وتعيد هيكلتها وتتجاوزها، وبين الانطلاقة الغربية الحديثة التي بدأت قبل نصف ألفية من السنين، وقد أنجزت قطيعة مُحرِّرة، لكنها مُستفِزّة لنا ويتواتر أن تكون عدائية.
ومرة أخرى، قد يحدث ذلك أو لا يحدث. ليس هناك ما يقتضي حدوثه ولا يمنع. سيكون حظاً عظيماً أن تُتاح انعطافة كبرى، «لفة» في لغة العروي، توفر بداية جديدة لقوم وثقافة قديمين، لكن لن ينقرضَ القوم ولا الثقافة إن لم يحدث ذلك. يعيشون حياة بين المرض والتعافي، يجتهدون كي يؤدوا وفق معايير عصرهم، دون أن يكونوا هم مثالاً مُهيمناً صانعاً للمعايير. ليست هذه حياةً لا تُعاش.
التاريخانية الموضوعية والسياسة المُغيّبة
ولا يُستنَفَد هذا التقابُل بين تصورين للثورة الثقافية في تَقابُل شائع يصطفُّ فيه ما هو سياسي مقابل ما هو ثقافي، أو أولوية السياسة على أولوية الثقافة، وبالتالي الثورة السياسية على الثورة الثقافية. المسألة بالأحرى هي: أولوية الغاية أم أولية التجربة؟ أولوية المثال أم أولوية الفعل؟ ومع ذلك أُلاحِظُ أن العروي نفسه، حين علَّقَ على محاولة صادق جلال العظم إقناعه بالوقوف إلى جانب سلمان رشدي بُعيْدَ صدور آيات شيطانية وإِثرَ فتوى الخميني، وقد رفضَ التجاوب مع المسعى، يُعلِّقُ بالقول: «أَتصوَّرُ أن التهافت على نقد الدين يعوض على [كذا] الإحجام عن الخوض في السياسة، في الشرق عموماً وفي الشام خصوصاً». تعليقٌ ثاقبٌ جداً على الجو الفكري السوري بين النصف الثاني من الثمانينيات ونهاية القرن. العروي يصف صادق وقتها بالدونكيشوتية (خواطر الصباح، حجرة في العنق)، ولا يخلو الأمر بخصوص صادق الثاني. كانت طواحين الهواء في جهة والعدو وطواحين الدم في جهة أخرى، مرهوبة ومُحرَّمة. صادق الثالث، المعارض والمناضل الديمقراطي بعد ربيع دمشق حتى رحيله عام 2017، تَحوَّلَ من نقد التحريم كذهنية إلى نقد التحريم كنظام حكم، أي إلى الخوض في السياسة بعد التعويض الديني السابق.
لكن أليسَ هذا النأيُ عن السياسة هو ما تدفع إليه تاريخانية العروي طوال الوقت (بشهادة عبارته المقتبسة أعلاه عن «الثورة الثقافية» مقابل «المكسب السياسي العابر»)، إذ تُجرُِّد الحاضر من القوام وتُذيبه في مخطط تاريخي يُعرَف بغايته لا بما يجري فيه؟ لا سياسة في التاريخانية الموضوعية التي كان يصدر عنها المثقفون «التنويريون» السوريون وقتها أكثر مما هناك سياسةٌ في تاريخانية العروي، ولا تُوفِّرُ أي منهما أرضية لنقد «الإحجام عن الخوض في السياسة». القوم شركاء في ثلاثية الثورات التي يُعرِّفُ بها العروي طرحه: الثورة الدينية الثقافية، والثورة الاقتصادية الصناعية، والثورة السياسية الديمقراطية، يركزون على الأولى ليس فقط لأنهم لا يتجاسرون على الكلام على الثالثة، ولا لأن بينهم متواطئين محتملين مع طواحين الدم، وإنما كذلك لأن هناك خطاباً حولَ الأولى، أسهم العروي ذاته في بنائه وإعطائه وجاهة واعتباراً.
على أن تعليقه على العظم يُظهٍر أن العروي كمُلاحظ اجتماعي وسياسي، يتمرد على العروي كمُوجِّه فكري. نتعلم من منهج العروي وليس من خُلاصاته، مثلما سبقَ أن قال هو عن أحد أساتذة شبابه: ريمون آرون. العروي نسيجٌ من التناقضات، مثل كل مفكر مرموق.
هنا والآن
قد يبدو أن هناك غير قليل من التجرّؤ من طرفي أن أقابل تصوراً شخصياً مُتلعثِماً للثورة الثقافية بتصوُّرِ العروي، وهو من هو مكانةً ومتانة. الداعي آخرُ من يحتاج إلى تبصير بمن يكون عبد الله العروي، فقد كان نجمي الفكري في سنوات الشباب، وقرأتُ كل أعماله المتاحة بالعربية، بعضها لمرتين وثلاثة. وكان يُفترَض بي بالتالي أن أنضوي ضمن تَصوُّراته للعقلانية والتقدم والتاريخ. اعتبارات الاحترام الشخصي والانحياز الثقافي تدفعني دفعاً إلى انضواء لا أُلام عليه. فإن كنت لا أفعل، فليس من باب تمرُّد ابنٍ على أبيه الفكري، أو مثل هُرير يتحقق من حدة مخالبه بخدش المعلم الكبير، على ما قال هو عن نفسه في الخواطر، حجرة في العنق، واصفاً مَسلكه المتحرش بالدكتور محمد عزيز الحبابي في كتابه الأول (الحبابي أول فلاسفة المغرب المعاصرين). لا هذا ولا ذاك. قادتني إلى تَصوُّرٍ مُغاير تجاربُ فعلية مُغيِّرة، شخصية وسياسية، تكتظ بالمصادفة والكارثة، تجارب تاريخية وليست تاريخانية، آلت بي إلى الدفاع عن العدالة هنا والآن. دَوَّنتُ ذلك في مقالة نقدية للعروي نُشِرَت قبل سنوات (في نقد عبد الله العروي: «المثقف العربي» برنامجاً لتحقيق الحداثة، مجلة كلمن، بيروت، العدد 11، ربيع 2015، المقالة متاحة في كتابي: الثقافة كسياسة). ربما أُعبِّرُ اليوم عن الأمر بصورة مختلفة أو أُوفِّرُ له أساساً، يبدو لي أصلب، في الانفعالات وتجارب الأجساد، لكن الاتجاه العام عُمقيٌ إن جاز التعبير وليس أفقياً تاريخياً. وبينما قرأتُ بشغف واستمتاع كتاب الفلسفة والتاريخ، فالنقطة التي بدت لي غير مقنعة هي إصرار العروي على استمرارية متجانسة بين تفكيره في الإيديولوجيا العربية المعاصرة وصدور الفلسفة والتاريخ بالفرنسية عام 2016، خمسين عاماً (الكتاب صدر بالعربية 2023، بترجمة للعروي نفسه، بعد ترجمة سابقة له نُشرت عام 2017). هناك تأويل ممكن لهذا الاستمرار الغريب: المغرب بلد مُتخلّف؛ إشكالية العروي عام 1966 في الإيديولوجية العربية المعاصرة، وإطارُ إحالتها مصريٌ أساساً، مُناسِبة لأوضاع يُصطَلَح عليها بالتخلُّف، هي أوضاعُ المغرب اليوم، ويمكن تعريفها بمؤشرات اقتصادية اجتماعية (التصنيع، التنظيم المديني، تحسن الدخول…) ومؤشرات اجتماعية ثقافية (التعليم، أوضاع النساء، عقلانية الأفراد…)، مؤشرات سياسية مؤسسية (عقلانية القرارات وتحسن كفاءة النخبة السياسية…). أو قد نقول بلغة العروي نفسه إن تَخلُّفَ المغرب اليوم ليس مُضاعَفاً، على الأقل ليس بقدر ما كان حين قال هذا الكلام عام 1974 (الخواطر، المسيرة الخضراء…). المشرق بما فيه مصر لم يعد مُتخلِّفاً. نحن خرجنا من التخلُّف لا إلى تَخلُّف مُضاعَف بل إلى التبعيات الكثيرة والتدمير الذاتي (والموضوعي) وزوالِ المجتمع. قد يكون النضال من أجل التَخلُّف في المشرق نضالاً من أجل معقوليةٍ تجعل طلبَ العقلانية مُطابِقاً.
لكن هذا تأويلٌ فحسب. ويخطر بالبال تأويلٌ آخر أكثر ذاتية. بين الإيديولوجية العربية المعاصرة والفلسفة والتاريخ خمسون عاماً من عمل فكري خصب ومُنتِج. فهل أراد العروي، وهو في ثمانينيات عمره وقتَ صدرَ الكتاب الأخير (بالفرنسية، 2016)، إكمالَ دائرة، العودة في عمله الأخير إلى عمله الأول وكتابةَ ضربٍ من وصية فكرية؟ يُشجِّعُ على هذا التقدير ما في الفلسفة والتاريخ من عناصر سِيَرية، تربطُ بين عملية تَعلُّمه الشخصية وقضايا تفكيره، ثم عدم صدور كتب فكرية أخرى للمؤلف بعده.
في كل حال، ثورة العروي الثقافية ثورة من فوق، من موقع العقل، ومن أعلى قمة في التاريخ. أليسَ أَولَى أن نعملَ على تثوير طُرُقنا في إدراك وفهم ما نعيش، إنتاج المعقولية من اللّامعقول المُختبَر والمُجرَّب؟ اللّامعقول ليس الخرافةَ والتقليدَ والتفكيرَ ما قبل الحديث، بل الانفعالُ الذي يُجرِّد الكلامَ من المعنى أو يَردُّهُ إلى مُلحَقَة فيزيولوجية للتعبيرات الجسدية الأخرى عن الانفعالات الحادة.
فإن صحَّ ذلك، فالثورة الثقافية هي تَعلُّمُ الكلام والمعنى، الشغل على كيف نفكر، كيف يستقلُّ تفكيرنا عن الانفعال وعن الكليشيه التراثي (الذي هو نيابة عن معنى غائب). وهذا دربٌ ربما يؤدي إلى الدين وإصلاحه بسبيل مختلف. فبينما نتأدّى من الوقائع عبر الإدراك الحسي إلى الفهم والعقل، فإننا نتأدّى من الانفعال أو أوقاعِ العالم على أنفسنا، إلى الشعور وإلى الروح، ما قد يُجدِّدُ التجربة الدينية. يبدو هذا طرحاً مُختزَلاً ومُصادَرة على المطلوب إثباته (أرجو أن أتناوله بتوسُّع كافٍ في مقبلات الأيام). بلى، الفكرة هي إعادة الروح إلى تفكيرنا إن كنا نفكر في إصلاح الدين. تحدث ثورة في الإسلام إن تروحنَ بقدرِ ما إن مشكلة الإسلامية الحديثة والمعاصرة هي قطعُ الطريق إلى الروح أو السماء الداخلية. ويُزكّي هذا التوجه ما يبدو من أن الإسلام المعاصر إما انفعالٌ خام أو كليشيه متهالكة، إما غضبٌ وكُره وضيق بالعالم، أو صيغ اعتقادية وتَعبُّدية محفوظة ومكرورة، أي إما ما دونَ العقل، أو ما لم يَعُد عقلاً اليوم، وهذا بعد أن كان أو لم يَكُن من قبل. العقل هو طبقة المُدرَكات التي تظهر بالتفاعل مع تجارب اليوم وتَحدّياته، وهو بهذه الدلالة غير عميق، ولكن تاريخيٌ دوماً.
يمكن فهم الإصلاح على هذا الأساس العقلي الروحي كتوسيعٍ لمساحة ما هو فكر وعقل ومعنى، على حساب ما ليس عقلاً وما لم يَعُد عقلاً.
وينفتحُ هذا الطرح على تَصوُّر الثورة الاجتماعية والسياسة. إذ أن الانفعال يتجسد في طبقة يسميها الناطقون باسم الحكم السوري الحالي: «العوام»، والكليشيه في طبقة دينية سياسية، تقوم على «السنّة» بالعبارة التي يعطيها العروي للكلمة، أي كآلية لطحنِ الحدث ومنعه من التأثير أو الإحداث (كتابه السنّة والإصلاح)، وفوقَ الكل طبقةُ السيطرة المالكة للعنف، وأخيراً طُبيْقة العقل التي تعمل على توفير مساحة تفكير ومعنىً تتجاوز الانفعال وتُسائِل الكليشيه وتنتقد السلطان. هذا تخطيطي جداً، محاولة ترتيب وعَقلَنة. نستند إليه للقول إن الثورة الثقافية تظهر وفق هذا التصوُّر كظهورٍ لطبقة العقل، متصل بتحسُّن مقدرات «العوام» وتَحرُّرهم من الانفعال، والضغط على الطبقة الدينية المشتغلة بالكليشيهات، والعمل على دَسترة حليفتها في الطاعة طبقة السلطة. الثورة الثقافية جزءٌ من كل، وليس أولوية عليا لا يُحاد عنها.
أن نتغير نحن
يبقى أن مجرد تَصوُّر الثورة الثقافية يُضمِرُ الصعوبة البالغة والندرة والضخامة الملحمية والمجد. الثورات الكبيرة لا تحدث كل يوم، ولا كل قرن. وهي بحاجة إلى جهود خارقة واستثنائية، فإن حدثت فإنها شيء عزيزٌ مَجيد. نبرة العروي في الكتابة ليست ملحمية، لكن فكرة الثورة، والثورة الثقافية، تندرجُ في تَصوُّر ملحمي للتاريخ. هنا أيضاً نميل إلى تصوُّر أقلَّ درامية وملحمية: نبذل جهدنا من أجل تفكير مثمر نشط، عاقل وعادل بقدر المُستطاع، تفكير نتغير فيه نحن، نتكلم ونَعني، ونترك للواقع وللتاريخ أن يَعتنيا بنفسيهما.
الثورة الثقافية هي ما نصير بموجبه حديثين وعقلانيين بحسب عبد الله العروي، لكن يمكن تَصوُّرها كجملةِ الأفعال الفكرية والنفسية التي نترسَّخُ فيها في العالم، هنا والآن. ننضبط مرة بالغاية المرجوة ومرة بالفعل المُنتِج للمعنى الآن. نُعبِّئ مرة من أجل الثورة، نتصورها وثبة إلى الأمام، ونَنكبُّ مرة على ما يحدث هنا والآن، فنترسَّخُ في واقع مُتقلِّب. يريد العروي أن نقفز إلى مستقبل مرجو، نتصوَّر أن المطلوب هو الرسوخُ في العالم.
- الجمهورية نت






















