كشفت وزارة الداخلية السورية، قبل أيام، عن إحباط الوحدات المختصة محاولة إدخال شحنة من الأسلحة النوعية والصواريخ عبر منفذ التنف الحدودي مع العراق، مؤكدة أن التحقيقات أظهرت أن الشحنة كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية لصالح ميليشيا “حزب الله” في لبنان. وذكرت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك أن الأسلحة كانت “مخبأة بإحكام داخل أحد صهاريج نقل النفط المتجهة إلى مدينة بانياس”. وكعادته، نفى “حزب الله” الأمر جملةً وتفصيلاً.
أتى الإعلان السوري بعد أقل من أسبوعين على زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، وعلى الكلام الإيجابي الذي صدر عنه، وقبله عن الرئيس السوري أحمد الشرع، بشأن إمكانية الجلوس مع “حزب الله”.
وليست هذه هي الشحنة الأولى التي يتم ضبطها، كما أنها ليست الأولى التي تعلن السلطات السورية عن إحباط إدخالها. فبعض الشحنات التي تم ضبطها لم يُعلن عنها، لحسابات تتصل بالوضع الأمني داخل سوريا تارة، وبطبيعة الحرب في لبنان وتطوراتها تارة أخرى.
لكن الإعلان الأخير اكتسب اهتماماً تجاوز أهمية الحدث نفسه، بعدما ربطه البعض بلقاء الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أنقرة، على هامش اجتماع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبالحديث المتكرر لترمب عن ضرورة أن يتولى الشرع التعامل مع سلاح “حزب الله”، بعد فشل إسرائيل في تحقيق ذلك وعجز الدولة اللبنانية عن حسم الملف.
ورغم أن الشرع كرر مراراً أن بلاده لا تنوي التدخل عسكرياً في لبنان، فإن إصرار ترمب على تحميل دمشق دوراً في معالجة ملف سلاح “حزب الله” يطرح تساؤلات كثيرة حول طبيعة الدور الذي تريده واشنطن من سوريا، وحدود هذا الدور وتداعياته.
رغم أن الشرع كرر مراراً أن بلاده لا تنوي التدخل عسكرياً في لبنان، فإن إصرار ترمب على تحميل دمشق دوراً في معالجة ملف سلاح “حزب الله” يطرح تساؤلات كثيرة حول طبيعة الدور الذي تريده واشنطن من سوريا
لكن الرد الإيراني لم يتأخر. فبعد ساعات من إعلان الداخلية السورية ضبط الشحنة، استهدفت طهران منطقة التنف في الأراضي السورية، عند المثلث الحدودي مع العراق والأردن، وهي المنطقة التي سبق أن أعلنت واشنطن سحب قواتها منها وتسليم القاعدة إلى الجيش السوري.
وقد اعتُبر الاستهداف رسالة إلى دمشق مفادها أن سوريا ليست خارج دائرة الاستهدافات الإيرانية، في سياق “الرد” الإيراني على الحرب الأميركية المتجددة عليها. إلا أن دلالة استهداف التنف تتجاوز كونها موقعاً سابقاً لقاعدة أميركية؛ فالمنطقة تمثل اليوم نقطة حدودية حساسة تتولى السلطات السورية منع استخدامها ممراً لنقل السلاح من العراق إلى لبنان عبر الأراضي السورية.
تحتاج سوريا، قبل أي شيء، إلى ضبط حدودها. ومنذ اندلاع الحرب الأميركية-الإيرانية، والحرب الإسرائيلية-الإيرانية، والحرب في لبنان بين إسرائيل و”حزب الله”، تعمل دمشق على تحييد أراضيها عن هذه الصراعات قدر الإمكان. وهذا الأمر يمثل حاجة سورية بالدرجة الأولى، قبل أن يكون مطلباً أميركياً أو دولياً.
وفي معرض رفضه المتكرر لأي تدخل عسكري في لبنان، تحدث الشرع عن إمكانية مساعدة لبنان في إيجاد حل لمشكلته المستعصية المتمثلة بـ”حزب الله”. وهنا قد يخطر في بال المراقبين النموذج الذي توصلت إليه دمشق مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وإمكانية استنساخ صيغة مشابهة لمعالجة مشكلة سلاح “حزب الله” في لبنان.
لكن المقارنة بين الحالتين، رغم بعض أوجه التشابه، تبقى محدودة، والفوارق بينهما جوهرية.
صحيح أن “قسد” كانت تدعي احتكار تمثيل المكون الكردي، كما يحتكر “حزب الله” تمثيل المكون الشيعي، وصحيح أن الطرفين يعتبران أن سلاحهما يرتبط بمسألة الحقوق والضمانات، إلا أن الفارق الأساسي يكمن في طبيعة البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بكل منهما.
فالدول الأساسية التي كانت تدعم “قسد” رأت أن الحاجة إليها تراجعت بعد سقوط نظام الأسد، وحصول الشرع على شرعية عربية ودولية، وتحول سوريا إلى شريك للمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب. أما القوة الأساسية الداعمة لـ”حزب الله”، والتي يدين لها “الحزب” بالولاء والطاعة، فلم تتخلَّ عنه، بل ربما ازدادت حاجتها إليه في ظل الخسائر المتتالية التي لحقت بها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول وحتى اليوم.
المعضلة، في جوهرها، تبدأ من طهران. والوضع في المنطقة اليوم أكثر خطورة مما كان عليه قبل شهر
ولعل أبرز هذه الخسائر وأكبرها كان سقوط نظام الأسد، وما يعنيه ذلك من خسارة سوريا كممر استراتيجي.
“حزب الله” ليس مجرد معضلة لبنانية، بل هو ملف متداخل الأبعاد: لبنانية وسورية وعربية وإقليمية ودولية. لكن حل هذه المعضلة لا يبدو أنه يمكن أن يتم عبر تدخل سوري مباشر، كما يرغب ترمب، ولا من خلال مبادرات حوارية جربها اللبنانيون على مدى عقود، ولم تؤدِّ في نهاية المطاف إلا إلى زيادة قوة “الحزب” وترسيخ سلاحه.
لكن المعضلة، في جوهرها، تبدأ من طهران. وسأكرر ما كتبته قبل أسبوع: “الوضع في المنطقة اليوم أكثر خطورة مما كان عليه قبل شهر”.
ستسعى إيران، على الأرجح، إلى جر أكبر عدد ممكن من دول المنطقة إلى الحرب، وإلى توسيع دائرة استهدافها لتشمل دول الخليج والمنطقة. فإيران اليوم أضعف من أي وقت مضى، والضعيف وحده يخشى السلام، ويسعى إلى الحروب هرباً من أزماته الداخلية والخارجية.
وفي هذا المشهد المتصاعد، تبدو سوريا أمام اختبار بالغ الحساسية: كيف تحمي حدودها وتمنع استخدام أراضيها ممراً للسلاح، من دون أن تتحول إلى طرف في حرب إقليمية لا تريدها، وكيف تتعامل مع الضغوط الأميركية من جهة، والتهديدات الإيرانية من جهة أخرى، فيما يبقى ملف “حزب الله” واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، وأصعبها حلاً.
- المجلة
























