لا يمثل النفط اليوم مجرّد سلعة رئيسية ينخفض سعرها ويرتفع بحسب أحوال السوق ومدى توفّرها والحاجة إليها، بل صار لغة من لغات السياسة يجب فهمها والتحدّث بها، خصوصاً في أثناء الحروب الكبيرة، مثل التي تجري في المنطقة حالياً، والتوتر الذي يُحدثه مضيق هرمز، وهو من أهم معابر النفط العالمية. الخلاصة التي أكدتها هذه الحرب بخصوص النفط هي أن المنابع النفطية لا تزيد أهمية على الطرق التي تسير عليها! والدول الكبرى لا تدير صراعاتها على أساس المصادر النفطية فقط، بل من أجل الجغرافيا التي تنقلها، وتأتي حرب الناقلات التي كانت عنواناً لفصل مهم من فصول الحرب العراقية الإيرانية مثالاً على أهمية خطوط المواصلات النفطية، كما قدّمت سورية في السابق نموذجاً حياً لطرق نقل الطاقة، ومشروع خطوط التابلاين الشهير منذ أربعينيات القرن الماضي يحفظه أرشيف المنطقة، ويضعه بشكل بارز بالتوازي مع كل انقلاب حصل في البلاد. واليوم مع التوتر الكبير الذي يحيق بمنطقة الخليج، تندفع دول الاستيراد النفطي إلى التفكير أو حتى إعادة النظر في خطوط إمدادها.
تأتي الولايات المتحدة على رأس قائمة المستفيدين اقتصادياً من الأزمة الراهنة التي كانت طرفاً أساسياً في وقوعها واستمرارها، وكانت قد تحوّلت خلال العشرة أعوام الأخيرة، إلى أكبر منتجٍ ومصدرٍ للنفط الصخري غالي الثمن، وتفتح أزمة الخليج اليوم أمامها أبواباً جديدة لأسواق كانت في السابق حكراً على نفط الخليج، وخصوصاً في آسيا. فبيانات الأشهر الأخيرة تشير إلى زيادة في واردات كوريا الجنوبية بنحو 25%، إذا ما قورنت النسبة بواردات ما قبل الأزمة، وقفزت واردات اليابان من الخام الأميركي بنحو 75%، وتترافق تلك الحركة النفطية التصديرية مع انخفاض الواردات من نفط الشرق الأوسط. ليس هذا الانزياح الواضح حركة تجارية متبدلة اعتيادية بقدر ما هي تحوّلٌ في الثقة نحو مورد مستقر ذي مكانة جيوسياسية آمنة، ولا تقتصر المكاسب الأميركية على عدد البراميل التي تبيعها، بل بالمكانة المعزّزة التي حصلت عليها من حلفائها في آسيا، فكل ناقلة نفط ترسو في موانئ آسيا تعني نموّاً في التماسك السياسي، وتعطي الولايات المتحدة هامشاً أوسع في بؤرة تعتبر الصين فيها لاعباً أساسياً.
تعلن صحيفة فاينانشال تايمز قبل يومين أن شركة شيفرون الأميركية تبحث إنشاء شبكة أنابيب تمتد من العراق عبر سورية وصولاً إلى ميناء بانياس. المشروع المقترح يستفيد جزئياً من شبكة أنابيب قديمة، وينقل نفط العراق إلى الساحل السوري. وليس من المصادفة أن هاتين الدولتين شكلتا على مدى عقدين تقريباً ميداناً للصراعات وساحات للحرب الدامية، وقد يتحوّلان اليوم إلى معابر وخطوط للطاقة، يمكن أن تصل الخليج العربي بالبحر المتوسّط، وفق خطة تعود جذورها إلى أربعينيات القرن الماضي. لكن توالي الحروب والتقلبات السياسية طمرتها عميقاً، وها هي تبعث اليوم في ظروف سياسية مختلفة تتطلّع إلى إيجاد منفذ برّي يكون بديلاً لمضيق هرمز. لا تعلن أميركا خطّة ناجزة لهذا السيناريو، لكن سياق الحدث يوحي بأن ترتيبات سياسية تقود إلى هذه النتيجة، لإضعاف إيران ونزع ورقة المضيق من يدها، وحيوية فكرة ربط البحر المتوسط بالخليج العربي تكمن في أن تنفيذها يمكن أن يؤسّس إلى استقرار متين لواقع اقتصادي جديد، ينسجم مع التحوّلات التي شهدتها سورية.
قد لا تكون المجريات الحالية مجرّد حرب خليجية أخرى، بل بداية لمرحلة حاسمة يُدار فيها رسم خرائط الطاقة. وإذا كانت معظم حروب القرن العشرين قد دارت حول منابع النفط ومصادر الطاقة، فإن صراعات هذا القرن تبدو متمحورة حول الجغرافيا وخطوط النقل وتأمينها، وقد احتفظت إيران بموقفٍ قويٍّ خلال كل الفترة السابقة نتيجة موقعها الحيوي إلى جوار هرمز. وبناءً على هذا، سيكون إرساء الاستقرار في سورية والعراق مطلباً أساسياً وحاجةً فعلية لخطوط نقل آمنة تشكل جزءاً من أمن الطاقة العالمي.
- العربي الجديد























