لم يسأم رئيس وزراء دولة الاحتلال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، ولم يمل من تكرار جملة مضغها كثيرا، بأنه سيغير وجه الشرق الأوسط، ليصبح على هواه: إسرائيل دولة نووية عظمى بين دول لا حول لها ولا قوة، ولتنفيذ مشروعه الانقلابي في الشرق الأوسط المعقد، لا بد من القضاء على أي دولة تطمح لأن تكون نووية وتنافسها في القوة والهيمنة، فبدأت بالعراق، ثم سوريا، وأخيرا في إيران.
لكن أحلام الليل يمحوها النهار فإيران لم تسقط، بل عقدت أمور الشرق الأوسط أكثر، وحدثت معضلة جديدة تتجسد في مضيق هرمز والتنافس للسيطرة عليه من قبل واشنطن وطهران. وانقلب الوضع في سوريا التي تخطو خطوات كبيرة وسريعة، كدولة تستعيد كيانها في هذا الفضاء الشرق أوسطي، مدعومة عربيا ودوليا، لتكون دولة مركزية تمر عبرها كل الطرق.
مصائب نتنياهو تحولت إلى فوائد لسوريا، فبعد أزمة مضيق هرمز توجهت العيون نحو سوريا، لتكون همزة الوصل للإمداد النفطي الخليجي والعراقي عبر البر وتصديره بواسطة الموانئ السورية، وليس عبثا تصريح رئيس دولة الاحتلال إسحق هيرتسوغ، بأن إسرائيل تريد فتح صفحة جديدة مع سوريا، لأنه أدرك تماما أن هذا التهافت الدولي على سوريا لم يأت من فراغ، فزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كأول رئيس دولة أوروبية يزور سوريا، تؤكد هذا المنحى، ومساعي المبعوث الأمريكي لسوريا والعراق توماس براك لنسج علاقات قوية بين سوريا والعراق تأتي أيضا ضمن هذا الإطار، ودعوة الرئيس أحمد الشرع لحضور مؤتمر حلف شمال الأطلسي في تركيا، تؤكد أيضا أن لسوريا دورا كبيرا في الشرق الأوسط على أكثر من صعيد. فتركيا التي كانت تربطها علاقات متوترة جدا مع العهد البائد (فحافظ الأسد قام بدعم حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان، إلى أن تم توقيع اتفاق أضنة في تسعينيات القرن الماضي، وتخلى بموجبها عن المطالبة بلواء إسكندرون، ثم بشار الفار الذي رفض أي لقاء مع الرئيس رجب طيب اوردغان، رغم الضغوط الروسية ودعم تركيا للمعارضة السورية) تربطها اليوم مع النظام الجديد علاقات تحالف قوية، حيث أصبحت سوريا كاملة تدخل في منظومة الأمن القومي التركي، وتقوم بتسليح الجيش السوري بالمعدات التركية، ما أثار غضب دولة الاحتلال، وبدأ مجرم الحرب نتنياهو حربا كلامية ضد تركيا وتحالفها «الإسلامي السني» مع قطر وسوريا وباكستان، ويعتبرها تهديدا لدولة إسرائيل، فهو يرى التهديد من كل جانب، ولكن هيهات أن يتجرأ على تركيا القوية والعضو في حلف الأطلسي، فسعى إلى تحالف بالمقابل مع قبرص واليونان.
لماذا يرغب ترامب بزج سوريا في حروب بالوكالة، من شأنها تعقيد الأمور أكثر وجر المنطقة إلى حروب جديدة لا تؤمن عواقبها ووضع الحكومة والرئيس الشرع في إحراج كبير
أما الولايات المتحدة فقد بدأت تدابير رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، التي ورثها النظام الحالي من النظام البائد. ويسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يكيل المديح للرئيس أحمد الشرع في كل مناسبة، أن ينيط به دور التدخل في حل مشكلة حزب الله في لبنان حيث صرح بهذا الصدد: «أنا قلت لنتنياهو لندع سوريا أن تتولى أمر حزب الله في لبنان»، خاصة بعد رفض حزب الله تسليم السلاح بعد اتفاق مذكرة التفاهم بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية أمريكية. وهنا لا بد من الوقوف قليلا عند هذه النقطة كونها أثارت جدلا كبيرا على جميع المستويات، فمن هو ضد تدخل سوريا في لبنان يقول، إن ترامب يريد أن يحول سوريا إلى دولة وظيفية تخدم مصالحها ومصالح إسرائيل، بينما يرى آخرون أن التدخل السوري في لبنان سيذكر بثلاثين سنة من الهيمنة السورية على لبنان، التي عاث فيها النظام البائد فسادا وإفسادا. أما الشرع فعبر عن موقفه بشكل واضح في مقابلة تلفزيونية، بأن سوريا لا ترغب سوى نسج علاقات ودية مع الجار الشقيق اللبناني، خاصة الشيعة، ولا يرى بأسا في لقاء مسؤولي حزب الله حول طاولة واحدة. وهنا يتم الحديث عن عدة سيناريوهات للتدخل السوري: السيناريو الأول الذي يبدو أنه المفضل لدى الحكومة السورية، وهو السعي إلى ضم قوات حزب الله إلى الجيش اللبناني، كما حصل مع قوات سوريا الديمقراطية الكردية في سوريا، التي تم استيعابها داخل الجيش السوري، وتشير بعض المصادر إلى أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان مؤخرا تأتي ضمن هذا الإطار. أما الخيار الآخر والأخطر، أي التدخل العسكري ضد حزب الله فهو غير واقعي وليس من مصلحة سوريا والسوريين معاداة شيعة لبنان والعراق، وبالأخص إيران التي ستجدها فرصة للتدخل مجددا في سوريا، وسيجد مجرم الحرب نتنياهو ضالته للعودة لضرب إيران في سوريا، وحتى الشعب السوري لا يحبذ مثل هذا السيناريو فهو متعب من الحروب ومثخن بالجراح ويتطلع إلى إعادة بناء سوريا، والتحسن المعيشي، وعودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم، وليس الدخول في حروب جديدة تزيد الطين بلة، ومنهم من سيطرح التساؤل كيف للجيش السوري أن يدخل في قتال مع حزب الله ويتغاضى عن اعتداءات دولة الاحتلال اليومية على سوريا واحتلال أراضيها، وحركة حكمت الهجري في الدعوة للانفصال عن سوريا والاستعانة بإسرائيل؟ ولماذا لا يقوم الجيش اللبناني نفسه بهذه المهمة؟ فهل هو أضعف من الجيش السوري؟ أم هو الخوف من عودة الحرب الأهلية في لبنان؟ وأي تدخل سوري يمكن أن يؤدي إلى النتيجة نفسها؟ وهي أسئلة في محلها.
بعض الأوساط ترى أن هناك مقايضة بين ترامب والشرع من ناحية، عبر ورقة رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، واوردغان وترامب من ناحية أخرى، فتركيا ترغب شراء طائرات مقاتلة إف 35 ومحركات للطائرات التركية مقابل إقناع النظام السوري دخول لبنان. ولكن حتى هذه الفرضية بعيدة التحقيق فليس من المؤكد أن تقبل إدارة ترامب بيع طائرات إف 35 تعارضها إسرائيل بشدة، وقد صرح سفير واشنطن في تل أبيب مايك هاكابي بالقول: «إن إسرائيل لا تقبل بتدخل سوري في لبنان»، ومعنى ذلك أنه في حال أي تدخل ستفتح جبهة جديدة على سوريا تضاف إلى احتلال أجزاء من الجنوب السوري وانتهاكات يومية لجيش الاحتلال في الأراضي السورية، إضافة إلى أن أي عملية تدخل لا يمكن أن تتم، من دون غطاء قانوني عربي ودولي ولبناني، وضمان عدم تدخل عناصر خارجية، وإلا ستحسب كاعتداء على لبنان ككل، وعملية غير محسوبة النتائج.
والحقيقة أن المعضلة الرئيسية تكمن في الاحتلال الإسرائيلي، فالحل يبدأ بانسحاب الاحتلال من الجنوب اللبناني كاملا، ومن الأراضي السورية والعودة إلى اتفاقية فصل القوات لعام 1974. فحزب الله وأمل وافقا على القرار الأممي 1701 وكذلك الحكومة اللبنانية الذي يقضي بوقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، لكن دولة الاحتلال تمعن في البقاء في الجنوب، وتنتهك وقف إطلاق النار و»اتفاق الإطار» بشكل شبه يومي، من دون أي إدانة دولية ومن دون محاسبة ترامب لها. فلماذا يرغب ترامب بزج سوريا في حروب بالوكالة من شأنها تعقيد الأمور أكثر وجر المنطقة إلى حروب جديدة لا تؤمن عواقبها ووضع الحكومة السورية والرئيس الشرع في إحراج كبير.
كاتب سوري
- القدس العربي





















