يكاد يكون هذا أحد أهم الدروس التي تعلمها العالم من تجارب الانتقال السياسي خلال العقود الأخيرة: ليس أصعب ما في الثورات أن تنتصر، وإنما أن تعرف متى تتوقف عن التصرف كثورة، وتبدأ بالتصرف كدولة، فإسقاط نظام سياسي، مهما بلغت صعوبته، ليس سوى بداية الطريق، أما الاختبار الحقيقي فيبدأ عندما يصبح المطلوب بناء مؤسسات قادرة على إدارة الحياة اليومية للناس، لا مجرد إدارة لحظة الانتصار.
ولهذا السبب، لا تنشغل الأدبيات الحديثة في علم السياسة بسؤال: كيف تنتصر الثورات؟ بقدر انشغالها بسؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف تنجح المراحل الانتقالية؟ فالفرق بين الأمرين ليس لغوياً، وإنما هو الفرق بين هدم بناء قديم، وبين تشييد بناء جديد، وقد أثبت التاريخ أن النجاح في الأول لا يضمن النجاح في الثاني، بل إن كثيراً من الثورات التي انتصرت عسكرياً أو شعبياً تعثرت لاحقاً لأنها بقيت تستخدم أدوات الثورة في إدارة الدولة.
الثورة بطبيعتها تعيش على التعبئة، وعلى الحماسة، وعلى الاستجابة السريعة للمتغيرات، أما الدولة فتعيش على شيء مختلف تماماً؛ على المؤسسات، والإجراءات، والقوانين، والتخصص، وتقسيم المسؤوليات، واستقرار قواعد العمل، الثورة تستطيع أن تنجح بالاستثناء، لكن الدولة لا تعيش إلا إذا تحول الاستثناء إلى نظام، والحماس إلى سياسات، والبطولة إلى إدارة عامة محترفة.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة خارجة من الحرب هو أن تستمر في التفكير بمنطق الطوارئ بعد انتهاء الضرورة التي أوجدتها، فحالة الطوارئ قد تكون مبررة في لحظة المواجهة، لكنها تصبح عبئاً عندما تتحول إلى أسلوب دائم في الحكم، ومن هنا جاءت فكرة “المأسسة” التي تكاد تكون الكلمة الأكثر حضوراً في تجارب الانتقال السياسي الناجحة، لأنها تعني ببساطة أن تصبح الدولة قادرة على العمل بكفاءة بغض النظر عن الأشخاص الذين يديرونها.
وليس من قبيل المصادفة أن التجارب التي تُدرَّس اليوم في الجامعات، من إسبانيا بعد فرانكو، إلى جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري، مروراً بتشيلي ورواندا وغيرها، لم تنجح لأنها حافظت على حرارة الثورة، وإنما لأنها امتلكت الشجاعة للانتقال إلى مرحلة جديدة لها قواعد مختلفة تماماً، لقد أدركت تلك الدول أن الشرعية الثورية وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد، ولا لإدارة قضاء، ولا لتطوير تعليم، ولا لتقديم خدمة عامة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
وهنا يبرز تحدٍ آخر لا يقل صعوبة عن بناء المؤسسات، بل لعله الشرط الأخلاقي لنجاحها: كيف نبني دولةً تحمل ذاكرتها، من دون أن تحمل ثأرها؟ فجميع التجارب المقارنة تقريباً تميز بين أمرين يختلطان كثيراً في المجتمعات الخارجة من الحروب: الذاكرة الوطنية والانتقام السياسي، فالذاكرة ضرورة؛ لأنها تحفظ حقوق الضحايا، وتصون الحقيقة من الإنكار، وتمنع تكرار المأساة، أما الثأر، حين يتحول إلى منهج دائم، فإنه لا يحفظ الماضي، بل يأسر المستقبل كله داخله.
ولهذا، لم تكن العدالة الانتقالية في أي تجربة ناجحة مرادفاً للانتقام، كما لم تكن مرادفاً للنسيان، لقد قامت دائماً على معادلة أصعب من الاثنين معاً: الاعتراف بالحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، مع حماية المجتمع من الدخول في دورة جديدة من الكراهية لا تنتهي. فالدولة التي تُدار بمنطق الثأر لا تستطيع أن تبني ثقةً عامة، تماماً كما أن الدولة التي تطلب من الناس أن ينسوا آلامهم لا تستطيع أن تبني سلاماً حقيقياً.
ولعل هذا هو أحد الفروق العميقة بين الثورة بوصفها لحظةً تاريخية، والدولة بوصفها مشروعاً تاريخياً، فالثورة قد تُولد من الغضب، أما الدولة فلا يمكن أن تُدار بالغضب، إنها تُدار بالعقل، والقانون، والذاكرة العادلة، والإرادة المشتركة في ألا يتكرر ما حدث مرةً أخرى.
وهنا تكمن إحدى المفارقات التي قد تبدو صادمة للوهلة الأولى، فالمواطن الذي اعتاد سنوات طويلة أن يراقب أخبار الجبهات، والمفاوضات، والخطابات، سيجد أن الخبر الأكثر أهمية بعد انتهاء الصراع قد لا يكون خبراً سياسياً أصلاً، قد يكون نظاماً إلكترونياً جديداً يختصر إنجاز المعاملات، أو مستشفى يقدم خدمة أفضل، أو مدرسة ترتفع فيها جودة التعليم، أو مشروعاً يربط قواعد البيانات بين المؤسسات، أو مؤشرات أداء تساعد الوزارة على اكتشاف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات.
هذه التفاصيل الصغيرة لا تصنع ضجيجاً، لكنها تصنع الدول، وهي لا تتصدر النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها هي التي تحدد بعد سنوات ما إذا كانت التجربة الانتقالية قد نجحت أم لا.
ومن هنا، فإن سوريا اليوم تحتاج إلى تحول في طريقة تفكيرنا جميعاً، لا في أداء مؤسساتها فقط، ونحن، تحديداً، نحتاج إلى أن نعيد تعريف معنى النجاح، فالنجاح لم يعد هو مجرد اتخاذ القرار، وإنما تنفيذه، ولم يعد هو الإعلان عن المبادرة، وإنما قدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس، ولم يعد هو كثرة الخطط، وإنما وجود آليات واضحة لمتابعتها وتقويمها وتصحيح مسارها كلما دعت الحاجة.
كما تحتاج إلى أن نتصالح مع حقيقة أخرى كثيراً ما تغيب عن النقاش العام: أن بناء الدولة عملٌ تراكمي، لا يحدث بقفزة واحدة ولا بقرار واحد، إنه عملية طويلة من التعلم، والتصحيح، والمراجعة، وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، ولهذا، فإن أكثر الدول نجاحاً لم تكن تلك التي ادعت الكمال، بل تلك التي امتلكت القدرة على الاعتراف بأخطائها وتصحيحها باستمرار، فالدولة الحديثة ليست دولةً لا تخطئ، وإنما دولة تتعلم.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الثورات بنفسها هو أن تنجح في إنتاج دولة لم تعد بحاجة إلى أن تتصرف كثورة كل يوم، فالثورة كانت لحظة استثنائية فرضتها ظروف استثنائية، أما الدولة فهي المشروع الدائم الذي ينبغي أن يتسع للجميع، وأن يحكمه القانون، وأن تقوده المؤسسات، وأن يُقاس نجاحه بما ينعكس على حياة الناس لا بما يقال على المنابر.
فالثورات لا تُقاس فقط بما تُسقطه من أنظمة، بل بما تُقيمه من مؤسسات، ولا تُخلَّد لأنها انتصرت في معركة، بل لأنها نجحت، بعد ذلك، في أن تجعل الدولة أعظم إنجازاتها.
- الثورة السورية



























