لم يتبع اعتراف الرئيس بأن السلطة وقعت في الفخ إطلاق مبادرة شاملة لمعالجة نتائج أحداث السويداء، أو مسار وطني يجمع ممثلين عن الضحايا والمهجرين والفعاليات المدنية ومكونات المحافظة.
زار أهالي السويداء قبور أبنائهم في الذكرى السنوية الأولى لأحداث تموز/يوليو 2025، ووضعوا الزهور أمام شواهد الضحايا، فيما استعادت العائلات أسماء القتلى والمفقودين وصور الأيام التي تحولت فيها المحافظة إلى ساحة للقتل والخطف والنهب والتهجير.
وفي مدينة السويداء، نظم فرسان «بني معروف» مسيرًا انطلق من دوار العنقود وصولًا إلى ساحة الكرامة، تحت عنوان «مسير الوفاء لشهداء الجبل»، وجاب المشاركون شوارع المدينة تكريمًا للضحايا واستذكارًا للأحداث التي دخلت الذاكرة المحلية باسم «تموز الأسود». كما أقيمت وقفات تأبينية رُفعت خلالها صور القتلى والمفقودين، وطالب المشاركون بكشف مصير المحتجزين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وفي موازاة ذلك، نظم أبناء العشائر المهجّرون من المحافظة وقفة احتجاجية لإحياء الذكرى، طالبوا خلالها بالكشف عن مصير المغيبين والمحتجزين، ومحاسبة المتورطين في الجرائم، وضمان عودة العائلات إلى قراها ومنازلها وأراضيها. وعكست الفعاليات المتزامنة استمرار الجرح لدى الدروز والبدو، رغم اختلاف رواية كل طرف عن أسباب الأحداث ومسؤولية الجهات المشاركة فيها.
وعلى الجانب الآخر من المأساة، لم يقتصر الضحايا على الدروز، إذ قُتل مدنيون من البدو أيضًا، وتعرضت عائلات للخطف والنهب والتهجير. وبعد مرور عام، لا تزال عائلات كثيرة بعيدة عن منازلها، وتبقى ملفات المفقودين والمختطفين مفتوحة. وتكشف متابعة «القدس العربي» أن المحاسبة المعلنة بقيت محصورة في عدد من المنفذين المباشرين، من دون أن تمتد إلى المسؤولين عن تخطيط العملية وقيادتها.
جرح لم يُغلق
على مستوى الخسائر البشرية، خلّفت أحداث تموز/يوليو 2025 أكثر من 1700 قتيل من مختلف الأطراف، إلى جانب عشرات المفقودين ونزوح أعداد كبيرة من السكان. ولم تتوقف آثار المواجهات عند الخسائر البشرية والمادية، إذ عمّقت الانقسامات داخل المحافظة، وأعادت تشكيل العلاقة بين مكوناتها على أساس الخوف والاتهامات المتبادلة.
وعلى امتداد العام الماضي، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى امتداد للصراع الميداني، عبر حملات التخوين والتحريض والتشهير، ما أضعف فرص إطلاق حوار مجتمعي يعيد بناء الثقة، وكرّس روايات متعارضة بشأن المسؤولية والضحايا.
وفي ظل هذا الواقع، استمرت خطوط السيطرة والانقسام الأمني، وتراجعت الخدمات العامة، وتعرض قطاعا الصحة والتعليم لضغوط متزايدة، فيما بقيت عودة السكان إلى القرى والمنازل مرتبطة بتسوية أمنية وسياسية لم تتبلور بعد.
تقرير دولي يوسّع دائرة المسؤولية
في هذا السياق، زاد تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا من صعوبة حصر ما جرى في مجموعة من التجاوزات الفردية. فقد كشف أن التدخل الحكومي في السويداء جرى ضمن تنسيق بين وزارتي الدفاع والداخلية، شمل إنشاء غرفة عمليات مشتركة ونشر ما يقارب أربعة آلاف عنصر.
وبحسب التقرير، تحركت القوات الحكومية من عدة محاور، بالتوازي مع مشاركة مقاتلين من العشائر، قبل أن تدخل مدينة السويداء وتسيطر على أجزاء منها، وسط عمليات قتل ونهب وحرق. كما تحدث عن اجتماع سبق الهجوم في قرية المزرعة، شارك فيه مسؤولون من وزارتي الدفاع والداخلية وقادة حكوميون، في محاولة للتوصل إلى تفاهم يسمح بدخول القوات بأقل قدر من العنف، قبل أن تفشل تلك المحاولة.
وفي قراءة لمسار العنف، وضع التقرير أحداث تموز/يوليو ضمن ثلاث موجات متداخلة. استهدفت الأولى مدنيين دروزًا على يد عناصر من القوات الحكومية ومقاتلين قبليين رافقوها، فيما استهدفت الثانية مدنيين من البدو على يد جماعات مسلحة درزية بعد انسحاب القوات الحكومية. أما الثالثة، فجاءت على شكل هجمات انتقامية طالت قرى درزية أو مختلطة، وشملت القتل والحرق والنهب.
أما حصيلة الضحايا، فقالت اللجنة إنها تلقت تقارير موثوقة عن مقتل أكثر من 1707 أشخاص. ومن بين الضحايا الذين صنفهم التقرير، قُتل من الدروز 1190 رجلًا و99 امرأة و22 فتى و31 فتاة، ومن البدو 53 رجلًا و9 نساء و5 فتيان و3 فتيات. وكان معظم هؤلاء من المدنيين أو من الأشخاص الذين لم يكونوا يشاركون في الأعمال العدائية وقت مقتلهم.
إلى جانب ذلك، قُتل ما لا يقل عن 225 عنصرًا من القوات الحكومية، سقط كثير منهم في الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع في السويداء ودمشق بين 14 و16 تموز/يوليو، إضافة إلى قتلى آخرين من مقاتلي العشائر.
ولم تقتصر نتائج التحقيق على الأرقام، إذ وثقت اللجنة عمليات إعدام ميداني وقتلً داخل المنازل وفي الشوارع، إلى جانب الخطف والتعذيب والعنف الجنسي والاعتداء على الممتلكات ودور العبادة. كما تحدثت عن فصل الرجال والفتيان الأكبر سنًا عن النساء والأطفال، وقتل عدد منهم بعد إهانتهم على أساس هويتهم الدينية.
وتتجاوز أهمية التقرير توثيق الجرائم إلى توسيع دائرة المسؤولية؛ فوجود غرفة عمليات وانتشار آلاف العناصر وسلسلة قيادة واضحة يجعل من الصعب اعتبار الانتهاكات أفعالًا منفصلة، ويعزز مطالبة اللجنة بمحاسبة جميع الجناة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم.
الاعتراف بـ«الفخ»
في قراءته اللاحقة للأحداث، قال الرئيس أحمد الشرع إن السلطة «وقعت في الفخ»، في إشارة إلى ما اعتبره استدراجًا سياسيًا وعسكريًا استغل التوتر داخل السويداء والتدخل الإسرائيلي اللاحق.
وحتى مع التسليم بوجود فخ خارجي أو تدخل إسرائيلي سعى إلى استغلال الأحداث، فإن ذلك لا يلغي المسؤولية الداخلية. فالسلطة اتخذت قرار تحريك القوات، وكانت مسؤولة عن اختيار القادة والوحدات، وضبط العناصر، وحماية المدنيين.
ومن هنا، لا يكفي الحديث عن الاستدراج لتفسير طريقة تنفيذ العملية، أو الأوامر التي صدرت، أو التأخر في وقف الانتهاكات. ومع ذلك، لم يتبع الاعتراف بالوقوع في الفخ إعلان مراجعة سياسية أو عسكرية مستقلة، ولم تقدم السلطات تقريرًا علنيًا يحدد المسؤولية عن القرار.
المحاكمات تتوقف عند العناصر
على المستوى القضائي، أعلنت لجنة التحقيق الوطنية انتهاء عملها وإحالة ملفات تتضمن شبهات جنائية إلى القضاء، فيما بدأت جلسات لمحاكمة عدد من المتهمين بالتورط في الانتهاكات. وبحسب مراجعة «القدس العربي» للبيانات الرسمية المتعلقة بالتحقيقات والمحاكمات، لم يُعلن عن إحالة أي قائد رفيع في وزارتي الدفاع أو الداخلية إلى القضاء على خلفية التخطيط للعملية أو إدارة محاورها.
في المقابل، وصفت اللجنة الوطنية الانتهاكات التي ارتكبها عناصر من القوات الحكومية بأنها أفعال فردية وغير ممنهجة، مؤكدة أن المحاكمات علنية وأنه لا حصانة لأي متورط.
ولا يعني ذلك التقليل من مسؤولية المنفذين؛ فكل من قتل مدنيًا أو شارك في التعذيب أو الخطف أو النهب يجب أن يحاسب. لكن هؤلاء عملوا ضمن وحدات لها ضباط وقادة وتسلسل أوامر، ولا تفسر محاكمتهم وحدهم كيف وقعت الانتهاكات خلال عملية شارك فيها الآلاف وأدارتها غرفة عمليات مشتركة.
وإذا توقفت التحقيقات عند الحلقة الأدنى، فستبدو المحاكمات تضحية بمجموعة من الأفراد لحماية أصحاب القرار. فمسؤولية القادة لا تقتصر على إصدار أوامر مباشرة، بل تشمل علمهم بالجرائم، أو أن الظروف كانت تفرض عليهم العلم بها، وعدم اتخاذ إجراءات لمنعها أو وقفها ومعاقبة مرتكبيها.
والأهم من ذلك، أن وقوع انتهاكات متشابهة في مواقع متعددة واستمرارها على مدى أيام يفرضان التحقيق في مستوى القيادة والرقابة، بدل الاكتفاء بوصف الجرائم بأنها تجاوزات فردية غير مترابطة. ويظل غياب التحقيق المعلن في مسؤولية القيادة الفجوة الأبرز في مسار المحاسبة.
عدالة لا تنتقي الضحايا
في المقابل، لا يمكن بناء العدالة من خلال تبنّي رواية طرف واحد. فقد ارتُكبت انتهاكات واسعة ضد المدنيين الدروز خلال دخول القوات الحكومية والمقاتلين المرافقين لها، كما تعرض مدنيون من البدو للقتل والخطف والتهجير على يد جماعات مسلحة درزية.
وعليه، لا ينبغي أن تتحول المطالبة بمحاسبة عناصر القوات الحكومية وقادتها إلى تجاهل الجرائم التي ارتكبتها الأطراف الأخرى، أو استخدام تلك الجرائم لنفي المجازر التي تعرض لها المدنيون الدروز.
وعلى المستوى الإنساني، تبقى عودة المهجرين أحد أهم الاختبارات أمام أي تسوية حقيقية، إلى جانب كشف مصير المفقودين والمحتجزين لدى جميع الأطراف، وإطلاق سراح المدنيين، وتعويض أصحاب الممتلكات التي تعرضت للحرق والنهب.
وبذلك، فإن العدالة التي تنتقي ضحاياها على أساس الهوية تعيد إنتاج أسباب الصراع بدل معالجتها. وتحتاج المحافظة إلى مسار يعترف بجميع الضحايا، من دون مساواة مصطنعة بين الوقائع أو طمس الفروق في حجم الجرائم، ومن دون إغفال مسؤولية الدولة عن سلوك قواتها.
عام بلا مبادرة سياسية
أما سياسيًا، فلم يتبع اعتراف الرئيس بأن السلطة وقعت في الفخ إطلاق مبادرة شاملة لمعالجة نتائج الأحداث، أو مسار وطني يجمع ممثلين عن الضحايا والمهجرين والفعاليات المدنية ومكونات المحافظة.
كذلك، لم تقدم الحكومة برنامجًا معلنًا يتضمن جدولًا زمنيًا لعودة السكان، وتعويض المتضررين، وإعادة بناء القرى، وكشف مصير المحتجزين، واستعادة الخدمات والمؤسسات. وبقيت الخطوات الرسمية موزعة بين التحقيقات القضائية واللقاءات المحلية والإجراءات الإنسانية المحدودة، من دون إطار سياسي قادر على إعادة الثقة بين المحافظة والدولة أو بين مكوناتها الداخلية.
وأبعد من ذلك، لا يمكن اختزال أزمة السويداء في الخلاف بين دمشق والشيخ حكمت الهجري، أو في التدخل الإسرائيلي، أو في الجرائم التي ارتكبتها الجماعات المسلحة. فالأزمة أصبحت أوسع، وتشمل غياب الثقة بالمؤسسات، وانتشار السلاح، وتعطل عودة المهجرين، وتضارب روايات الضحايا، وغياب جهة سياسية قادرة على جمع الأطراف ضمن مسار واحد.
وفي الذكرى السنوية الأولى، عاد أهالي السويداء إلى قبور أبنائهم، واستعادت العائلات أسماء قتلاها ومفقوديها، لكن الدولة لم تنجح في جمع المتضررين ضمن مسار مشترك للحقيقة والعدالة، أو تقديم مبادرة تحول دون انتقال المأساة إلى عام ثانٍ.
وفي المحصلة، اعترف الرئيس بأن السلطة وقعت في الفخ، لكن الاعتراف لم يتحول إلى مراجعة سياسية، فيما اقتصرت المحاكمات المعلنة على العناصر ولم تصل إلى القادة وأصحاب القرار.
- القدس العربي





















