تقف سوريا اليوم أمام لحظة مفصلية؛ فهي لم تعد مجرد ملف أمني مرتبط بالحدود والتهديدات، بل أصبحت جزءاً من نقاش أوسع حول إعادة بناء الدولة، والطاقة، والممرات الإقليمية، وموقعها في شكل النظام الإقليمي القادم.
استفادت إسرائيل خلال السنوات الماضية من واقع سوري استثنائي؛ دولة منهكة، وحدود مفتوحة على احتمالات متعددة، وتوازنات داخلية وإقليمية جعلت الساحة السورية مجالاً واسعاً للحركة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
لكن المشهد بدأ يتغير مع بروز قيادة سورية جديدة، ومحاولات دمشق استعادة حضورها السياسي والدبلوماسي، والانفتاح العربي والغربي عليها، إلى جانب عودة النقاش حول دورها الجغرافي والاقتصادي في المنطقة.
ولهذا لم يعد السؤال اليوم مرتبطاً فقط بمسار بناء سوريا الجديدة وقدرة دمشق على تجاوز آثار الدمار، بل أصبح جزءاً من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط: هل بدأت الولايات المتحدة بالانتقال من مرحلة إدارة الأزمة السورية إلى مرحلة إعادة ترتيب البيئة السياسية التي تحيط بها؟
فالمسألة بالنسبة لإسرائيل لا تتعلق فقط بإعادة بناء قدرات عسكرية سورية، وهي عملية تحتاج إلى سنوات ، بل باحتمال عودة سوريا كدولة قادرة على إدارة حدودها، واستعادة علاقاتها، والتحول من ساحة نفوذ متنافسة إلى لاعب يؤثر في معادلات الإقليم.
وهنا يظهر التحول الأهم: ربما لم يعد السؤال فقط ماذا ستفعل إسرائيل في سوريا، بل هل تغيرت البيئة التي كانت تسمح لها بفعل ما تريد؟ وهل بدأت واشنطن بالفعل بإعادة تعريف موقع سوريا بما يؤدي تدريجياً إلى تقليص الذرائع التي اعتمدت عليها تل أبيب لتوسيع هامش حركتها؟ أم أن ما يجري لا يتجاوز محاولة أميركية لإدارة توازنات جديدة بين مصالحها وحلفائها في المنطقة؟
لا يكمن التحول الأساسي في المشهد السوري في حجم القوة التي ستستعيدها دمشق خلال السنوات المقبلة، بل في تغيّر موقعها داخل الحسابات الإقليمية والدولية.
فحسابات إسرائيل تجاه سوريا لم تكن مرتبطة فقط بقدراتها العسكرية، بل أيضاً بموقعها الجغرافي ودورها المحتمل داخل أي ترتيبات مستقبلية تخص الأمن والطاقة والتجارة والربط الإقليمي. فسوريا تقع عند نقطة اتصال بين تركيا والعالم العربي والبحر المتوسط، ما يجعل استقرارها وعودة حضورها السياسي عاملاً مؤثراً في شكل المنطقة القادمة.
وهنا تظهر حساسية اللحظة بالنسبة لإسرائيل: فالمشكلة ليست في سوريا الحالية فقط، بل في سوريا التي يمكن أن تتشكل إذا نجحت القيادة الجديدة في إعادة بناء الدولة، والحصول على دعم عربي ودولي، وتحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر تأثير إقليمي.
استفادت تل أبيب خلال السنوات الماضية من غياب التوازنات المنافسة، ومن قدرتها على التعامل مع الساحة السورية باعتبارها مساحة أمنية مفتوحة أكثر من كونها دولة قادرة على ممارسة دور سياسي وإقليمي فاعل.
أما اليوم، فإن دخول عوامل جديدة، مثل الانفتاح العربي والغربي على دمشق، والدور التركي المتزايد، وإعادة طرح ملفات الإعمار والطاقة والربط الاقتصادي، يفرض على إسرائيل حسابات أكثر تعقيداً.
ولهذا فإن عودة دمشق إلى العلاقات الإقليمية لا تعني فقط تحسناً في وضعها الداخلي، بل قد تعني ظهور شبكة مصالح جديدة لا مكان لإسرائيل فيها إلا بالجانب الأمني.
وهنا يكمن جوهر قلق إسرائيل: ليس في سوريا الحالية التي تجاورها اليوم، بل في سوريا التي يمكن أن تتشكل غداً؛ سوريا التي تستعيد قدرتها على الفعل السياسي، وتتحول من أزمة أمنية إلى دولة قادرة على التأثير في معادلات الإقليم.
ولا يرتبط استقرار سوريا بالنسبة لتركيا فقط بالحدود أو الملفات الأمنية، بل يتعلق أيضاً بموقع تركيا في النظام الإقليمي القادم ككل كما أن الموقع السوري يمنح تركيا فرصة لتعزيز دورها كممر للطاقة والتجارة بين الشرق والغرب، وهو ما يجعل الملف السوري جزءاً من رؤية أوسع لمكانة البلدين الإقليمية.
من هنا تنظر إسرائيل إلى تصاعد الدور التركي في سوريا باعتباره تحدياً استراتيجيا جديداً .فالخلاف لم يعد فقط حول تحركات عسكرية أو مناطق نفوذ، بل حول طبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل .
تعاملت الولايات المتحدة ولسنوات طويلة مع الملف السوري باعتباره أزمة أمنية يجب احتواؤها أكثر من كونه فرصة سياسية لإعادة تشكيل العلاقات والتوازنات في المنطقة.
وكانت الأولويات الأميركية تتمحور حول محاربة التنظيمات المتطرفة، واحتواء النفوذ الإيراني، والحد من توسع الحضور الروسي ، إلى جانب ضمان أمن إسرائيل.
واعتادت إسرائيل خلال السنوات الماضية على بيئة إقليمية تسمح لها بهامش واسع من الحركة، لكنها تواجه اليوم احتمال ظهور ترتيبات جديدة تلعب فيها تركيا دوراً أكبر، وتستعيد سوريا موقعها، وتدخل الولايات المتحدة لإدارة التوازنات بدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام إسرائيل لتنشط كما تريد.
دفعت التحولات الأخيرة واشنطن إلى مراجعة بعض حساباتها. فعودة دمشق إلى دائرة التواصل السياسي، والانفتاح العربي والدولي على القيادة السورية الجديدة، وظهور فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، كلها عوامل جعلت سوريا تنتقل من موقع الأزمة المستمرة إلى موقع يمكن أن يصبح جزءاً من ترتيبات إقليمية جديدة.
وهنا تظهر النقطة الأكثر حساسية: واشنطن قد لا تكون بصدد تغيير علاقتها بإسرائيل، لكنها قد تكون بدأت تدرك أن استمرار التعامل مع سوريا باعتبارها مساحة ضعف دائم لا يخدم بالضرورة مصالحها بعيدة المدى.
لذلك فإن دعم مسار سياسي واقتصادي جديد في سوريا قد يكون جزءاً من محاولة أميركية لإعادة ترتيب بعض توازنات المنطقة، وليس مجرد استجابة للواقع السوري الداخلي. فالتحول الأكبر في الموقف الأميركي لا يتعلق فقط بالعلاقة مع دمشق، بل بتغير موقع ودور سوريا في الحسابات الدولية .
وهذا يمثل تبدلاً مهماً في المقاربة الأميركية التي تقلق إسرائيل؛ لأن الدولة السورية المستقرة يمكن أن تصبح عاملاً في ضبط الحدود الإقليمية، وفتح مسارات اقتصادية جديدة، بينما يؤدي استمرار الضعف السوري إلى بقاء فراغ قد تملؤه قوى لا تتوافق مع المصالح الأميركية.
هل تستطيع إسرائيل التأثير في التحولات التي تفرضها المصالح الأميركية؟
قد تكون العلاقة الأميركية الإسرائيلية قوية، لكنها ليست خالية من تباين الحسابات. والولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة من زاوية أوسع تشمل المنافسة مع القوى الكبرى، وأمن الطاقة، ومصالح الحلفاء، والسعي إلى تهدئة إقليمية تحد من احتمالات اندلاع صراعات جديدة.
ولهذا فإن استمرار بعض السياسات الإسرائيلية التي تؤدي إلى توتر مباشر مع تركيا أو تعيق ترتيبات إقليمية أوسع قد يصبح موضع مراجعة في واشنطن .
فعودة سوريا إلى المجال السياسي، وتصاعد الدور التركي، وتغير بعض أولويات واشنطن، كلها عوامل دفعت المنطقة إلى مرحلة مختلفة، حيث أصبحت سوريا جزءاً من نقاش أوسع مرتبط بشكل التوازنات الإقليمية القادمة.
لكن العامل الحاسم سيبقى قدرة القيادة السورية الجديدة على إثبات دورها في بناء دولة مستقرة، والانفتاح على الخارج، وتحقيق خطوات سياسية واقتصادية تمنح المجتمع الدولي الثقة التي يريدها.
وهنا يتضح أكثر فأكثر سبب القلق الإسرائيلي: فالمشكلة ليست في سوريا المحدودة القدرة التي اعتادت إسرائيل التعامل معها خلال السنوات الماضية، بل في سوريا التي يمكن أن تعود لاعباً إقليمياً مؤثراً.
لم تحسم الولايات المتحدة بعد كل تفاصيل موقفها، لكنها تبدو أمام معادلة مختلفة؛ فهي قد تجد نفسها أمام مصلحة أكبر في منع صدام تركي إسرائيلي، وفي دعم سوريا مستقرة أكثر من استمرار حالة الضعف، وهو ما يمثل نقطة التباعد الأساسية مع بعض الرؤى الإسرائيلية الحالية.
لم تبدأ التحولات في السياسة الأميركية تجاه سوريا بقرار منفرد، كما لم تنشأ فقط نتيجة تغيرات داخلية سورية، بل جاءت إثر تراكم عوامل جعلت المعادلات القديمة فاقدة الصلاحية.
- تلفزيون سوريا
























